لا يزال مارد الحراك الشعبي نائماً في داخل القمقم ؟ الحلقة الثالثة ( 3- 5 )

ثروت قاسم
Facebook.com/tharwat.gasim
Tharwat20042004@gmail.com
1- أزمة المعارضة ؟

تعيش المعارضة بشقيها المدني والعسكري حالة غير مسبوقة من الإنكار، نتيجة فشل خياراتها واستراتيجيتها طوال ربع القرن الماضي .
نعم … تعيش المعارضة أزمة داخلية غير مسبوقة، وتتقاذفها حالة حادة من الانقسام والاستقطاب والتلاسن والتجاذب الذي يعكس مأساتها ومأزقها. من تجليات هذه الأزمة إجتماع الجبهة الثورية مع السفير الأمريكي دونالد بوث ( وممثلين عن الترويكا وفرنسا والإتحاد الأروبي ) في باريس يوم الأربعاء 9 سبتمبر 2015 ، بدون مشاركة بقية مكونات تحالف قوى نداء السودان في هذا اللقاء الهام . فرزت الجبهة الثورية عيشتها ، كما فرزت الحركة الشعبية الأم عيشتها من التجمع الوطني الديمقراطي في زمن غابر .

وهي الأزمة التي تتعمق، كل يوم، نتيجة فشل المعارضة فى التفكير خارج ( صندوق الزعامات الوهمية ) ، وعدم التوافق على هيكلة تحالف قوى نداء السودان ، والإصرار على تكرار الأخطاء نفسها وانتظار نتائج مختلفة . بل الأنكى أن قادة بعض مكونات المعارضة لا يدركون أن ادعاءهم بإسقاط النظام مجرد وهم ، ليس فقط لعدم توافر شروطه لديهم، بعد فشل غزوة المائة يوم في مايو 2013 ؛ وإنما، أيضاً، لوضع المعارضة البئيس حالياً نتيجة انقسامها وتهرؤ بيتها الداخلي .

قل لي ، ياهذا ، كيف يمكن لمعارضة بثلاثة روؤس ، وثلاثة قيادات ، وثلاثة أستراتيجيات ، وثلاثة خطابات يمثلها السيد السيد الامام ، والفريق مالك عقار والاستاذ فاروق ابوعيسى ، أن تسقط نظام الإنقاذ ، وهي بهذا التشرزم .

ماكينة الابتزاز والمزايدة والمناكفة الداخلية لا تتوقف عن دفع المعارضة باتجاه سيناريوهات بائسة ، مُختلف عليها بين مكوناتها . ولا تدرك المعارضة ، حالياً، أن كل يوم يمرّ عليها من دون تغيير جذري في الفكر، وتعديل حقيقي فى المسار، واستيعاب لمأزق المعارضة خلال ربع القرن المنصرم ، فإنه يدفع بها نحو السقوط الحتمي ، ويسهّل مهمة نظام الإنقاذ ، في تصفيتها والتخلص منها.

والحال هكذا ، وهي كذلك ، لا يزال مارد الحراك الشعبي نائماً في داخل القمقم ، ويبدو عليه الإرهاق والإحباط واللامبالاة ً ، ومفتقراً إلى قيادة موحدة على راس هيكل موحد .

خروج المارد من القمقم يبدو مستحيلاً في هذه الظروف . ولكن ربما أيقظته من نومه العميق طيلة ربع القرن الماضي الحالة الإقتصادة المتردية ، والضائقة المعيشية الطاحنة ، و6 مليون من النازحين واللاجئين ، و4 مليون من الجوعى ، و2 مليون من الأطفال خارج المدرسة ، والحروب الأهلية الدائرة في دارفور والمنطقتين .

ذاب حيوان الفساد في حيوان الإستبداد وصارا حيواناً مسخاً واحداً ، طرد الشباب للإغتراب بمعدل 5 الف شاب في اليوم الواحد ، مما يساعد مارد الحراك الشعبي في الإستمرار في النوم داخل القمقم ، لان هؤلاء وهؤلاء من الشباب يمثلون القوى الحية التي توقظ المارد من نومه ، وتدفعه للخروج من القمقم في إنتفاضة شعبية كاسحة .

2- مدرستان ؟

قال :

هناك مدرستان في السياسة بل في جميع المناشط الإنسانية ، وبالتالي وبجر الخط على إستقامته نوعان من الناس .

+ المدرسة الأولى … مدرسة ( الرجل الذي يريد كل شئ ، فيفقد كل شئ ) .

هذه المدرسة تطلب المستحيل ، فتضيع الممكنَ !
يمثل الأستاذ فاروق ابو عيسى هذه المدرسة في السودان .

