الحوار الوطني: هل من ضرورة للتوكؤ على عصا المجتمع الدولي؟

بقلم : غانم سليمان غانم
G_ghanim@hotmail.com
المغطى ومليان شطة
تأتي إنطلاقة مؤتمر الحوار الوطني بعد اثنين وعشرين شهرا من المشاورات والاتصالات البطيئة والتعهدات والتطمينات غير المحفزة لشريحة كبيرة من أحزاب المعارضة والحركات المتمردة ومكونات المجتمع المدني السوداني للمشاركة في مؤتمر الحوار الوطني رغم الحشد الكبير الذى يبدو متوالياً ومتوافقاً مع أطروحات نظام الإنقاذ والحركة الاسلامية وحزبها الواحد: المؤتمر الوطني. ماهي دواعي عدم مشاركة مجموعة مقدرة من الأحزاب الوطنية والقوى السياسية والحركات المتمردة في مؤتمر الحوار الوطني المنعقد حالياً؟ هل ذلك نتيجة تخوفها من عدم اشتمال جدول أعمال المؤتمر على كافة القضايا والمسائل المصيرية مثار الإهتمام للشأن السياسي والإقتصادى والأمني السوداني؟ أم تخوفها من نكوص النظام عن مقررات ومخرجات المؤتمر كما تملص سابقاً من الإتفاقيات الثنائية التى أبرمها مع بعض هذه الأحزاب والحركات المتمردة؟ أو تخوفها من عدم وجود ضمانات وضامنون وشهود عالميين لمخرجات الحوار الوطني؟ وكيف يكون الحوار وطنياً وجامعاً ولم يتفق فرقاء الوطن مسبقاً على جدول أعماله وآلياته ومكان انعقاده؟ من العجيب الغريب أن يحدد رئيس المؤتمر ستة ملفات لقضايا قومية محددة مسبقاً لمداولات الحوار لكأنما المسائل والقضايا الأخرى إشارات حمراء لا ينبغي تخطيها؟ لقد تداول مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية أكثر من خمسة عشر قضية قومية رئيسية غير القضايا الثانوية الملحة فكيف تقتصر مداولات مؤتمر الحوار الوطني على ستة قضايا فقط؟
المتأمل للمعطيات السياسية الحالية في ظل مؤتمر الحوار الوطني يجد أن نظام “الإنقاذ” يقف اليوم وحيداً في ظل الحصار الدولي والإقليمي والإنقسام الداخلي والمقاومة المسلحة والتردى الأمني في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق والتدهور الإقتصادي المطرد والقرارات الدولية بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة لا سيما القرارات 1590 و 1591و 1593وفي الجانب الآخر تقف القوى السياسية المعارضة متمترسة بمساندة ودعم كبير من المنظمات الإقليمية والدولية والمجتمع الدولي (الإتحاد الأفريقي والإتحاد الأوروبي ومن وراءهما أمريكا).
حزازات ومرارات لن تزيلها مبادرات التعافي والتسامح
لقد ارتكب نظام الإنقاذ والحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني منذ استيلائهم على السلطة فظاعات وجرائم وانتهاكات لحقوق الإنسان فرقت كلمة أبناء الوطن الواحد وأكسبت المشروع الحضاري للإنقاذ سمعة سيئة محلياً وعالمياً وأدت إلى تمرد وهجرة مجموعات كبيرة من السودانيين، حتي إلى اسرائيل، وغرست في نفوسهم الحزازات والمرارت التى لن تزيلها مبادرات التعافي والتسامح. وكما قال السياسي المخضرم، السيد الصادق المهدي، في سياق انتقاده لإتفاقية السلام الشامل المبرمة في 2005م إن:”السياسات المتبعة لاسيما في دارفور فككت عرى الولاء الوطني حتى صار كثير من السودانيين يثقون في الأجنبي ولا يثقون في السوداني ويعتبرون الأجنبي هو الذي “أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف”! سياسات النظام لطخت سمعة السودان بتهم إنتهاك حقوق الإنسان والاضطهاد الديني والإنساني والثقافي وكونت ضده لوبيات (جماعات ضغط) عنقودية في كل أنحاء العالم وجعلت السودان لأول مرة في تاريخه منذ الاستقلال في عام 1956م هدفاً لقرارات دولية عقابية أصدرها مجلس الأمن تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة”.
بعض مشكلات السودان ليست محلية بل لها إمتدادات إقليمية ودولية ولا بد من شمولية المعالجات لها من خلال التوفيق بين المحلي والإقليمي والعالمي كما لا بد من عقد شراكات مع دول الجوار الإقليمي والمجتمع الدولي لحل مشكلات السودان التى أسهمت في زعزعة الأمن المحلي والإقليمي والعالمي.
