عشرة ايام غيرت مجرى التاريخ في اكتوبر 21؟

ثروت قاسم
Facebook.com/tharwat.gasim
Tharwat20042004@gmail.com

ثورة اكتوبر 21 ؟
في يوم الأربعاء 21 اكتوبر 2015 ، نحتفل بالعيد ال 51 لثورة اكتوبر المجيدة .

يصح في ثورة اكتوبر تساؤل عنترة : هل غادر الشعراء من متردم ، من كثرة ما كُتب وقيل عن ثورة اكتوبر خلال نصف القرن الماضي ، بما يصعب معه إستيلاد أي إضافة جديدة مفيدة .

لهذا السبب ، سوف نحاول التركيز على عطاء مواطن واحد من جماهير اكتوبر ؛ لأن هذا العطاء قد تجاهلته كتب التاريخ ، التي أعاد كتابتها ترزية الإنقاذ ، لتغمط وتبخس الناس أشياءهم !

ليس القصد من وراء هذه المقالة تبخيس جهود الالاف التي شاركت ، كل حسب عطائه ، في تفجير ثورة أكتوبر ! أكرر … هذا إستعراض لجهد فرد واحد ، وضع طوبة في صرح اكتوبر ، وربما وضع اخرون أكثر من طوبة !

سوف نختزل ، في النقاط أدناه ، تقييم الطوبة التي وضعها السيد الإمام في تشييد صرح العشرة أيام التي غيرت مجرى التاريخ في اكتوبر 21 !

وقد توخينا تقصي الحقيقة ، كل الحقيقة ، ولا شئ غير الحقيقة ، وبالاخص تجنب التطبيل الفارغ الذي يضر ولا ينفع ، وتجنب بناء الأصنام ، والعجول التي لها خوار !

فالكاتب ليس بسامري ، ولا هو من سحرة النبي موسي ، حارقي البخور للفرعون !

نقول :

اولأ :
كل ثورة لا تنفجر بغتة وبدون مقدمات ، بل تكون نتيجة تراكمات موضوعية لا تحتاج سوى لقداحة لتفجيرها في الوقت والمكان المناسبين . تحاكي الثورة ، أي ثورة ، كتاباً من عدة فصول ؛ ولا يمثل يوم تفجيرها ونجاحها سوى الفصل الأخير من هذا الكتاب .

من هذا المنطلق ، وفي عام 1961 بعد وفاة الإمام الصديق ، تم إنتخاب السيد الأمام أميناً عاماً للجبهة الوطنية المتحدة التي ضمت كل الأحزاب السودانية المناهضة لنظام الرئيس عبود العسكري . وإستمر السيد الإمام في مواصلة الكفاح للإطاحة بالنظام العسكري ، وحتى اكتوبر 21 .

في إطار هذا الكفاح السلمي بالقوى الناعمة , وفي أبريل 1964 ، أصدر السيد الإمام كتيبأ بعنوان :
( مسألة جنوب السودان ) ،

أوضح فيه أن المسألة في جوهرها مشكلة سياسية واقتصادية وثقافية مركبة ، ولا يمكن حلها بأسلوب عسكري- أمني ! وأنه يجب أن تتم مناقشتها علي نطاق واسع في بلاد السودان ، وبحرية تامة ، لإيجاد حل سياسي مناسب لها !

استدعي وزير الداخلية وقتها ، أحمد مجذوب البحاري ، السيد الإمام ، وهدده بالأعتقال لنشره كتابه ، الذي ، وبحسب أدعائه ، يفضح ممارسات نظام عبود الاستبدادية ، في جنوب السودان !

قال السيد الإمام ، الذي لا يخشى في الحق لومة لائم :

( قرار الإعتقال بيدكم ، وقرار نشر ما في الكتاب بيدي! ) !

وانتهى الأمر على ذلك !

وصار الكتاب مرجعية من مرجعيات ثورة اكتوبر ! واستعمل اخرون ومنهم الدكتور حسن الترابي ، المعلومات التي حوته ، في مخاطبة ندوة اكتوبر الاولى ، وخلق بطولات ، ( ونسوا ) أن يرجعوا الفضل لصاحبه !

