مقال خطير …… الرئيس والاسلاميون: من سيصرع الآخر ؟

مقال خطير ……
الرئيس والاسلاميون: من سيصرع الآخر ؟

يس ابوصالح المحامى

قال تعالى ” قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء
وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل
من تشاء بيدك الخير إنك على كل شئ قدير” صدق الله العظيم

هل دارت الايام وأكملت دورتها على حكم الاسلاميين فى السودان بعد أن تحول عهدهم من عهد لتوفير العدل وإشاعة السلام الى عهد للمظالم وسفك الدماء؟ إنتهى أمرهم الى ملك عضوض وأصبح ما يعرفون بقيادة التنظيم او زعماء الجبهة الإسلامية أفراداً فوق القانون لا يطالهم حساب ولا تبلغهم شكوى فتحولوا للوردات للفساد والمال والسلطة والحروب وهى أكبر مسببات نزع الحكم كما يخبرنا المولى جل شانه بذلك فى كتابه الكريم.

قدمت لهم النصيحة (الدين النصيحة) من أفراد ومجموعات عديدة لكنهم إستغشوا ثيابهم واستمرءوا السلطة واستكبروا استكباراً وانغمسوا فى ضلالهم يعمهون.

مؤشرات عديدة تشير الى أن التحالف القائم بين الإسلاميين والعسكر فى نهاياته، يلفظ أنفاسه لأسباب متعددة نتناول بعضاً منها فى هذا المقال. وقد كنا فى سابق الايام ترساً فى طاحونة هؤلاء قبل ان يتوب الله علينا بلطفه ويفتح بصيرتنا وبصرنا على أمور وممارسات ما كنا نتخيلها تحدث من أشد الناس عداوة للإسلام دع عنك من يتحدثون بإسمه ويدعون أنهم يقيمون دين الله فى الأرض.

منذ العام 1999 وما عرف بالمفاصلة آنئذ، ظل صراع خفى يدور بين قطبى الحكم (العسكر والاسلاميين). ظلت وتيرة هذا الصراع تعلوا وتهبط حسب متغيرات ومعطيات كثيرة لكنه ظل موجوداً وإن تظاهر الطرفان بعدم وجوده بالرغم من قناعة كل طرف بوجوده وان ساعة المواجهة آتية لا ريب فيها حيث ذهب كل طرف يعد عدته لها فى صمت وتدرج. بعد التطورات الأخيرة نستعرضها هنا، ونسأل :هل حانت لحظة المفاصلة والمواجهة بين الطرفين، وهل إكتملت الحلقات؟

بعد وقوع بعض التطورات الداخلية والإقليمية وتفادياً للمواجهة وتبعاتها حاول الإسلاميون ممثلين فى زعيمهم التاريخى حسن الترابى التقارب مع العسكر بعد خلاف داخلى مرير. ومن أجل ذلك قدموا الكثير من التنازلات فى محاولة لحماية أنفسهم ومشروعهم مما آل إليه حال إخوتهم فى بعض الدول المجاورة ومن متغيرات كثيرة حملت مؤشرات على سوء المنقلب.
ورغم إجتهاد قيادة الإسلاميين فى التقارب مع معسكر العسكر بقيادة البشير وبذلهم للكثير من التطمينات ولعب ورقتهم المفضله بضرورة وحدة الاسلاميين والمصير المشترك، إلا أن تشكيل الحكومة الأخيرة بجانب مأزق جنوب إفريقيا بتداعياته الاقليمية والدولية أعادا للسطح من جديد الصراع المكتوم بين المعسكرين.

جاء مأزق جنوب إفريقيا فى قت غير مناسب تماماً للرئيس. إذ أن الرجل لم يكاد يكمل تشكيل حكومته الجديدة بعد انتخابات عمل الاسلاميون أكثر من المعارضة لمقاطعتها وهو أمر يعلمه الرئيس ويأخذه فى الحسبان.

