بعض تداعيات باريس على الخرطوم ؟

ثروت قاسم
Facebook.com/tharwat.gasim
Tharwat20042004@gmail.com
1-مقدمة:
وفي النتيجة ليست هناك باريس واحدة ! في الحالة التي نحن بصددها نحاول إستعراض إنعكاسات ( باريس ) تان على الخرطوم .

باريس الاولى تتناول في هذه الحلقة الإسقاطات على الخرطوم من غزوة داعش الإرهابية على باريس في يوم الجمعة 13 نوفمبر .

باريس الثانية تتناول في حلقة قادمة أهم نتائج ومخرجات إجتماع تحالف قوى ( نداء السودان ) الذي إنتهى في نفس يوم الجمعة 13 نوفمبر 2015 ، وتداعياته على الخرطوم .

2- مولد داعش ؟

في يوم السبت 17 ابريل 2010 ، اعلن رئيس الحكومة العراقية آنذاك نوري المالكي عن مقتل امير دولة العراق الإسلامية أبو عمر البغدادي ووزير دفاعه أبو أيوب المصري، في عملية مشتركة بين القوات العراقية والأميركية.

في يوم السبت 24 ابريل 2010، بعد سلسلة انفجارات في بغداد وعدد من مناطق محافظة الأنبار، تم تنصيب أبو بكر البغدادي اميراً لتنظيم لدولة العراق الإسلامية ، خلفاً لأبو عمر البغدادي.

في يوم السبت 24 ابريل 2010، تم إعلان الولادة الثانية لدولة العراق الإسلامية.

منذ ذلك اليوم ، وتنظيم ( الدولة ) يكبر حجماً ، ويتطوّر أداءً ، ويزداد استعراضاً.

في يوم الجمعة 5 يوليو 2014 ، القى ابوبكر البغدادي خطبة الجمعة في الجامع الكبير في الموصل ، ثاني أكبر مدينة في العراق ، ونصب نفسه الخليفة وأميراً للمؤمنين في رياح الدنيا الأربعة .

ومن ديك وعيك …

3- عمليات داعش الذئبية ؟
في موازاة تمرحُله الاستراتيجي من دولة إسلامية في العراق ، إلى دولة إسلامية في العراق والشام ، بُعيد اندلاع الربيع السوري ، حتى إعلانه ( خلافة إسلامية ) عالمية، كانت تكتيكاته العسكرية والأمنية تقوم على ابتكار ما أمكن من الأساليب التي تسمحُ باعتمادها أدواتُ الثورة التكنولوجية .

بالإضافة لعملياتها الانتحارية الكثيفة ، تفننت داعش في إحراق الأحياء في اقفاص حديدية ، وإغراقهم في اقفاص حديدية ، وتفجيرهم ، وإعدامهم جماعياً، لتجعل من عمل منافسيها في تنظيم القاعدة باهتاً قياساً بما تقوم به.

في يوم الجمعة 13 نوفمبر ، وبغزوة باريس ، وسّع تنظيم داعش من مدار تفجيراته ليشمل العالم الغربي.

يبقى السؤال : هل إنتحر داعش في يوم الجمعة 13 نوفمبر ، وبدأ العد التنازلي لقبره ؟ أم سوف يستمر معنا لبعض الوقت ؟
إنتظروا … إنا معكم منتظرون .
4- رؤوس داعش الاخطبوطية ؟
في مارس 2003 ، كانت 20 يوماً كافية لإحتلال العراق بأسره ، وتدمير نظام صدام حسين .

في مارس 2011 ، كانت 7 شهور كافية لإحتلال ليبيا بأسرها ، وتدمير نظام القدافي .

في نوفمبر 2015 ، لا تزال الدولة الإسلامية الداعشية بقيادة ابوبكر البغدادي قائمة بعد 15 شهراً من بدء الحملة الجوية الستينية بقيادة الولايات المتحدة ، وبعد 60 الف طلعة جوية في العراق وسوريا .

فما السر وراء إستدامة داعش وتمددها ؟

5- غزوة باريس ؟
نبدأ بإدانة ، وبالمطلق ، عمليات داعش الإرهابية التي عرفتها باريس يوم الجمعة 13 نوفمبر .
يتشاءم الغرب من الرقم 13 لانه قد حدثت في ايام 13 من الشهر عدة مجازر رهيبة في تاريخهم .

أخطر ما فى عمليات داعش الإرهابية هو تعميق مشاعر ( الإسلاموفوبيا ) ضد العرب والمسلمين وزيادة حدة التوتر بين العالم الغربى والعربي – الإسلامي .

