المسيحيات في السودان يحاكمون بقانون النظام العام

– شبكة عاين – ١٣ يوليو ٢٠١٥ –
عندما اصدرالرئيس السوداني الاسبق جعفر نميري ( 1969-1985 ) قوانين الشريعة والتي اصبحت معروفة بقوانين (سبتمبر 1983 ) ، قال محمود محمد طه زعيم حزب الحركة الجمهورية والذي اعدمه النميري لرايه حول تلك القوانين في يناير 1985 ( إن قوانين سبتمبر مخالفة للشريعة وللاسلام ، ونفرت عنه ، يضاف الى ذلك انها وضعت واستغلت لارهاب الشعب وسوقة الى الاستكانة عن طريق إذلاله ، ثم انها هددت وحدة البلاد) .
طريقة مهينة في تعامل الشرطة
ليست هي المرة الاولى التي يتم فيها القبض على فتيات من قبل شرطة النظام العام بدعاوى اللبس الفاضح ، ولكن الجديد هو القبض على (12 ) من الفتيات المسيحيات ( من جبال النوبة ) وهن طالبات في مراحل تعليمية مختلفة من امام كنيسة ( المعمدانية ) في طيبة الاحامدة في مدينة بحري بعد مشاركتهن في احتفال للشباب نظمته الكنيسة ، وقد القت شرطة النظام العام القبض عليهن اثناء انتظارهن للمواصلات ، ووجهت اتهامات لهن تحت المادة (152 ) من قانون النظام العام ( الزي الفاضح ) وعقوبتها الجلد او الغرامة او العقوبتين معاً عند الادانة ، وسبق ان تمت محاكمة الصحفية لبنى احمد حسين بسبب لبسها ( البنطال ) وادانتها المحكمة وحكمت عليها بغرامة مالية ، وهنالك اخريات من النساء والفتيات تمت محاكتهن ولم يتناول الاعلام قضيتهن.
الطريقة المهينة من قبل الشرطة للفتيات
وتقول احدى اللائي تم القبض عليهن لـ(عاين) ان الشرطة القت القبض عليها مع صويحباتها عند خروجهن من الكنسية مساء الخميس الخامس والعشرين من يونيو الماضي ، وتضيف ” وقفت سيارة الشرطة التي يطلق علها (الدفار) بعد خروجنا من الكنيسة ، وقد طلب منا عساكر الشرطة الصعود الى سيارتهم ، وقد صعدنا بسرعة خوفاً من الضرب والاهانة ” ، وتشير الى ان سيارة الشرطة جابت بهن الشوارع ، وبعد جولة طويلة اوقفوا السيارة ونزلوا منها للحديث مع بعضهم البعض ، وتقول ” بعدها ذهبوا الى احدى محطات الوقود واعتقلوا ستات الشاي ” ، وتضيف ” كل من كان في الدفار من جبال النوبة ودارفور ” .
واوضحت الفتاة في روايتها ان العساكر كانوا يستهترون ويطلقون عليهن اثناء التجوال بنات ” الديرتي ” ( وهي رقصة تؤدى ومنافية للاعراف والتقاليد السودانية ) ، وتقول ” لم يتم القبض علينا من حفل حتى يطلق علينا مثل هذه الاوصاف ” ، وتشير الى ان عساكر الشرطة قاموا بتفتيش هواتفهن الخاصة للبحث عن رسائل او صورة حتى يجدوا اتهامات اضافية ، وتقول ” بعد ان وصلنا قسم الشرطة لم يسألنا احد بل تم ادخالنا الى حراسة القسم بعد تسجيل البيانات وبعدها اطلق سراح اثنتين باعتبار انهن يرتدين تنورات ” ، وقد طلب العساكر من الفتيات خلع ملابسهن وقبل وصول ذويهن بملابس اخرى ، وتقول الفتاة ان الملابس اللائي كن يرتدينها عادية وهو البنطال ، وتتابع ” نحن اعتدنا على ارتداءها ولن نتركها اطلاقاً ” .