جاء تشكيل الحكومة صادماً لكثير من قيادات الإسلاميين التاريخية خاصة معسكر على عثمان إذ وجه لهم الرئيس ضربة موجعة. فقد وعدهم الرئيس بتعيين الدكتور عوض الجاز فى موقع المسؤل السياسى للتنظيم وهو الوعد الذى وافقوا على ضوئه على تشكيل الحكومة بعد أن واجه التشكيل صعوبات داخل قيادة الحزب. ذلك الوعد مهد الطريق للرئيس للمضى قدماً فى تشكيل الحكومة. تقول المصادر الموثوقة أن أسماء الوزراء تم تغييرها عدة مرات بين مكاتب الحزب فى شارع المطار وبين القصر الجمهورى. غير أن الرئيس كان حاسماً فى موقفه من إستبعاد مجموعة على عثمان بعد أن أعادت فتح خطوطها مع مجموعة الترابى وهو الأمر الذى يعمل الرئيس على تجنب حدوثه. لكن سرعان ما إكتشف معسكر على عثمان خدعة الرئيس لهم بعد إعلان الحكومة والتغيرات فى الحزب واستبعاد الدكتور الجاز من مسؤل التنظيم وتعيين شخص يطيع الرئيس مثل بنانه.
فى ردة فعل واضحة للضربة التى تلقاها، اجتهد معسكر على عثمان فى رد الصاع صاعين للرئيس واستطاع من خلال عناصره المستترة تمرير معلومات وتطمينات بان زيارة الرئيس لجنوب إفريقيا مضمونة العواقب ولا بأس عليها. وتم تشجيع الرئيس للسفر فى مخالفة واضحة لنصائح مستشاريه. كان هدف مجموعة على عثمان هو إيقاع الرئيس فى (مرمطة) وهز صورته أمام المواطنيين والعالم والإستخاف به ووضعه موضع السخرية والإذدراء. كل ذلك لإبلاغه رسالة أنه لا يمكنه فعل شئ بدونهم وانهم وحدهم القادرين على إدارة الأمور وتجنيب الرئيس أى مطبات دبلوماسية وسياسية.

يقوم موقف الإسلامين (مجموعة الترابى، على عثمان، غازى صلاح الدين) على قناعة ترسخت لديهم أن الرئيس اصبح عبئاً ثقيلاً على مشروعهم وأنه يقف حجر عثرة لإحداث أى اختراق يجنبهم نهاية دموية محتومة بالنظر لما يجرى فى المنطقة. هذا الموقف أصبح قناعة راسخة عند الاسلاميين حتى عضويتهم العادية واصبحوا ينظرون للرئيس إنه عبء ثقيل، ولكى ينجوا بمشروعهم، لابد مما منه بد ولا بد من صنعاء وإن طال السفر!

اصبح واضحا للعيان أن التنسيق بين مجموعات الإسلاميين قطع شوطاً مقدراً. آخر مؤشرات هذا التنسيق تمثلت فى خطوة لافتة حيث قام الترابى بنقل نشاط حزبه من مقر الحزب الى منزله قبل ايام معدودة فقط من مأزق جنوب أفريقيا وهو الأمر الذى يفيد بأن الرجل كان يتحوط لشىء ما، فى خطوة فهمت على أن مجموعة على عثمان سربت له معلومات بوجود وسائط للتجسس بمقر الحزب. وكان الترابى قد أشار أكثر من مرة الى شكوكه أن الحكومة تتجسس على حزبه وأن هناك وسائط تجسس فى مقر الحزب. غير ان اتخاذه لخطوة نقل نشاط الحزب لمنزله يؤكد ان مجموعة على عثمان مررت له معلومات بحقيقة وجود وسائط التجسس فقام على ضوء ذلك بنقل نشاط الحزب الى منزله.

