ايها الشعب السوداني الفضل ..

تجتمع السعادة والتعاسة بنفس القدر عندما اتذكر اني من جيل السبعينات, سعادتي اننا كجيل شاهد او عاصر آخر ايام السودان الجميلة في شتى مناحي الحياة حيث البساطة والرحمة والمودة والثقافة والوعي السياسي وإن كان لدينا جميعاً كشعب إشكالات في العقل الجمعي في هذا الجانب ترتبت عليه كل عثرات الوطن حتي الآن.

كانت تبدأ المشاركة والنشاط السياسي من المدارس الثانوية وكانت تعج بالنقاشات والاركان والانشطة لدرجة كانت للمدارس الثانوية وزن في مجمل الحياة السياسية و كان للمدارس الثانوية دور كبير في كل الثورات والإنتفاضات التي شهدها السودان.

وتعاستي عندما ارى ان المحصلة صفراً كبيراً في تقاسم الاجيال الفشل, واصبح الجميع مسخاً لا نعرف من الحقيقة إلا لي عنقها بأننا نتحدث عن امجاد, واصبحنا في حالة إنفصام تام .

من المعروف ان الجامعات هي الدنمو المحرك لكل اوجه الدولة من سياسة وإقتصاد وثقافة وآداب وفنون وهي الرابط الحقيقي بين طوائف المجتمع المختلفة لذلك قادرة علي تحريك الشارع والرأي العام وقيادة الامة لتحقيق طموحاتها في الحرية والعيش بكرامة إنسانية.

فتخلف السودان كثيراً في كل اوجه الحياة واصبح الشباب خارج نطاق الحاضر والمستقبل, و يا ليت ان المدارس الثانوية والجامعات إنشغلت بالعلم والتحصيل العلمي عوضاً عن خلق اجيال قادرة علي القيادة وتوجيه المجتمع في كل ضروب الحياة بل بدت قلاع تتحجر فيها العقول وتنفصم عن واقع امتها وقضاياها.

المؤسف عندنا في السودان إنحسر دور الجامعات واصبحت في جزر معزولة عن الشارع الذي هو في الاصل حاضنتها الاساسية برغم كثرتها وتضاعف عدد طلابها إلي مرات كثيرة, مع تطور وسائل الاتصال وتداول المعلومات في اقصى اقاصى الدنيا في لمح البصر.

ما زاد حيرتي الفجوة العميقة بين الجامعات والمدارس والشارع, فمن المعروف ان الشارع تحركه إحتياجاته ومطالبه الحياتية في الصحة والتعليم والخدمات بكل اصنافها, والتي هي بالاساس مسؤولية الدولة وحق مشروع لدافع الضرائب التي اصبحت عبارة عن جزية تذهب للوالي امر الدولة الرسالية وحاشيته لممارسة كل انواع الفساد, وللأسف الشعب بأجمعه اصبح يرى ان من واجباته ان يلبي حاجات حكامه الفاسدين.

فالطبيعي ان يخرج الشارع لإنقطاع الماء او الكهرباء او نقص الخدمات او جودتها ومن الطبيعي ان تتبنى الجامعات والمدارس هذه الهموم ووضعها في قالبها السياسي الذي هو بالاساس المحرك لكل تفاصيل الدولة وبه تكون القيادة, وتوجيه الشارع وتنويره ان ما يريد هو تغيير منظومة وليس حقوق هنا او هناك.

فماذا بعد توفير الماء والكهرباء وكل الخدمات بلا حرية ومشاركة حقيقية وتداول سلمي للسلطة؟

انظر لكل دول الربيع العربي فجميعها بها خدمات وبنية تحتية بالنسبة لنا في السودان سبقونا بآلاف السنين الضوئية, ولكن تنقصهم الحرية والمشاركة وتعاملت معهم الانظمة كقطعان المواشي, فكانت النتيجة ثورات متفلتة تفتقد القيادة بسبب تجهيل المجتمع بكامله.

ما فعله نظام المجرم البشير هو تجريف العقول وتجهيل المجتمع ومسح ذاكرته وضربه في مشروع قيادته ومستقبله المتمثلة في شريحة الشباب والجامعات.

من المؤسف اصبح مجتمع الجامعات بعيداً عن هموم الشارع وتم تغييبه تماماً حتي اصبحت معارض للموضة واسواق لجميع انواع المخدرات التي تدخل البلاد بعلم ورعاية الدولة وتعتبر هذه واحدة من اوجه الحرب التي يخوضها نظام الكهنة تجار الدين الفاسدين علي الامة السودانية.

وتبقى الحقيقة ان النظام الضعيف المتهالك يقتات علي ضعف المجتمع وتفككه بفعل سياساته الممنهجة وخططه المعدة لذلك.

فيجب ان يعي الناس انه لا تكمن حوجتهم في ماء او كهرباء. حتي يعتصمون بمباني إدارات الكهرباء او الخدمات الاخري.

يجب ان يعتصم الناس في الشوارع والساحات والميادين وقصر غردون باشا “لأنه لم يعد قصراً جمهورياً يحكم بإسم الشعب” ليرحل الفاسد وسدنته تجار الدين وتسليم مفاتيح البلد المنهوبة لأكثر من ربع قرن من الزمان لأهلها.

فهل من شعب سوداني فضل..؟

خليل محمد سليمان
singaabuhugar@yahoo.com

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.