قوات حفظ السلام.. هل حقا تعمل على حفظ السلام

عناصر من أصحاب القبّعات الزرقاء يواجهون اتهامات بارتكاب انتهاكات جنسية والتسبب في زيادة وتيرة الصراعات في أفريقيا عوضا عن تقليصها.
العرب

الغايات السياسية المبطنة وجرائم بعض الأفراد تفسد الجانب المضيء لقوات حفظ السلام

نيويورك – دعا الرئيس الأميركي باراك أوباما، على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، إلى تعزيز قوات حفظ السلام الدولية، بدعوى أنها “لم تعد قادرة على تلبية الطلب المتزايد” بسبب تزايد النزاعات في أفريقيا، ليثير بذلك مزيدا من الانتقادات والشكوك حول قوات حفظ السلام وهل حقا تعمل على حفظ السلام؟
وقالت الجماعات الحقوقية المنتقدة لتصرّفات بعض أفراد القوات إن الهدف من حديث أوباما عن “تعزيز وإصلاح حفظ السلام”، يأتي في سياق الردّ على التقارير التي اتهمت عناصر من أصحاب القبّعات الزرقاء بارتكاب انتهاكات جنسية والتسبب في زيادة وتيرة الصراعات عوضا عن تقليصها. ولم ينف مسؤولون أميركيون أن تعزيز مهمات الأمم المتحدة يفترض أن يسمح بمكافحة الانتهاكات الجنسية التي أضرت بسمعة جنود حفظ السلام خصوصا في أفريقيا الوسطى، بشكل أفضل، وقالوا إنه بوجود مزيد من القوات، لن تتردد الأمم المتحدة كثيرا في ملاحقة المخالفين.

وكان تقرير يعود تاريخه إلى 15 مايو، تسرّب مؤخّرا من داخل الأمم المتحدة، وتناقلته وكالات الأنباء، ذكر أن عناصر من قوات حفظ السلام، في هايتي وليبيريا، قامت بمقايضات “قذرة” للحصول على خدمات جنسية من مئات النسوة. وذكر التقرير أن أجهزة الرقابة الداخلية في الأمم المتحدة اعترفت بأن تجربة بعثات السلام الأممية في هايتي وليبيريا أثبتت أن هذه المبادلات الجنسية شائعة ولا يكشف عنها كما ينبغي، رغم مرور عشر سنوات على إطلاق الأمم المتحدة استراتيجية لمكافحة الاستغلال الجنسي في بعثاتها التي تشمل اليوم قرابة 125 ألف عنصر حول العالم.

وفي تحقيق أجري لكشف ملابسات هذه الممارسات، أكدت 231 امرأة من هايتي أنهن مارسن الجنس مع جنود من قوات حفظ السلام مقابل خدمات أو سلع، فيما أكدت سيدات في الأرياف أن نقص المؤونة والمواد الأولية والأدوية وانعدام الملجأ من الأسباب الرئيسية وراء هذه الممارسات.

وتعود أول جريمة مسجلة لانتهاكات قوات حفظ السلام إلى سنة 1990، حين كشفت عميلة الأنتربول كاثرين بولكوفاك، تواطؤ موظفي الأمم المتحدة في الاتجار بالجنس وتهريب الشابات من أوروبا الشرقية. وتوالت فضائح الأمم المتحدة التي قالت إن الاتهامات بالاستغلال أو الاعتداء الجنسي تراجعت منذ 2009، لكن عاودت الارتفاع عامي 2012 و2013.

وليست القوات الأممية وحدها المتهمة بانتهاك حقوق المواطنين الذين تدافع عنهم وتعمل على حفظ سلامهم، حيث سرّب تقرير مشابه في شهر أبريل الماضي يتعلّق بتحقيقات أجريت في ربيع عام 2014 حول “اتهامات خطيرة” باستغلال جنسي لأطفال وانتهاكات ارتكبها عسكريون فرنسيون بحق أطفال في أفريقيا الوسطى، وذلك قبل نشر قوة تابعة للأمم المتحدة، التي وجّهت لها منظمات غير حكومية تهمة التكتم على هذه الجرائم.