إكتملت قناعة الأسلاميين أن الرئيس اصبح عبئاً وانه فقد مشروعيته بعد فشل الانتخابات – التى عملوا أكثر من غيرهم لافشالها- كما أن قضية المحكمة الجنائية هزت صورته واصبح شخصاً هارباً من العدالة وهو وضع لا يناسب موقع الرئيس حسب قناعتهم، لذلك قال قائلهم “زى ما جبناه .. حا نشيلوا” او هكذا حسموا أمرهم وعلى الله فاليتوكل المتوكلون! فبعد واقعة جنوب إفريقيا تحول الهمس الطويل بين الإسلاميين الى جهر، فما التقى اثنان او ثلاثتة منهم إلا كان موضوعهم الاساسى هو كيفية التخلص من الرجل الذى حملوه الى سدة الحكم فحول مشروعهم الى كابوس. ما يدور فى لقاءات الاسلاميين فى أمسيات رمضان يؤكد بجلاء أن الجماعة قد حسموا أمرهم للتخلص من الرجل وهم كما يقولون عن انفسهم ” أهل مكة أدرى بشعابها”. وامسيات رمضان الخرطومية حافلة بالكثير.

عبر عن موقف الاسلاميين هذا أحد أهم كتابهم (دكتور الأفندى) فى مقال شهير طالب فيه الرئيس بالرحيل صراحة. والافندى لمن يعلمون بواطن الأمور لا يكتب اصالة عن نفسه. من يطالع المقال يعلم أن الجماعة أرادوا تبليغ الرئيس بقرار التنظيم من أحد أهم كتابهم موصول بقيادات الداخل والخارج.

وبينما حسم الاسلاميون أمرهم، كان الرئيس ومعسكره قد سبقوهم فى قراءة متقدمة لمآلات الأوضاع. كان أكبر مؤشر لتحول الرئيس عن الإسلاميين هو قراره المنفرد بالإنضمام لعاصفة الحزم والخروج من معسكر إيران والتحول لمعسكر السعودية ومصر، وهو تحول اعتبره الإسلاميون خطير جداً ولا يؤيدونه بل عبروا عن أعتراضهم عليه صراحة ومن رأيهم أن الرئيس تخطى كل مؤسسات الدولة والحزب واصبح يتصرف بمفرده فى قضايا خطيرة خارج صلاحياته. غير أن الأحداث اللاحقة أثبتت أن الرئيس لم يكترث بمعارضتهم الأمر الذى يؤكد أنه ماض فى خطته لإستبعادهم وأن هنالك إستحقاقات إقليمية التزم بها الرئيس وسيمضى فى تحقيقها.

من ناحية أخرى اشارت مصادر صحفية عديدة أن دول تحالف عاصفة الحزم طلبت من الرئيس قطع علاقاته بالاسلاميين لكى تفتح له طرق الدعم الاقتصادى بجانب مناقشة قائمة الارهاب مع أمريكا وحثها التدخل لتأجيل موضوع المحكمة الجنائية من قبل مجلس الأمن. وهذه هى القضايا الأساسية التى تشغل بال الرئيس حيث تواتر انه عازم على نهاية عهده باستعادة البلاد لوضعها الطبيعى وتحسين علاقاتها فى الجوار والعالم وهو الوعد الذى التزمت له به قيادات دول عاصفة الحزم، غير ان الرئيس يعلم أكثر من غيره أن هذا الهدف لا يمكن تحقيقه فى ظل سيطرة الاسلاميين على مفاصل السلطة.