قام المجتمع الدولي ولم يقعد بسبب عمليات باريس الارهابية، ولم يعط 0.1 % من هذا الإهتمام للسلخانات التي تحدث يومياً في دارفور والمنطقتين ، وفي سوريا ، واليمن ، وليبيا ، والعراق ، والصومال ، ومؤخراً في بيروت . كما لم تتطرق الوسائط الإعلامية الغربية ، ولا الحكومات الغربية للأسباب التي دفعت الأرهابيين لإرتكاب عملياتهم الإرهابية .

6- اسباب عمليات داعش الإرهابية ؟
يمكن إختزال بعض الاسباب وراء عمليات داعش الإرهابية في النقاط التالية :

اولاً :
لم تشر الوسائط الإعلامية الدولية ولا المجتمع الدولي للتدخلات العسكرية الغربية في الدول العربية وتفتيت هذه الدول وقتل مواطنيها بالملايين وتدمير بنياتها التحتية وتشريد اهلها كما حدث ويحدث حالياً في العراق ، وليبيا ، واليمن ، وسوريا . يشعر العرب بالظلم والغبينة والمهانة جراء هذه التدخلات العسكرية الغربية في بلادهم ، ومن ثم هذه الحوادث الارهابية الإنتقامية لأنهم ضعفاء ولا يملكون غير تفجير انفسهم إنتقاماً لكرامتهم المُهدرة ، كما لا يملكون على جيوش نظامية لرد العدوان الغربي … ومن ثم حيلة الضعيف المغبون ونتيجتها هذه الحوادث الإنتقامية الإرهابية من شباب في العشرينات من عمرهم .

ثانياً :
كما يلعب التهميش بسبب المناطقية او القبلية او الاثنية او الدين من قبل انظمة مركزية مستبدة وفاسدة دوراً هاماً في الشعور بالمظلوميات وتوليد الغبائن التي تدفع المغبونين لحمل السلاح كما في دارفور والمنطقتين ، وكما تفعل داعش ضد الحكومة الشيعية المستبدة الفاسدة في بغداد ودمشق .

ثالثاً :
ويلعب الإحباط المتزايد لدى الشباب العاطل عن العمل وإنسداد افق الحاضر والمستقبل أمامهم بسبب سياسات الحكومات الفاسدة والتمكينية دوراً مهماً في تاجيج العمليات الإنتقامية الإرهابية .

7- حلقة جهنمية ؟
هذه العمليات الإنتقامية الإرهابية سوف تستمر وندخل في حلقة شيطانية مفرغة لأن الدول سوف تنتقم من داعش وترد داعش بمهاجمة المدنيين الذين يحاكون البط الأعرج.

لا تستطيع اي دولة تقديم الحماية لكل مواطنيها طيلة الوقت ، امام من لا يتورع في قتل نفسه لقتل عدوه المُفترض … ليدخل الجنة .

نعرف إن الإرهاب نتيجة، وليس سبباً .
وهي نتيجة قد تتحول ، في دائرة مفرغة ، إلى سبب لنتيجة أخرى أكثر خطورة . وهكذا دواليك في دائرة جهنمية مفرغة لا تنتهي حتى تبدأ من جديد.

في المقابل ، هذه وتلك وغيرهما من أسباب تفشي ظاهرة الأرهاب ، لا يذكرها الإعلام الغربي ، بل يركز على الحدث وحصرياً على الحدث دون تقصي ومعرفة اسبابه ودوافعه .

لذا وجب التنبيه .
7- بعض تداعيات غزوة باريس على الخرطوم ؟
نحاول في النقاط التالية ، إختزال بعض تداعيات غزوة باريس على الخرطوم :
اولاً:
إختزل رئيس وزراء بريطانيا ديفيد كاميرون احدى أهم تداعيات عمليات داعش الإرهابية في باريس على الخرطوم ، عندما قال :

( عندما يضرب الإرهاب بلادنا ، يتوقف الحديث عن حقوق الإنسان !) …

وبمد الخيط على إستقامته نضيف :
عندما يضرب الإرهاب الإسلاموي بلاد الغرب ، يتوقف حديثهم عن التحول الديمقراطي والحريات العامة والخاصة في السودان .

ارغمت غزوة باريس إدارة اوباما والإتحاد الأروبي على التركيز على حقوق مواطنيهم في الحياة ، التي تمثل أهم حقوق الإنسان ، على حساب حقوق إنسانية أخرى ، في بلادهم وخارجها ، بما في ذلك السودان .

