قصة الفداء والتضحية

قصتان روعتان من التاريخ , إحداها قصة أو طرفة الخليفة أبو جعفر المنصور مع الشاعر الفحل الأصمعي ..!, والثانية اقتباس من رواية ” تاجر البندقية” موقف انطونيوالتاجرمن صديقه بسانيو , قصتان رائعتان من تاريخ فيهما تضحية عظيمة .
كان الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور صاحب ذاكرة حساسة له قدرة فائقة في حفظ القصائد الجميلة , ومن حبه للشعر والشعراء يقيم مجالس خاصة للشعر, ومن ولعه للشعر يحفظ مطلع القصيدة من القراءة الأولي , وغلامه في القراءة الثانية وجاريته في القراءة الثالثة , قدر الله أن يجتمع الثلاثي الموهوب في زمانه ..! قال الخليفة : من أتى بقصيدة لا اعرفها ولا أحفظها كافأته وزن ما كتب عليه ذهباً..!” تبارى الشعراء والأدباء للفوز بالجائزة, كان من عادة الشعراء في عصره ينشدون قصائدهم في مدح الخليفة ومجد بني العباس في بلاط الخليفة , فيفوز شاعر القصيدة الجميلة بهدايا ودنانير مع ذلك كان الخليفة شحيحاً يضيق على الشعراء لا تخرج منه الدنانير إلا بشق الأنفس ..! فلذا كان على الشعراء تجويد قصائدهم بعناية قبل إلقاء على مجلس الخليفة.
يألف الشعراء قصائدهم من بنات أفكارهم ويحفظونها وينشدون بها أمام الخليفة , ويفاجئون إذا بالخليفة يحفظها وسبق معرفة الخليفة بالقصيدة , يقرأ مطلع القصيدة , ويشهد على ذلك خادمه وجاريته بقراءة القصيدة ..! يصطدم الشعراء بلغز لا يعرفون له تفسيراً ويصابون بخيبة أمل ,ويخرجون من قصره بخفي حنين .
سمع الشاعر الأصمعي بالقصة , وفهم لغز الخليفة وحيلته مع الشعراء , فألف قصيدته المشهورة ” صوت صفير البلبل” مطلعها:

صوت صفير البلبلي * هيج قلبي الثملي
الماء والزهر معاً * مع زهر لحظ المقلي
وأنت يا سيد لي * وسيدي ومولي لي ..

ونقش القصيدة على عمود رخام يزن الأطنان , وحمله على ناقته وجاء إلى مجلس الخليفة متلثماً, وقال أنا شاعر فحل ..! ورد الخليفة وما فحولتك …؟وألقى القصيد على مسامع الخليفة , استعصت على الخليفة حفظ القصيدة , وكذا مع غلامه وجاريته..! فاز الأصمعي بالجائزة , وزن ما كتب عليه ذهباً ..! كانت أكثر من ميزانية الدولة العباسية , صار الأصمعي أغنى رجل في العالم ..! لكنه أعاد المال وتنازل عن ثروته مقابل تخلي الخليفة عن حيلته مع الشعراء , وان يعطي الشعراء على نقلهم ومقولهم…إنها لتضحية لو تعلون عظيم .
أما القصة الثانية , هي شهامة انطونيو مع صديقه بسانيو,تكمن جوهر الرجل ,عندما اقترض مبلغ ثلاثة آلاف ” دوكية ” أو” دولار “من التاجر المرابي اليهودي “شايلوك” لمدة ثلاثة أشهر لصديقه بسانيو لمؤازرته في منافسة الأمراء والنبلاء والأثرياء في اختبار الحظ للفوز بجميلة بورشيا في بلمونت..!” كان شرط والد بورشيا لها في العثور على الزوج ,على كل خاطب أن يختار واحداً من الصناديق الثلاثة المصنوعة من الذهب , الفضة ,أو الرصاص, والصندوق الفائز هو الذي يحتوي على صورة بورشيا. كان شرط اليهودي في سداد القرض كالآتي : يجب تسديد القرض في ميعاده مع الفائدة , في حالة عدم سداد القرض في ميعاده لأي سبب من الأسباب فان على اليهودي الحق في قطع رطل لحم انطونيو من أي مكان من جسمه ..! يوافق انطونيو على هذا الشرط رغم رفض صديقه بسانيو, المستفيد الفعلي من القرض , ولكن انطونيو أصر على إبرام العقد رغم المخاطرة ,لان صديقه في حاجة ماسة إلى المال ..!, في ( redemption) أكثر من هذا ..!؟إنها مواقف أدبية جميلة محفوفة بالمخاطر النبيلة .

حامد جربو/ السعودية
hamidjarbo@yahoo.com

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.