إلى كل هذه النقاط واسباب التناقض بين المعسكرين لاحظ بعض المحللين رفض الرئيس التعليق سلباً او إيجاباً على مقترح الدكتور الترابى وما يسميه ” النظام الخالف”، وفهم المقربون من الرئيس إن عدم تعليق الرئيس يعنى رفضاً ضمنياً لمقترح النظام الخالف حيث يراه الرئيس حيلة جديدة من الترابى للعودة للسلطة كما حاول ذلك العام 1999. ويرى هؤلاء المقربون أن الرئيس يعد لتغييرات جذرية تطيح بالاسلاميين وتخرجهم من دائرة الفعل فى ظل توفر الدعم الإقليمى والدولى بجانب عزمه لاحراز السلام ووقف الحرب كما جاء فى كلمته عند آداء القسم بعد الانتخابات وتبع ذلك بإبعاد عبد الرحيم محمد حسين من وزارة الدفاع ليفتح الطريق لتفاهم جديد مع الحركة الشعبية التى فشل الوزير للوصول لتفاهمات معها.

الرئيس من جانبه يعتقد أن الاسلاميين أصبحوا حجر عثرة فى استقرار حكمه واستعادة علاقاته مع العالم والإقليم وانهم بدورهم اصبحوا عبئاً ثقيلا عليه وانه أتاح لهم من الفرص ما يكفى لتحقيق استقرارالحكم وتحقيق قبول اقليمى ودولى للنظام. وبالنظر للمتغيرات الاقليمية والدولية ورفض العالم للتظيمات الاسلامية يعتقد الرئيس أن بإمكانه استعادة قبوله إقليميا ودوليا إذا استطاع تغيير واعادة بناء القاعدة الشعبية لنظام حكمه بعيداً عن الإسلاميين ويصب تقاربه المتصاعد مع الحزب الإتحادى وقيادته وما تمارسه عليه والدته من ضغوط فى هذا الاتجاه ومحاولة ارجاع السيد الصادق المهدى للسودان فى هذا الإتجاه. كل هذه المؤشرات تؤكد أن الرئيس عازم على قلب الطاولة على الإسلاميين.

أكثر من ذلك يمكن الإشارة الى الصعوبة التى أصبح يواجهها قادة الإسلاميين فى لقاء الرئيس، حيث انعدمت اللقاءات، وفى واقعة مشهودة تم طرد نافع على نافع من القصر كما تم إنهاء خدمة صهره فى القوات المسلحة، أما على عثمان والدكتور الترابى فلم يلتقيهم الرئيس من قبل الانتخابات. وكان الرئيس قد رفض اللقاء بالدكتور الترابى أكثر من مرة وهو الأمر الذى دفع الشيخ للإعتذار من المشاركة فى حفل التنصيب ألامر الذى اثار شكوكاً كثيرة وباعد من الشقة بين الرجلين. الى ذلك لم تعد اللقاءات والمناسبات الإجتماعية التى برعت قيادات الإسلاميين فى ابتداعها للقاء الرئيس وإيصال رسائلهم، لم تعد ممكنة ولاحظ الكثيرون اعتذار الرئيس عن المشاركة فى عدة مناسبات خطط لها بعناية.

خلاصة القول أن المشهد الحالى مقبل على صراع بقاء ومواجهة حاسمة بين طرفين ترسخت عند كليهما انه لم يعد بإمكانهما العمل سوياً كما لم تعد هناك أوراقا يمكن لعبها لكسب الوقت وشغل الناس والعالم .هذه المواجهة التى بدأ انها اصبحت محتومة من شانها إما أن تعيد الإسلاميين الى السلطة بكامل زخمهم او تضع حداً لحكمهم. من واقع التجارب السابقة برهن الاسلاميون أنهم الأكثر إجادة للمؤامرة ولهم فيها ضروب، غير ان الرئيس نفسه شارك فى كثير من مؤامراتهم وعلى علم بطريقة تفكيرهم وتمويهاتهم. فهل ترى سيكسب الرئيس معركته الفاصلة معهم ام سيصرعوه ويسلموه للمحكمة الجنائية حسب ما صرح الترابى وطالبه بتسليم نفسه للمحكمة الجنائية أو كما سلم إخوة لهم للمخابرات الامريكية والغربية حسب ما يرددون فى خاصتهم.

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.