+ المدرسة الثانية … مدرسة ( رجل الدولة ) … الذي يكنكش في الثوابت ، ويتفاوض حول المتحركات .

يمثل السيد الإمام هذه المدرسة في السودان .

المدرستان متدابرتان في تحديد الهدف ، وفي الوسائل لبلوغه ، ومن ثم كراهية البعض من هذه المدرسة للبعض من تلك المدرسة ، والعكس صحيح .

3- مسارت مختلفة في مسيرة واحدة ؟

للعمل المُعارض في السودان مسارات مختلفة بسرعات مختلفة ، ولكن في مسيرة واحدة نحو هدف واحد هو السلام العادل الشامل ، والتحول الديمقراطي الكامل .

أصحاب المدرسة الأولى ( مدرسة الأستاذ فاروق ابو عيسى ) لا يعترفون بالتفاوت بين سرعات المسارات المختلفة في المسيرة الواحدة ، ويرفضون حق الاختلاف بين مكونات المعارضة المختلفة ، كمـــا يؤمنون دائماً بأن ( ما لا يُدرك كله ، يُترك كله) .

اما اصحاب المدرسة الثانية ( مدرسة السيد الإمام ) فهم على العكس يعترفون بالتفاوت بين سرعات المسارات المختلفة في المسيرة الواحدة ، ويرحبون بحق الاختلاف بين مكونات المعارضة المختلفة ، كمـــا يؤمنون دائماً بأن ( ما لا يُدرك كله ، لا يُترك كله) .

تترك المدرسة الثانية حرية الاختيار لكل مكون معارض ليختار السرعة التي يمضي بها وسط المجموع . لا يجب في هذه الحالة أن ينتظر الأسرع الأبطأ، كما أن الأبطأ يجب ألا ينزعج إذا حالت ظروفه دون اللحاق بالأسرع.

مسارات المسيرة المشتركة تتوقف في محطات متتالية ، وتخضع لسرعات متفاوتة ، تحتاج إلى قدرة على الوعي بالواقع ، وفهم الجو السياسي السوداني ، هل هو جو فول ( إنتفاضة ) أم هو جو إنتظار وترقب ؟

يجب ان تدرك المسيرة المُشتركة المناخ السوداني الاصيل الذي يسمح بثقافة الاختلاف السياسي ، من دون أن يكون ذلك سبباً لمشكلة ، أو مبرراً لأزمة ، أو دافعاً نحو نزاع لا حاجة إليه ، مع الإعتراف بأن الإختلاف لا يفسد للود قضية .
4- المدرسة الأولى ؟

+ تتكون المدرسة الأولى من أولئك الذين يتمسكون بثوابتهم الايدلوجية والسياسية ، ولا يملكون على أي متحركات تكتيكية . ينظر هؤلاء إلى شرور العالم مثل الحروب والإستبداد والفساد والقمع والاضطهاد والتعذيب والقتل ويقولون :

سأظل على مبادئي ومرجعياتي وثوابتي ، لأن الأمور ستتحسّن في النهاية ، حتى لو زاد الوضع سوءاً في الوقت الراهن . لن اتزحزح قيد أنملة من ثوابتي ولا اؤمن بالمتحركات التكتيكية ، التي تخصم من قضيتي النبيلة .

سوف يفوز الشعب في النهاية ( بكل ) الكيكة ، وإن طال السفر .

سوف نكافح ونكافح ونكافح ولن نستسلم ولن نتراجع حتى النصر الكامل .

لا نعرف ولا نعترف بالمنطقة الوسطى ، فإما الجنة أو الإستمرار في النار .

هذه المدرسة تؤمن بالحلول الكلية ، وترفض الحلول الوسطية … إما الإطاحة بالنظام أو الإنتظار لحين الإطاحة بالنظام ؟

هذه المدرسة تصر على المطلق !

هذه المدرسة تعشق الكلمات الطنانة والرنانة التى تدغدغ العواطف … جعجعة بدون طحين .

هذه المدرسة تطلب المستحيل ، فتضيع الممكنَ !
هذه المدرسة تريد كل شىء ، فتفقد كل شىء!
هذه هي المدرسة الأولى ويمثلها في السودان الاستاذ فاروق ابوعيسى ، وآخرون منهم المهندس محمد مختار الخطيب ، السكرتير السياسي للحزب الشيوعي السوداني ، الاستاذ علي الريح السنهوري أمين سر حزب البعث العربي الإشتراكي ، والاستاذ ساطع الحاج القيادي بالحزب الوحدوي الديمقراطي الناصري ، الذي رفض مقابلة السفير دونالد بوث ، فلم يخسر السفير شيئاً ، وخسر الأستاذ ساطع أشياء .

