إخوان السودان واللعب بنار الهوية ..

بقلم: صلاح شعيب

لن تصير هوية أي مجتمع مشكلة إلا حين يتاجر بها السياسيون كمقتضى لاستمرارهم في السلطة، لا غير. واستخدام الهوية العربية والإسلامية كحصان غير جموح لنخبة الإنقاذ التي ركبته وأوصلها إلى مبتغاها الرأسمالي أمر لا ينكره إلا صاحب غرض ذاتي. فالعروبة في سودان مرجعية الترابي والبشير استخدمت خارج سياقها الاجتماعي لتجييش عواطف المساكين الذين تبيع لهم نخب الإسلام أراض ٍ وهمية بينما هي تتملك الفلل المستورد أثاثها، هههههههه. ودور الإسلام في سياسة بلادنا مثل دور القوات المسلحة في أنظمة الحكم السوداني. أساء الإسلاميون استخدام الدين حتى صار أخطر مقسم للوطن، بينما إسرائيل وأمريكا التي جاءوا بالعداء لها تزداد منعةً، يوما إثر يوم. والغريب أن الذين عادوا الغرب بهوياتهم الأيدلوجية هرولوا في آخر عمرهم حتى يقيموا فيه، وبعضهم أخذ زوجته للخارج لتحبل بطفل لندني أو واشنطوني. وآخرون من الإسلاميين هاجروا إلى “أرض الكفر” ليحصلوا على أوراقها الثبوتية، لا أكثر. أوليس هما أمريكا وبريطانيا اللعينتان اللتان كانتا خلف وعد بلفور، كما تهجوهما أدبيات المؤدلجين بهوياتهم الإسلاموية؟!

وبين العروبة والإسلام انسحقت في الربع قرن الأخيرة محاولات تحديث مجتمع البلاد المتعدد الثقافات، والدولة التي تضم في أكنافها قوميات كثيرة، وكذا الفرد الذي يعيش في وطنه بإحساس هويات ملتبسة، ويلازم ذات الإحساس السوداني الذي يعيش في الخارج، فلا هو معترف به عربيا ولا هو مقدر أفريقيا، ذلك رغم أن لدى كل سوداني تاريخ جمعي يعود إلى أكثر من سبعة آلاف سنة، ويمكنه أن يحاجج بثراء نسيجه الاجتماعي بما لايقارن عربيا وافريقيا. ولكن المشكلة أن مناهجنا التعليمية بعد الاستقلال لم تسهم في بلورة مادة تاريخية تُعرٍف بالتاريخ القديم للسودان، حتى يتشربه الطالب منذ الابتدائية ويعتز به، ضمن اعتزازه بكل الثقافات الواردة التي هضمها حوض السودان الذي استوعب العرب، والأتراك، وقبائل غرب أفريقيا، والأغاريق، والمحاميد، والرشايدة، مثالاً. وإذا كانت دولة ما بعد الاستعمار قد تركت نظاما تعليميا فاعلا ورثته النخب المهيمنة فإن محاولات السيطرة باسم الهويتين العروبية والإسلامية لم تهتم بتنمية هويتنا السودانية الشاملة لكل معطيات البلاد الثقافية، وركزت فقط على صب قوالبها الأيديولوجية في التعليم بظن أن الاستعمار أورثنا تعليما يخدم ثقافته العلمانية، أو الاستعمارية.

والغريب أن ذات النخب التي تعلمت في مدارس الأجنبي الموروثة وتأهلت حتى نالت شهادات الدكتوراة من كمبردج، وهارفارد، والسوربون، وييل، عادت ودمرت أسس التعليم باسم الإسلام. وبالتالي تخرج أبناء الإسلاميين أنفسهم من جامعات لا تملكهم منهجا، أو لغة أجنبية، أو معرفة، حتى يتنافسوا بها على المستوى الإقليمي ناهيك عن العالمي. هذا برغم أن الآباء والأجداد يفتخرون بتخرجهم من تلك الجامعات العالمية، ويعلقون شهاداتهم في الصوالين الفسيحة. وحين بعث الكمبردجيون والسوربونيون أبناءهم للتأهيل الخارجي في ذات الجامعات اتضح أن ما فعله خريجو الجامعات العالمية المرموقة في التعليم الجامعي في بلدهم قد كلف أبناءهم خسارة عامين من عمرهم لدراسة اللغة، وهي ذات اللغة التي كان يتخرج بها الحاصل على البكلاريوس بدرجة ممتازة. والسؤال هو كيف تمكن هؤلاء الأجداد، والاباء، من أن يبدعوا في وظائف عالمية إن لم يكن الأساس التعليمي الذي توطدوا عليه آنذاك، ودمروه لاحقا، قادرا على مساواتهم في الدرجة العلمية مع كل طلاب العالم المبرزين، والذين تضمهم هذه الجامعات المرموقة؟