ثانيأ :
+ في مساء يوم الأربعاء 21 أكتوبر 1964 ( اليوم الأول للثورة ) ، عقد طلاب جامعة الخرطوم ، ندوة ثانية في داخليات الجامعة الشرقية ( البركس ) ، عن الأحداث في جنوب السودان ، خصوصأ سياسة نظام عبود القمعية في الجنوب ! تدخل البوليس ؛ ومنع عقد الندوة ! فتأهب الطلاب المشاركون في الندوة ، للخروج في مظاهرة ضد نظام عبود !

باغت البوليس المسلح الطلاب المتظاهرين ، بأسلحة نارية ، لمنعهم من الخروج خارج حرم الجامعة !
دخل الطلبة في معركة حامية ضد البوليس ، بالحجارة ! أطلق البوليس الرصاص الحي علي الطلبة ، فاستشهد الشهيد الطالب الجامعي القرشي ، ونقل 27 من الطلبة الجرحى ، بأصابات نارية ، إلى مستشفي الخرطوم !

ثالثاً :
+ زار السيد الإمام ، مع آخرين ، الطلبة الجرحي في مستشفي الخرطوم في نفس ليلة الأربعاء ، وترحم علي روح الشهيد القرشي في المستشفي ! كما زار أسرة الشهيد القرشي ، في نفس الليلة ، وأبلغهم بضرورة تمسكهم بجثمان الشهيد ، وأن يرفضوا تسليمه للسلطات العسكرية! ووقف معهم وقفة صلبة ، نتج عنها تحول أسرة الشهيد القرشي في قرية القراصة للانتماء لحزب الأمة من يومها ، وحتي تاريخه … الإقناع بالقدوة الحسنة !

رابعأ :
+ عشية الاربعاء 21 أكتوبر 1964 ، أصدر السيد الإمام خطابه الشهير:

( رسالة للمواطن السوداني ) …

والذي دعا فيه الأمة السودانية للثورة على الحكومة العسكرية!

واتبع السيد الإمام رسالته للمواطن السوداني ، بالحشد والتعبئة الميدانية ، الأمر الذي أجبر الرئيس عبود لارسال ضابطين ، من عظام الضباط ، للتفاوض معه ، لأيجاد حل للأزمة المتفاقمة !

خامسأ :
+ لم ينم السيد الإمام ليلة الأربعاء ، ودعا ، وترأس اجتماعاً لقادة حزب الأمة الساعة السادسة من صباح يوم الخميس 22 اكتوبر 1964 ، لمواجهة الموقف ، والإعداد لكل الاحتمالات ، خصوصاً ( بعد الساعة السادسة صباح الإطاحة بنظام عبود ) !

سادساً :
+ في يوم الخميس 22 أكتوبر 1964 ( اليوم الثاني للثورة ) ، قاد السيد الإمام موكب تشييع جثمان الشهيد القرشي ، وأم المصلين بميدان عبد المنعم ، في الخرطوم !

تمت مراسيم الصلاة على الشهيد ، ووضع على ظهر لوري ، ليدفن في قريته … القراصة !

سابعأ :
إستمرت المظاهرات فى احياء العاصمه فى نفس يوم الخميس 22 اكتوبر ، وتواصلت يوم الجمعه 23 اكتوبر ( اليوم الثالث للثورة ) وانتشرت فى مدنى وعطبره وكسلا وبورتسودان وغيرها من المدن .

وكانت المظاهرات تهتف :

( الصادق أمل الأمة ) !

ثامناً :
في يوم السبت 24 اكتوبر 1964( اليوم الرابع للثورة ) ، تم دمج الجبهة الوطنية المتحدة ، التي تجمع الأحزاب السياسية المعارضة ومقرها قبة المهدي في امدرمان ، مع جبهة الهيئات ،التي تجمع هيئات القضاة والمحامين والأساتذة وغيرهم ومقرها نادي أساتذة جامعة الخرطوم … في جبهة موحدة سميت بالجبهة القومية الموحدة ، وانضمت إليها هيئة التجار!