ثانياً :
سوف يراهن الغرب على الإستقرار في السودان ، حتى على يد حاكم مستبد وفاسد ؛ ببساطة لأن الفوضى تستولد الدواعش ، حسب ما تقول به ادبياتهم . والدواعش يستولدون الغزوات الإرهابية ، كما غزوة باريس .

ثالثاً :
في باريس يوم الجمعة 13 نوفمبر ، اعاد المبعوث الأمريكي الخاص للسودان السفير دونالد بوث توكيد السياسة الأمريكية في السودان ، بعد الزيارة التي قام بها وفده للسودان في الفترة من يوم الأربعاء 26 إلى يوم الأحد 30 أغسطس 2015 .

ترفض إدارة اوباما الإطاحة بنظام الإنقاذ ، وتدعم التغيير الدستوري عبر الإنتخابات ، كما تدعم الحوار المؤدي للتغيير الدستوري الناعم .

بعد غزوة باريس فإن نشر الحريات ، وإحترام حقوق الإنسان ، والتحول الديمقراطي ، والحوار الجاد بمستحقاته في السودان … هذه وتلك أمور مقدور عليها ويمكنها الإنتظار لحين !

الامر الذي لا يحتمل الإنتظار بعد غزوة باريس هو الإطمئنان على إستمرار حكومة الخرطوم:

+ في مد إدارة اوباما بالمعلومات الإستخباراتية لمكافحة الإرهاب الإسلاموي في القرن الأفريقي ،

+ في المشاركة في الحملة الستينية التي تقودها إدارة اوباما ضد داعش ،

+ في المشاركة في عاصفة الحزم،
+ إستمرار حكومة الخرطوم في قلب ظهر المجن لإيران التي تهدد إسرائيل .
رابعاً :
اكد دونالد بوث إن إدارة اوباما لن تسمح للفوضى ان تعم السودان بزوال نظام الإنقاذ ، وبعدها يحاكي مصيره الوضع في ليبيا وسوريا واليمن ، وتتدفق الفوضى منه إلى دولة جنوب السودان ، التي إستولدتها القابلة الأمريكية من رحم نظام الإنقاذ .

خامساً :
في المقابل ، يؤكد السفير دونالد بوث إن إدارة اوباما سوف تقف ، وبشدة ، ضد إعادة ملف دارفور من محكمة الجنايات الدولية إلى مجلس الأمن ، لتصبح قضية سياسية بدلاً من جنائية ؛ وسوف تساعد إدارة اوباما في تفعيل أمر القبض الصادر من المحكمة ضد الرئيس البشير . كما أكد السفير دونالد بوث إن إدارة اوباما لن تنظر في أمكانية الجلوس مع نظام البشير بخصوص شطب الديون السودانية ورفع اسم السودان من قائمة الدول المساعدة للإرهاب وتعليق العقوبات والمقاطعات مادام الرئيس البشير ( المطلوب للعدالة الدولية ) رئيساً للجمهورية ، وما دامت الحرب الأهلية مُستمرة في دارفور والمنطقتين .

سادساً :
في المحصلة ، و في الملفات المذكورة اعلاه وبالأخص في ملف دارفور ومحكمة لاهاي ، لم تغير غزوة باريس موقف إدارة اوباما الإستراتيجي .

8 – بول بريمر السوداني ؟
كلمة اخيرة واجبة .
في مارس 2003 ، بعد الإطاحة بنظام صدام حسين ، عينت إدارة بوش الأبن السفير بول بريمر رئيساً للسلطة الوطنية الموقتة التي أدارت العراق. كان الأمر رقم واحد الذي أصدره بول بريمر ، إخراج حزب البعث من مواقع العمل الحكومي في العراق وإجتثاثه ، والأمر رقم 2 حلّ الجيش العراقي.

اليوم، هناك معلومات مؤكدة إن قادة الإرهاب الآن في داعش جميعهم ضباط سابقون في الجيش العراقي .

الولايات المتحدة جنت ما زرعت، وقُتِل في العراق حوالى سبعة آلاف جندي أميركي، وجرح عشرات الألوف لا يزال بعضهم يعالج من أمراض نفسية حتى اليوم ، ومات اكثر من مليون عراقي . وبلغت النفقات النهائية للحرب اكثر من الف مليار دولار، ولا يزال الدفع لقدامى المحاربين والمرضى مستمراً.

في هذا السياق ، يسعى الفريق مالك عقار ليكون بول بريمر 2 السوداني ، فيكون الأمر رقم واحد الذي يصدره بعد الإطاحة بنظام الإنقاذ إخراج حزب المؤتمر الوطني من مواقع العمل الحكومي في السودان وإجتثاثه، والأمر رقم 2 حلّ الجيش السوداني .

نواصل …

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.