100 ألف عدد قوات حفظ السلام النظامية المنتشرة في أفريقيا عام 2015
إلى جانب الاتهمات بانتهاك حقوق الإنسان تواجه قوات حفظ السلام الأممية انتقادات بشأن القيام بمهامها على أكمل وجه، فرغم النجاحات التي حققتها القوات، في بعض العمليات، إلا أنها لم تحقق الهدف الذي قيل إنها بعثت من أجله. وتكشف دراسة حول عمليات حفظ السلام في أفريقيا صدرت عن مجلس العلاقات الدولية الأميركي، (في شهر مايو 2015)، أن بعثات حفظ السلام أحرزت نتائج متباينة في أفريقيا. ويشير معدّ الدراسة دانييل ريدويك أن البعثات الحالية إلى أفريقيا الوسطى وجمهورية الكونغو الديمقراطية ومالي وجنوب السودان ودارفور لم تساعد على تحسن الاستقرار، رغم بعض النجاحات التي تحققت قبل عشر سنوات في غرب أفريقيا حين تعاون أصحاب القبعات الزرقاء مع قوات إكواس، في ليبيريا وسيراليون وساحل العاج، وقد أشيد بها على نطاق واسع.

وخصّت الانتقادات بالأساس فشل قوات حفظ السلام في التدخل في اللحظات الحرجة. واستند المنتقدون على ما جاء في تقرير أجرته الأمم المتحدة عام 2014 جاء فيه أن قوات حفظ السلام استجابت مرة واحدة فقط، في خمس حالات، تعرض فيها المدنيون للتهديد، بينما فشلت في استخدام القوة في أعنف 10 هجمات على المدنيين بين عامي 2010 و2013.

في ذات السياق، كشف تقرير أصدرته منظّمة هيومن رايتس ووتش في 2014، أن قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة والقوات الكونغولية فشلت في منع وقوع هجوم في جمهورية الكونغو الديمقراطية، ما أسفر عن مقتل ثلاثين مدنيا على الأقل.

على صعيد متّصل، تسعى الدول الممولة لقوات حفظ السلام، سواء بالمال أو بالجنود والموظّفين، إلى تحقيق مكاسب سياسية بمقابل نظير مشاركتها في بعثات الأمم المتحدة، على غرار الهند التي تشير إلى كونها من أكبر مزوّدي قوات حفظ السلام بالأعضاء، (تشارك بـ850 جنديا)، كلما فتح الحديث عن مطالبتها بأن تصبح عضوا دائما في مجلس الأمن. بدورها تشكو العديد من الحكومات الأفريقية من عدم وجود تأثير يُذكر لرأيها في تشكيل وتحديد مهام عمليات الأمم المتحدة في القارة، وهذا الإقصاء، وفق ريتشارد غوان، خبير المؤسسات الأمنية في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، يمنعها من “الهروب من وصاية الأمم المتحدة في أزمات المستقبل”.

ودخلت المنافسة بين الصين والولايات المتحدة في أفريقيا، هذا المجال أيضا، حيث ردّت الصين، ومن نيويورك، على دعوة الرئيس الأميركي برفع عدد القوات بأن أعلن الرئيس الصيني شي جين بينج أن بلاده سوف تسهم بتقديم مليار دولار وحوالي 8 آلاف جندي في قوات حفظ السلام، في إشارة إلى أن الدولة صاحبة ثاني أكبر اقتصاد في العالم تعزز تواجدها على الساحة الدولية.

وعلى مدار سنوات أرسلت الصين أكثر من 30 ألف جندي للانخراط في قوات حفظ السلام خلال 24 مهمة، وهو ما يفوق عدد قوات أي دولة أخرى من الدول الخمس التي تمتلك حق النقض “الفيتو”، أما الولايات المتحدة فهي الممول الرئيسي لصندوق عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام، وتساهم بـ28 بالمئة من ميزانيته السنوية البالغة 8،3 مليار دولار، إلا أنها تمتنع عن تقديم قوات، لكن أوباما أعلن عن مضاعفة عدد الضباط الأميركيين، والذي يبلغ حاليا 78 رجلا.

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.