الزي يحدده الشرطي
ويمضي في ذات السياق مهند مصطفى النور محامي الدفاع عن فتيات الكنيسة قائلاً لـ(عاين) ان الفتيات قدمن من الكنيسة تفاجأن بسيارة الشرطة تقف امامهن وطلب العساكر منهن الصعود دون توضيح اسباب ، ويضيف ” ولصغر اعمارهن والرعب الذي سيطر عليهن اثناء وقوف سيارة الشرطة سارعن بالصعود دون اي مقاومة “. اما عن البلاغات المقدمة ، ويقول مهند ان البلاغات مفصولة هنالك المادة 152 مفتوحة ضدهن ، ومادة اخرى ضد فردوس التوم وستعقد لها جلسة محاكمة في السادس عشر من يوليو ، اما بقية الفتيات فقد تم تاجيل جلسة محاكمتهن ، حيث تمت جلسة في التاسع من يوليو وستعقد اخرى في الثالث عشر منه ، ويشير الى ان هنالك قضايا لم يتم فيها الفصل ، ويقول ” بعد ان قمنا بنقاش مع قاضي المحكمة قرر رفع الجلسة ونحن في صراع مستمر مع المادة 152 التي تمنح حق مطلق للشرطي في تحديد الزي الفاضح من غيره ” ، وهناك جدل قانوني في تعريف ماهية الزي الفاضح ، ويقول ” مثلاً السعودية حددت العبأة كنوع من الزي المتفق عليه ” ، ويتابع ” ولكن في السودان ترك الامر لأمزجة الشرطي وفيه نوع من التجني على الناس ” .
ويقول النور ان الشرطة داخل القسم طلبت شيئاً غريباً من الفتيات وهو خلع ملابسهن داخل الحراسة ، ويضيف متسائلاً ” ايهما هو الفاضح خلع الملابس ام الحركة بملابس في الشارع ؟ ” ، كاشفا عن ان السلوك الفاضح يعتمد على شيئين الاول هو عرف البلد ، والثاني هو دين الفاعل وهؤلاء الطالبات لا يدينن بالاسلام ، وهن مسيحيات لهن دين وتعاليم تختلف عن الاسلام ، كاشفا عن ان الدفاع اتجه لاحضار شهود من الكنيسة والمجتمع المدني للدفع بالملف الى المحكمة الدستورية واللجنة الافريقية لحقوق الانسان بغرض تجميد القانون المهين .
غرباء في الوطن
ولكن رجال الدين المسيحي ينظرون الى الامر من زاويا اخرى ، حيث يقول القسيس برنابا تيمو لـ(عاين) ان قانون النظام لا ينطبق على المسيحيين والسلطات تعلم ذلك ، ويرى ان عملية مضايقة المسيحين بدأت منذ فترات ليست بالقريبة ، ويضيف ” في 2011 تم توزيع بيانات تهدر دم بعض القساوسة ، وفي العام 2012 تم تدمير كنائس وكذلك الامر في 2013 اما في 2014 واجهت المؤمنة مريم يحى الردة ولكن عناية الرب اخذتها بعيداً ” ، في اشارة للقضية الشهيرة التي واجهت مريم يحى والتي هاجرت الى الولايات المتحدة بعد ضغوط مارسها المجتمع الدولي على الحكومة السودانية .
ويقول تيمو ان العام 2015 واجه فيه المسيحون الكثير من المضايقات واحدة منها ما حدث مؤخراً للفتيات بما يمسى الزي الفاضح ، ويرى ان ذلك هجوم متعمد على الكنيسة ومؤمنيها ، ويضيف ” القانون اصبح وسيلة لتمريغ انوفنا في التراب والقصد في اذلالانا جميعاً في جبال النوبة والنيل الازرق بطريقة عنصرية، لاقصاءنا من الحياة “، ويتابع ” لكن نحن سنظل نقاوم كل اشكال الاضطهاد التي تمارس ضدنا الى ان يتم الاعتراف باننا جميعنا سودانيين او ان نقيم دولة خاصة بنا تحترمنا وتحفظ ديننا وثقافتنا ” ، لكنه عاد ليقول ” حقيقة اننا اصبحنا غرباء في وطننا بسبب سياسات الحكومة التي شردت غالبيتنا ولن نترك لهم البلاد لوحدهم وسنظل نقاوم الى النهاية ” .
النظام مهدد حقيقي للنسيج الاجتماعي
اما الناشطة في حقوق الانسان مناسا الكواس ذكرت لـ(عاين) ان المادة 152 من قانون النظام العام تقلل من كرامة الانسان وان الغرض منها اذلال النساء والحط من كرامتهن ـ وتقول ” لان اختيار اللبس هو حق فردي للفتيات والنساء وهذه المادة فيها تعدي واضح على الحقوق خاصة انها تترك التقدير فيها للشرطة” ، حيث يحدد الشرطي نوع الزي وفي نفس الوقت هو الشاكي والشاهد مما لا يترك مجالا للدفاع – بحسب الكواس – والتي اوضحت ان دينها لا يحدد الشكل الخارجي للانسان ، وانما يهتم بدواخله والمظهر الخارجي كل فرد بطريقته ، وتقول ” ولكن نحن كنساء سنعمل على مناهضة هذا القانون وكمسيحيات سنعمل على المطالبة بحقوقنا والخروج من هذا الاضطهاد الى رحاب اوسع يستوعبنا بتنوعنا واختلافتنا ” .