إن كل تلك التغييرات التي بذلتها النخب الإسلاموية في مجال التعليم كانت من أجل الوفاء لهوياتها الأيديولوجية حتى يتماشى التعليم مع باب “الاستقلال الوطني” في كتب النظريات الأيديولوجية. وقد تحاجج كثير ممن يدعون بأنهم تربويين إسلاميون بالقول إن مدارسنا وجامعاتنا الموروثة لا تنمي روح الوطنية ولا تستجيب لتطلعات الأمة، وغيرها من خزعبلات هوياتهم الأيديولوجية، ولذلك عوقوا تعليم الأساس وأكملت سياسة التعريب الدمار. والمضحك أن الذين ينطبق عليهم نقص الروح الوطنية هم نفس النخب والتي صدرت من موقع الإصلاح التعليمي، والتي جاءت من أسر فقيرة وانتهت إلى متملكين للعمارات في أحياء خاصة بالخرطوم وأمدرمان وبحري، أحياء مفصولة تماما عن حياة المواطنين الذين يركبون على ظهورهم، وهناك في أحيائهم المعربة فروا بجلدهم من فقر آبائهم القديم حتى يعالجوا مركب نقص الماضي بحياة الحاضر المرفهة، والتي لا تريد جوارا فقيرا، أو متسخا إن شئت.

لقد باع الإسلاميون ترام الهوية لأهالي بيت المال والديم والموردة والثورات وأركويت والكلاكلات وكل أحياء السودان الفقيرة وفتنوا بينهم، وتتجلى ذيول هذه الفتنة في مواقع الانترنت. إذ تجد أن أكثر غلاة العروبة والإسلام السياسي هم أبناء الأسر الفقيرة بينما ينشغل بالغنيمة لمدى ربع قرن أبناء الأسر التي تقضي إجازاتها في العواصم الغربية. والملاحظ أن أكثر الذين ماتوا في حروبات السودان هم أبناء الفقراء الدبابين الذين لا يملكون الوعي بصراع النخب الطبقي في البلاد. لقد استغلت النخب حماس الشباب في الاعتداد بالوطن والدين والقبيلة فماتوا في يوليو 1976. وبعد عام فقط صالح الزعماء الإسلاميون وصاروا أعضاء في المكتب السياسي لاتحاد نميري الاشتراكي، بل أقسموا أمامه بأنهم سيفدونه، وزعيمهم بايع الطاغية إماما للمسلمين. ولكن الفقير إلى الله عبد الإله خوجلي ومحمد صالح عمر لا يتحركان في رقدتهما الأبدية. أما “شهداء” حرب الجنوب فلا أحد يعرف أسماءهم إلا أهلهم. وليس لدى رأسماليي الحركة الإسلامية “فضيلة إسلام” لتمويل كتاب هو بمثابة سجل حفي للذين “استشهدوا” حتى يصير قرنق نائبا للرئيس، ثم ينفضل لاحقا الجنوب الذي روت أرضه دماء فقراء السودان.

بعد تجارب الحكم الوطني لم يكن هناك سوداني واحد يحمل غبينة على العرب أو المسلمين من حيث هم مفتخرون بهوياتهم العرقية والدينية، وما يزال الحال كما هو. فالغبينة كانت وما تزال ضد الظالمين الطغاة من حيث هم أفراد لم تنتخبهم قبائلهم للعب بنار الهوية. فالذين يعتزون بهويتهم العربية مكرمون بعطائهم السخي للمجتمع في كل بقعة من أرض البلاد، وبعضهم حمل السلاح ضد الحكومة التي تتبنى سياسات واضحة لتعزيز مواقع أحادية للثقافة العربية فقط. وما يزال لأبناء العرب في الشمال والغرب والوسط والشرق وجبال النوبة سهمهم في النضال، ويتفاوتون في احتمال الظلم الذي لحقهم من نظام الأسلمة القسرية. ولذلك فإن القضية الأساسية التي ينبغي التركيز عليها هي كيفية تفويت الفرصة على الحكومة التي تريد خلط اللعبة الشمولية لصالح عرقنة الصراع التاريخي الدائر بين أبناء السودانيين من جهة وأنظمتهم الشمولية من الجهة الأخرى. ولذلك ينبغي أن ينتبه الناشطون السياسيون إلى عدم الوقوع في فخ الحكومة العنصري، والذي ظل منصوبا ويتغذى بإيماءات، وأشارات، وأحابيل، شيطانية للبقاء في السلطة لأطول وقت.

أما بالنسبة لمحاولة الحكومة صبغ الصراع ليبدو وكأنه صراع بين سلطة متشبثة بالإسلام وقوى تغيير علمانية، كما أوحى أمين حسن عمر، فإن ما يكذب الواقع أن هناك قسما كبيرا من القوى الدينية التقليدية ضاقت الأمرين من هذا النظام الذي شرد السودانيين بمختلف مذاهبهم الإسلامية. ولكن المعروف هو أن سلطة الإسلاميين لا تعترف بمسلم لا ينتمي إليها ولذلك من الطبيعي، وفقا لخلفيتهم التي لا تعترف بالآخر المسلم، أن يروا الصراع من زاويتهم الأيديلوجية التي تعلي من شأن إسلامهم وتحط من قدر المسلمين الذين يعارضونه، وبالتالي يتم وصم المعارضين لإسلامهم بكونهم مقطورين خلف المعارضة، ذلك مهما تنوعت الخلفيات المسلمة لها.

salshua7@hotmail.com

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.