كانت جبهة الهيئات تسعي لإقصاء الأحزاب السياسية عن ثورة اكتوبر ، لأمر في نفس يعقوب ! ولم تُخطر جبهة الهيئات الاحزاب السياسية بموكب سيرته ، صباح يوم السبت 24 اكتوبر 1964 ، بدون مشاركة الاحزاب السياسية !

ولكن نجح السيد الإمام في اقناع جبهة الهيئات ، في دمج الجبهتين في جبهة موحدة سُميت بالجبهة القومية الموحدة ، وترأسها السيد الإمام !

تاسعأ :
+ في يوم السبت 24 اكتوبر 1964 ، أعلنت الجبهة القومية الموحدة ، برئاسة السيد الإمام ، الإضراب العام ، والعصيان المدني !

استمرت الجماهير يومي السبت 24 والاحد 25 اكتوبر ( اليوم الخامس للثورة ) في تسيير المظاهرات الصاخبة التي تنادي بالحرية ، وتدين الحكم العسكري وتنادي بالإطاحة به وتهتف :

الصادق أمل الأمة !

عاشرأ :
+ في يوم الاثنين 26 أكتوبر 1964 ( اليوم السادس للثورة ) ، كونت الجبهة القومية الموحدة وفداً من السادة الصادق المهدي ، مبارك زروق ، حسن الترابي ، أحمد السيد حمد ، وعابدين إسماعيل للتفاوض مع الرئيس عبود في القصر الجمهوري !

وكان السيد الإمام ، بحكم موقعه كرئيس للجبهة القومية الموحدة ، هو المتحدث باسم الوفد ، مع الرئيس عبود!

احد عشر :
+ في يوم الاثنين 26 أكتوبر 1964 ، صاغ السيد الإمام مسودة ميثاق ثورة اكتوبر ، وقدمه للجبهة القومية الموحدة ، التي ناقشته ، وقبلته ، واعتمدته مع بعض التغييرات !

وصار ميثاق ثورة اكتوبر العظيمة !

اثنا عشر :
+ في منتصف نهار الاثنين 26 أكتوبر 1964( اليوم السادس للثورة ) ، عقد المجلس الأعلى للقوات المسلحة اجتماعأ تاريخيأ ، قرروا فيه حل المجلس الأعلى ، ومجلس الوزراء ، وقبلوا مبدأ تكوين حكومة انتقالية مدنية تشرف على التحول الديمقراطي!

إتصل الرئيس عبود بالسيد الإمام ، رئيس الجبهة القومية الموحدة ، وإتفقا حول تسهيل التحول الديمقراطي سلمياً وحبياً ، مقابل العفو التام عن الرئيس عبود ورفاقه ، وعدم ملاحقتهم قضائيأ ، بعد اتمام التحول الديمقراطي !

ثلاثة عشر :
+ في صباح الأربعاء 28 أكتوبر 1964 ( اليوم الثامن للثورة ) ، توجه وفد من الجبهة القومية الموحدة ( برئاسة السيد الإمام ) ، للقصر الجمهوري ، وقدم للرئيس عبود مسودة ميثاق ثورة أكتوبر ، الذي كتبه السيد الإمام ، وطلب منه تصفية الحكم العسكري فوراً ، وتشكيل حكومة مدنية انتقالية ، تعمل بمقتضى الدستور المؤقت!

ولدهشة وفد الجبهة القومية الموحدة المفاوض ، تساءل الرئيس عبود:

الدستور المؤقت ؟ ما هو هذا الدستور المؤقت؟

طلب الرئيس عبود من السيد الإمام أن يعطيه مهلة زمنية … يوم الخميس 29 اكتوبر 1964 … ( اليوم التاسع للثورة ) ، لينور نفسه بخصوص الدستور المؤقت!

أربعة عشر :
في يوم الجمعة 30 أكتوبر 1964 ( اليوم العاشر للثورة ) ، تم عقد اللقاء التاريخي في القيادة العامة للقوات المسلحة ، بين الرئيس عبود ( وصحبه الميامين ) من العساكر في جانب ، وفي الجانب المقابل وفد الجبهة القومية الموحدة ، بقيادة السيد الإمام !