من جهتها تقول مجموعة ” لا لقهر النساء ” ان قانون النظام العام بشكله العام مرفوض لانه يعمل على إذلال الشعب ، داعية المواطن السوداني بكافة مكوناته المجتمعية والسياسية للاسطفاف حول مناهضة القانون المذل ، واضافت تهاني عباس العضوة في المجموعة لـ(عاين) عبر الوسائط ان المادة” 152″ تمثل اكبر مهدد لممارسة النساء لحياتهن بالشكل الطبيعي خاصة انها مادة مصطنعة من خيال الحكومة، وتضيف ” الغاية منها مواصلة القهر الممنهج ضد المراة لكسر شوكتها، وابعادها عن حقها في الحياة العامة سواءً كان في الحياة السياسية او غيرها ، واستطردت قائلة ” نحن ضد محاكمة الطالبات السودانيات المسيحيات وسنقف معهن الى اخر مرحلة ” ، كاشفة عن خطوات ستقوم بها المجموعة ستفصح عنها في حينها عن قضية طالبات الكنيسة .
منظمة العفو الدولية تطالب باسقاط العقوبة ضد الفتيات
ومن جانبها حثت منظمة العفو الدولية “أمنستي” الحكومة السودانية على إسقاط التهم الموجهة ضد 10 فتيات مسيحيات وجهت إليهن شرطة النظام العام تهمة ارتداء ” زي فاضح ” فوراً ودون قيد أو شرط ، وطلبت المنظمة في بيان لها الرئيس عمر البشير ووزيري العدل والداخلية لحض السلطات على إسقاط التهم الموجهة ضد الطالبات المسيحيات العشر فوراً ، وإلغاء عقوبة الجلد، والمعاملة والعقوبة القاسية أو اللا إنسانية والمهينة؛ إلى جانب إلغاء المادة “152” من القانون الجنائي، “الغامضة الصياغة وذات الطابع التمييزي، والتي لا تتماشى مع الالتزامات الدولية للسودان حيال حقوق الإنسان”.
وأشارت العفو الدولية في بيانها إلى أن شرطة النظام العام أخضعت الطالبات لمعاملة حطت بالكرامة وللإساءة اللفظية المهينة أثناء اعتقالهن، موضحة أن المادة “152” تعطي سلطات قبض موسعة للشرطة على أي شخص بتهمة “التزيي بزي فاضح”، وبمعاقبة الشخص، إذا ما وجد مذنباً، بأربعين جلدة، أو بغرامة، أو بكليهما ، واضاف البيان ” وفي واقع الحال، يستخدم القانون بصورة حصرية ضد المرأة”.
وأفادت المنظمة أن الفتيات العشر جلبن أمام المحكمة في 28 يونيو، ومثلت إحداهن، وتدعى فردوس التوم، “19 سنة”، أمام المحكمة في 6 يوليو الحالي وهي ترتدي لباساً آخر اعتبره القاضي فاضحاً، ودونما أي اعتبار للإجراءات القانونية المرعية، حكم عليها فوراً بغرامة تبلغ 500 جنيه سوداني (83 دولاراً)، أو بالسجن لمدة شهر، ودفع ناشطون ومؤيدون لها قيمة الغرامة، وستمثل أمام المحكمة مجدداً بالعلاقة مع التهمة الأصلية ، ومثلت طالبة أخرى، وتبلغ من العمر 17 سنة، أمام المحكمة في 7 يوليو ونُقلت قضيتها إلى محكمة الأحداث بسبب صغر سنها.
عاين تنشر أسماء الفتيات اللائي يواجهن المحاكمة بسبب الزي :
أما الطالبات التسع الأخريات وهن: فردوس التوم، 19 سنة، إشراقة جيمس، 20 سنة، يوثان عمر الجيلي، 22 سنة؛ ديانا يعقوب عبد الرحمن، 19 سنة، سيما علي عثمان، 20 سنة، إيناس محمد الكوماني، 23 سنة، رحاب عمر كاكوم، 18 سنة، نصرة عمر كاكوم، 20 سنة، ووجدان عبد الله صالح، سيمثلن أمام المحكمة في 9 و13 و16 و17 يوليو ، طبقاً لما قاله محاميهن.

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.