السودان يجاور سبع ولايات أمريكية
نسي منظمو مؤتمر الحوار الوطني في هرولتهم لعقد المؤتمر مراعاة مصالح دول الجوار الأفريقية ودورها الكبير في تحقيق سلام واستقرار وأمن السودان ومن عجب إنهم دعوا دولة قطر والجامعة العربية وتشاد فقط من الدول الأفريقية*. إن المشاكل التى سببها نظام الإنقاذ في تعديه على مصالح دول الجوار (محاولة اغتيال الرئيس مبارك في أثيوبيا) ووزعزعة أمن دولة جنوب السودان ودولة أفريقيا الوسطي والصومال لا بد من إحتوائها بتطمين مصر وأثيوبيا والصومال ودولة جنوب السودان وليبيا ويوغندا ودولة افريقيا الوسطي وسائر دول الجوار والدول الأفريقية الأخرى بتوجه السودان الجديد لمراعاة مصالح دول الجوار ومن ثم يصير لزاماً دعوة دول الجوار ودول افريقية رائدة ومؤثرة مثل دولة جنوب أفريقيا والجزائر ونيجيريا وكينيا وكذلك دعوة حكماء افريقيا: الرئيس أوباسانجو وأمبيكي وديسجالن ليكونوا موفقين (facilitators) عند إختلاف وخلاف الفرقاء، ويعرف الجميع أن نظام الإنقاذ أول من قام بتدويل الشأن السوداني ابتداء من مفاوضات ابوجا ووصولاً إلى مفاوضات نيفاشا. ولأجل إبداء حسن النية في عقد علاقات جيدة مع الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد الأوروبي والأمم المتحدة كان من المفترض دعوتهم لحضور المؤتمر لأنهم تحملوا تبعات الحروب التى أشعلها نظام الإنقاذ وقدموا كثيرا من الإعانات والمساعدات الإنسانية والإغاثية من خلال حكوماتهم ومنظماتهم الطوعية والمرتجي الكثير من المجتمع الدولي (منظمات وحكومات) فيما يتعلق بدعم اقتصاد وإعفاء ديون السودان مستقبلاً بل أكثر من ذلك يرتجي أن يكونوا ضامنين وشهوداً لمخرجات الحوار الوطني. وإذا كان قد تم دعوة منظمة المؤتمر الإسلامي لحضور مؤتمر الحوار الوطني فلا بد أيضا من دعوة مجلس الكنائس العالمي إذا أريد حقاً خلق جو من التعافي والتسامح بين المكونات الدينية في السودان.
هيمنة الدولة العميقة والمسكوت عنه
وافق السيد رئيس الجمهورية، بناء على اقترح السيد عبد الرحمن الصادق المهدي، مساعد رئيس الجمهورية، على تكوين لجنة منبثقة من آلية الحوار لأجل مواصلة الاتصالات مع الأطراف الرافضة لأجل المشاركة في مؤتمر الحوار الجارى حالياً وهذا يظهر عجز آلية وسكرتارية مؤتمر الحوار في استقطاب فرقاء الوطن وابتسار عملية الحوار. إذا أريد أن يكون الحوار مثمراً فلا بد من السعي الحثيث والجاد لمشاركة كافة أهل الحل والعقد في السودان دون الإستهانة بدور أي منهم سواء كان حزب وطنى أو منظمة مجتمع مدني أو شخصية قومية. ويبقي السؤال أنه في ظل هيمنة الزراع الطويلة الباطشة للدولة العميقة في السودان هل تستطيع اللجنة المقترحة اقناع الأطراف الممانعة والرافضة للحوار للقدوم والمشاركة في الحوار علماً بأن بعض الحركات المتمردة ترغب بشدة في إعادة هيكلة القوات النظامية بتسريح المليشيات التابعة للنظام وإدماج عناصرها المتمردة وصياغة عقيدة جديدة للقوات المسلحة كما أن بعض الأحزاب الرافضة للحوار ترغب بشدة في إنهاء هيمنة الحزب الواحد وفك ارتباطه بالدولة وإقامة إنتخابات حرة نزيهة ونظام ديموقراطي تعددى كما أن بعض منظمات المجتمع المدني ترغب بشدة في تحقيق مناخ جديد من الحريات من خلال إلغاء سلطات وصلاحيات جهاز الأمن غير الدستورية وتكليفه فقط بالمهام المنصوص عليها في اتفاقية السلام الشامل والدستور الإنتقالي.
مكان عقد الحوار
لقد بينا موقف القوى السياسية المعارضة للمشاركة في مؤتمر الحوار الوطني من جدول الأعمال المقترح وتحفظها على عدم طرح كافة القضايا المصيرية للحوار الصريح الشفاف ومحاولة البعض التذاكي على الآخرين بإدعاء أن أجندة الحوار والحضور يغنون عن مشاركة الأطراف الممانعة والرافضة والمتحفظة ويفتون بتكييف شرعي من علماء السلطان أن الحضور فرض كفاية يغني عن حضور الآخرين.
للقوي المعارضة  تجارب حية مع نظام الإنقاذ ولن يجدى وقف إطلاق النار لمدة محددة وإعطاء الأمان والتعهدات لقادة الحركات المتمردة بواسطة الرئيس البشير والرئيس دبي؟ ألم يقم نظام الإنقاذ بإعدام قادة تمرد رمضان بعد إعطاءهم الأمان في شهر رمضان المعظم!!! لقد كان للسيد الصادق المهدى والرئيس الراحل نميرى تجربة فريدة غير مسبوقة عندما عقدا لقاء المصالحة في (بورتسودان) في نطاق المياه الإقليمية للسودان ويمكن الآن تحويل مكان الإجتماع لطمأنة قادة التمرد وعقده في نطاق المياه الإقليمية للسودان بضمانات من المجتمع الدولي.
الجدية وعدم الإبتسار في الشأن الوطني
إذا كان النظام وقادة الرأي الوطني الموالين والمستقلين حريصون على نجاح مؤتمر الحوار فلا بد من مراعاة تحفظات القوى المعارضة والإستجابة لمطالبها حتى لا يمتد بنا الوقت لأكثر من ثلاثة اشهر ونخرج من المولد بدون حمص. إننى اقترح أن يستهدي المؤتمرون بتجربة الحوار التونسية  فهي خير مثال للتجرد  والجدية في معالجة الشأن الوطني.
* للأسف لم تترجم كلمة الرئيس التشادي للغة العربية أو حتى عربي تشاد أثناء جلسة انطلاقة المؤتمر وهذا يظهر عدم إحترافية سكرتارية المؤتمر.

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.