في ذلك الإجتماع الأطول في تاريخ السودان الحديث ، والذي استمر لما بعد الساعات الأولى من صباح السبت 31 اكتوبر 2011 ( اليوم الحادي عشر للثورة ) ، اتفق الطرفان علي تسليم السلطة لحكومة مدنية انتقالية ، برئاسة المرحوم سر الختم الخليفة ، ( الذي أختارته الجبهة القومية الموحدة ) ، وتعمل بمقتضى الدستور المؤقت !

لم يشارك السيد الإمام في هذه الحكومة ، رغم أنه قاد المفاوضات التي ادت الي تكوينها ، لان عمره كان دون الثلاثين .

خمسة عشر :
في يوم الجمعة 30 أكتوبر 1964 ، تم قفل الملف التنفيذي لنظام عبود العسكري ، وأصبحت حكومة سرالختم الخليفة ، السلطة التنفيذية الشرعية الحصرية في بلاد السودان !

ولكن استمر الفريق عبود حاكمأ رمزيا في القصر الجمهوري حتي يوم الثلاثاء العاشر من نوفمبر 1964م !
في يوم الثلاثاء العاشر من نوفمبر 1964م ، غادر المواطن السوداني ابراهيم عبود القصر الجمهوري الي منزله الخاص في العمارات … عنقالي يحمد الله ويشكره !

في يوم الثلاثاء العاشر من نوفمبر 1964م ، تم قفل ملف نظام عبود العسكري تنفيذيأ وسيادياً ومظهرياً !
في يوم الثلاثاء العاشر من نوفمبر 1964م ، تم كنس نظام عبود العسكري الي مزبلة التاريخ ، سلمياً وغير مأسوف عليه !

ستة عشر :
بعد رجوع المواطن ابراهيم عبود إلى منزله ، في يوم الثلاثاء العاشر من نوفمبر 1964م ، ورغم العفو عنه وزمرته ، استل البعض خناجرهم ، وسكاكينهم ، ومطاويهم ، ونبحوا مطالبين بمحاكمة المواطن ابراهيم عبود ، وزمرته !

وقف السيد الإمام ، كالطود ، ضد هذه الزمرة الضالة التي لا ترعي العهود ، ولا تحترم المواثيق ، وتمسك بالوعد الذي قطعه للرئيس عبود بعدم ملاحقته وصحبه الكرام قضائياً .

ومع أن الرئيس عبود كان وراء مصائب كثيرة طالت السيد الإمام ، فإنه ( السيد الإمام ) سعى إلى التعامل معه بالحسنى ، والإعتراف بجميل نزوله عند رغبة الشعب ، وقبوله التغيير السلمي حقنأ لدماء السودانيين !

وظل السيد الإمام يتابع ويتفقد أحوال المواطن عبود ، حتي وافته المنية ، علي سريره !
سبب أخر لعظمة السيد الإمام !

سبعة عشر :

في عام 1965 ، وللتوثيق وكصدقة جارية من صدقاته الفكرية ، نشر السيد الإمام كتابأ بعنوان :

( عام بعد ثورة أكتوبر )

شرح فيه ملابسات ، وتداعيات ، ومالات ثورة أكتوبر ، واستعرض فيه التحديات والفرص أمام سودان ما بعد أكتوبر ، وكمرجعية لثورة مستقبلية مماثلة ، ربما في اكتوبر 2016 !

ثمانية عشر :

بعدها مرت مياه كثيرة تحت الجسر !
قالت الغوغاء للمواطن ابراهيم عبود ، وهو يتسوق ، كأي عنقالي ، في سوق الخضار في الخرطوم :

ضيعناك ؛ وضعنا معاك !

ولكن هذا موضوع أخر !

تسعة عشر :
هذه هي قصة السيد الإمام مع ثورة اكتوبر ، التي كتب ميثاقها ، وقاد المفاوضات مع الرئيس عبود ، حتي تفكيك النظام العسكري ، وزوال النظام برجوع المواطن ابراهيم عبود من القصر الجمهوري الي منزله الخاص !

فعل السيد الإمام ما فعله أعلاه ، في عمر لم يبلغ الثلاثين!

قل أعوذ برب الفلق … ومن شر حاسد إذا حسد !

وهذا غيض من فيض مستدام !

فتأمل !

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.