عن الدارفوريين.. والعيد!

بقلم: احمد قارديا
mod.moto@yahoo.com
تظهر الصورة, ثلاثة أطفال وأمهم “يحتفلون” بالعيد وهم يفترشون زواية نائية من حديقة عامة بالعاصمة شحيحة بالعشب والظلال، أطرقنا جميعا رؤوسنا وأشحنا ببصرنا هربا من عيون صغيرة تلاحقنا بالسؤال عما حل بهم. لا حاجة لتعرف من أي قرية منكوبة قدموا, فالأماكن والدوافع متشابهة، وثمة ملايين المشردين الدارفوريين هجروا قراهم بسبب العنف والقصف العشوائي والاغتصاب ويبحثون عن مأوي، وأغلبهم من الأطفال والنساء الذين صاروا فريسة للحرمان وللانتهاكات المتنوعة!
وتظهر الصورة، امرأة صغيرة تتشح بالسواد تقف في صبيحة العيد عند باب مقبرة، تتفحص وجوه القادمين ليقرأوا الفاتحة علي أرواح موتاهم، تراها تتحرك بسرعة، ربما وجدت ضالتها، وتعرف بعد حين، أنها اطمأنت إلي إحداهن واستأذنتها المشاركة في قراءة الفاتحة علي روح وزوج قتل، ولم تصلها غير خبر وفاته، أمثالها كثيرات، وهناك ألوف الأسر والعائلات الدارفورية لم تعرف جثامين شهداء قضوا دفاعا عن حريتهم وحقوقهم!
وتظهر الصورة، عجوزا تهرول لاهثة ومتعثرة بثقل جسدها، تحاول أن تعترض طريق ضابط في أحد فروع الأمن، حيث ابنها المعتقل منذ شهور، تحلم بأن تحظي في يوم العيد بفرصة لرؤيته أو إيصال بعض الحاجات إليه، تعاطف معها أحد حراس المبني ونصحها بالانتظار علي مقربة منه، كي ينبهها عند وصول قائده، ومما تتمكن من مقابلته وربما يلبي طلبها ويحقق لها “هذا الحلم العظيم”. ولا غرابة أو عجب، فثمة الآلاف من الدارفوريين هم في عداد المعتقلين أو المفقودين، ولا تحتاج إلي تأمل وتفكير كي تقدر المعاناة المضاعفة التي يعانيها ذوو السجناء مع استمرار غياب أحبائهم عنهم من دون علم أو خبر، بعضهم عرف مكان اعتقاله، بينما لا تزال غالبيتهم في عالم المجهول!
والحال، يكتظ العيد في دارفور بمشاهد مؤلمة وغزيرة عن شدة ما يكابده المهجرون وأسر الضحايا والمعتقلين، ونشاهد ونسمع قصصا عن مجازر عرقية مروعة وقتل مجاني كأنك في مسرح اللامعقول، ونلحظ حين تقترب من الوجوه، دهشة غريبة وعيون حائرة، كأنها تبحث في عيونك عن جواب للمأساة التي تعيش، أو كأنها تريد أن تتأكد من صدق مشاعرها بأن هناك من يشاركها حقا، آلامها وهواجسها، من يشاركها السؤال عن دوافع هذه الإبادة الجماعية والعنف المفرط وأين “الحق”، في إطلاق هذا الفتك المريع الذي تجاوز علي الحدود، أو كأنها لا تريدك أن تراها في حالة خوف، لا تريدك أن تري في عيونها بعض العجز وربما الخجل من الإحساس بضيق الحال، كي لا يشي ذلك، ومن دون قصد، بأن ثمة تغيرا طرأ علي عزيمتها وإيمانها بالثورة.
ربما تلمس في الأيادي المرتعشة وهي تصافحك، ثقل المعاناة ووطأة التوجس والقلق من شروط الحياة تزداد سوءا، ومن تأخر لحظة الخلاص أمام قتل مفلت، لكنك تلمس غالبا روحا واثقة ومطمئنة، وتشعر ما إن يبادرك أحدهم بعبارة “كل عام وأنتم بخير” كأنه يقولها هذه المرة، وليس لاعتقاده بأن الأمور ستكون بخير، وبأن مطلب الناس في التغيير وفي إزالة الاستبداد وإرساء قواعد الحياة الديمقراطية بات قريبا!
في هذا العيد يتجاوز الدارفوريين عبارات التهنئة، إلي مفردات جديدة مفعمة بالأسئلة، عن موطن الهجرة، عن شروط السكن وطرق توفير الحاجات الأساسية، عن فقدان الأحبة، عن أحوال من هم تحت حصار، من منهم لا يزال بخير ومن تعرض لأذي أو اعتقال، عن الأوضاع في المناطق الملتهبة ومجريات الصراع هناك، وعن الثمن والتكلفة التي لا يزال يتطلبها اجتراح المستقبل ومتي تسلم السلطة، بأن لا جدوي من القمع والتنكيل والاغتصاب وبأنها عاجزة عن وقف التغيير.
هنا لا يصعب علي المرء معرفة الأسباب التي أشاعت روح الإيثار بين الناس وولدت حقلا غير مرئي من التضامن والتكافل لتخفيف مصاب قطاعات واسعة من المجتمع الدارفوري، وأبسط الأسباب، إذا وضعنا جانبا الدوافع السياسية، قد يكون نابعا من اتحاد هموم البشر ضد الموت والقتل اليومي وإيمانهم المشترك بحقهم في الحياة، فثمة شعور شائع بأن الجميع صاروا في “الهوي سوي”، كما يقول المثل، وأن من لا يزال سالما وآمنا اليوم قد لا تبقي أحواله كذلك غدا.
وهناك في بعض المناطق الهادئة نسبيا لا تخدعك جوقات صغيرة تصطنع فرح العيد وتبالغ في إظهار سعادتها وبهجتها, بعضها ربما لا يعنيه ما تحمله الأخبار اليومية عن المآسي والضحايا، وبعضها لتفريغ انفعالاته الرافضة لما يجري ويعجز عن توجيهها ضد أغلال القهر التي تكبله، وبعضها كي يهرب من الكوابيس المرعبة وما رسخ في ذاكرته من صور مخيفة ومقززة للنفس عن المجازر والقتل المعمم في غير مكان، فوراء تعظيم حصحصة الفرح يشي بالنواح وبأصوات تضمر مواويل حزينة!
عيد بأي حال عدت يا عيد!! لا نعرف إلي متي سوف تكرر هذا الشطر من شعر المتنبي، ولا نعرف إلي أي حد موجع ومدمر يمكن أن تصل بنا الأمور قبل أن تطوي صفحة الاستبداد، أو إلي متي يفي الآخرون، عربا وعجما، يتفجرون علي هذا العنف وهو ينهش لحمنا قطعة قطعة! وإلي النار المستعرة تأكل الأخضر واليابس، وتحصد البشر، زرافات ووحدانا، والأنكي حين يدمن بعضهم ما يجري، وتغدو المشاهد اليومية للاحتراب والقتل والإذلال أشبه بمشاهد روتينية يتابعونها وهم يحتسبون شاي الصباح أو يمضغون طعام إفطارهم ويتهيأون للالتحاق بأعمالهم. ربما لأنهم يدركون أن ثمة رمالا كثيرة في الطريق يمكنهم دفن رؤوسهم فيها!

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.