5- تحالف قوى الإجماع الوطني ؟

في يوم الثلاثاء 28 مايو 2013 ، دشنت المدرسة الاولى ( تحالف قوى الإجماع الوطني ) برئاسة الأستاذ فاروق ابوعيسى حملة ال 100 يوم للإطاحة بنظام الإنقاذ من جذوره ، بدون كوديسة السيد الإمام او ما يحزنون ! مرت ال 100 يوم ولم يسقط نظام الإنقاذ . لم تعتبر هذه المدرسة بالتجربة وتتدبر ، بل إستمرت على قلوب أقفالها ! إستمرت هذه المدرسة في المطالبة اللفظية بالإطاحة بنظام الإنقاذ ، معتبرة كوديسة السيد الإمام رجس من عمل الشيطان .

ولا تزال على موقفها ، إما الإطاحة بنظام الإنقاذ أو الإنتظار حتى يوم القيامة العصر للإطاحة بنظام الإنقاذ .

في يوم الجمعة 27 فبراير 2015 في برلين ، وفي البداية رفضت هذه المدرسة ( تحالف قوى الإجماع الوطني ) التوقيع على ( إعلان برلين ) لأن المسودة الأولية للإعلان لم تنص صراحة على تفعيل الحكومة لإستحقاقات بناء الثقة القبلية قبل مشاركة تحالف قوى ( نداء السودان ) في المؤتمر التحضيري .

تفادياً لفشل المؤتمر ، وعدم إحراج الحكومة الألمانية التي بادرت مع السيد الإمام بفكرة المؤتمر ومولت عقده ، وحتى لا يظهر تحالف قوى ( نداء السودان ) في مظهر المتعنت الرافض للتسوية السياسية والسلام أمام المجتمع الدولي والإقليمي والوطني ، إقترح السيد الإمام أن توقع مكوناته الأربعة ( حزب الأمة + الجبهة الثورية + التحالف + الكونفدرالية ) على ( إعلان برلين ) ، للمحافظة على المظاهر .

وإقترح إن يمثل تحالف قوى ( نداء السودان ) في المؤتمر التحضيري مجموعة إعلان باريس ، وإعلان أديس ابابا ( حزب الأمة والجبهة الثورية ) .

إذا نجح مبيكي والمجتمع الدولى في تليين موقف الحكومة خلال المؤتمر التحضيري في اديس ابابا ، ووافقت على تفعيل الأستحقاقات القبلية لبناء الثقة قبل بدء المؤتمر الدستوري الوطني الجامع في الخرطوم ، فيمكن في هذه الحالة لتحالف قوى الأجماع الوطني ركوب السفينة في محطة أديس ابابا والذهاب بها للخرطوم مشاركين في المؤتمر الدستوري الوطني الجامع ، وإلا أستمر التحالف في الوقوف مُمحناً على الضفة .

إذن وقع تحالف قوى الإجماع الوطني على إعلان برلين مُكرهاً لا بطل ، وغير مُقتنع بمحتوياته ، وإنتظاراً لما يسفر عنه المؤتمر التحضيري في اديس ابابا في مارس 2015… كتابة معاكم ، طرة إني برئ منكم إني أخاف الله رب العالمين .

وبعد صدور قرار مجلس السلم والامن الافريقي في اجتماعه رقم 539 في يوم الثلاثاء 25 أغسطس 2015 ، أصدر تحالف قوى الإجماع الوطني بياناً للناس في يوم الاحد 30 اعسطس 2015 ، أكد فيه للمرة الكم على رفضه الحوار مع النظام ، والإستمرار في التعبئة الشعبية للإطاحة بالنظام .

وضع التحالف لنفسه وشعبه خيارين .

+ الخيار الاول … الإطاحة بالنظام .

+ الخيار الثاني … الإنتظار لحين الإطاحة بالنظام .
في المحصلة :

هذه المدرسة تريد كل شىء ، فتفقد كل شىء!

هذه المدرسة تطلب المستحيل ، فتضيع الممكنَ !

هذه هي المدرسة الأولى … مدرسة ( الرجل الذي يريد كل شئ ، فيفقد كل شئ ) ، ويمثلها في السودان الاستاذ فاروق ابوعيسى ، وتتدابر راسياً مع المدرسة الثانية ( مدرسة رجل الدولة ) التي يمثلها السيد الإمام .
نواصل في الحلقة الرابعة …

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.