ابو قردة … اترك الثوار ما تركوك

/إبراهيم سليمان
صوت من الهامش
ليس لدينا فائض جهد لنضيعه في تتبع ترهات أبناء الهامش الذين وهنوا امام مغريات نظام الإنقاذ وانتصروا لذواتهم، إلاّ الذين يحاولون الطعن في جسد الثورة بتصريحات حامضة، أو التشكيك في مشروعيتها تزلفاً لأولياء نعمتهم، من هؤلاء الوزير بحر ابوقردة، والذي نظن انه حمل السلاح من أجل حقيبة وزارية، وإلاّ كيف نفَّسر التصريح المنسوب له والذي يدّعي فيه انتفاء “كل” الأسباب الداعية لحمل السلاح في وجه النظام!؟
الوزير ابوقردة ليس في حاجة لتذكيره بالمبررات التي اجبرت الشرفاء على حمل السلاح في وجه النظام، وهو في غنىً عن تنويره بمبتغى ثورة التغيير، بيد أننا نرصد بإيجاز هذه المبررات ونكرر التطلعات ليتبين للقارئ الكريم خطل تصريحاته، والذي يبدو لشيء في نفس يعقوب تعَّتمد الخلط بين افرازات الثورة ودوافعها المعلنة.
الظلم الاجتماعي، وحيف توزيع الثروة واحتكار السلطة، والاستعلاء الجهوي والتهميش الثقافي لا يزال يمشى على قدم وساق بين الناس، بل اصبح ممنهج ترعاه الاجهزة الرسمية للدولة، باي حق يصادر النظام اموال اهالي دارفور المرصودة لتعبيد طريق الإنقاذ الغربي؟ (حوالي 50 مليون دولار). أليست هذه حقارة؟ ومن الذي يستكين للحقارة سوى الحقير؟ وأعتقد أن هذا الأمر شكل 90% من وقود شرارة الثورة، وبعد ربع قرن هل اكتمل طريق الإنقاذ العربي؟ وما مصير طريق الجبال الدائري بجبال النوبة المنصوص عليه في مقررات نيفاشا؟ وكم من الطرق شيدت من الخزانة العامة في ولايات بعينها خلال هذه الفترة؟ ومن أين ينتج البترول؟ وماذا استفادت المناطق المنتجة له؟ وما هي مصوغات تصفيته في الجيلي؟ ولماذا همشت السطات مصفاة الأبيض؟ وما هو مصير محطة كهرباء الفولة التي أُنشأت فيما يبدو للتخدير بطاقة 405 قيقا؟ وهل السيد ابوقرده معني بما يجري لأبناء دارفور بالجامعات على ايدي مليشيات النظام من عنف جسدي ولنفسي؟ وهل استوقفه تعامل النظام مع القامة والرمز الوطني الفيتوري حياً وميتا.
رَقَصَ السيد ابوقردة النُقارة وسط اهله وهو الوزير الاتحادي، ماذا يضير التلفزيون القومي نقل تلك اللفة لو لا استحقار مركزي لثقافته، ولماذا لم تنقل قنوات التلفزة المحتكرة فعاليات مصارعة جبال النوبة الأصلية لو لا الاستعلاء الثقافي؟ ولماذا استبعد الحزب الحاكم ابناء الهامش من الأهلية للترشح لرئاسة الجمهورية؟
هل تراجع رأس النظام عن تحديه للذين يتطلعون للسلطة بحمل السلاح؟ ومتى حاد عن العنجهية وجنح للسلم لتنتفِ مبررات المواجهة العسكرية؟ ألم يرفض النظام وقف إطلاق النار المعلن من قبل قيادات الجبهة الثورية ضمن إعلان باريس العام المنصرم؟ ويرفض الحوار قبيل الانتخابات؟ ومتى قال رأس النظام أو وزير مليشياته أن الصيف سيكون برداً وسلاماً على مواطني جبال النوبة وجبل مرة؟
وعن افرازات الحرب، إن كان يرى أن ما تسمى اتفاقية الدوحة لسلام دارفور قد عالجت مآلات المواجهة العسكرية، فقد نقض السيد ابوقردة غزله بعد قوةٍ أنكاثا، حيث وصف مؤخراً “اداء السلطة الاقليمية لدارفور خلال الاعوام الأربعة التي أعقبت اتفاقية الدوحة بالضعف، وقال إنه غير مُرضٍ لهم، وشدد علي ضرورة تكوين السلطة بشكل مختلف خلال الفترة القادمة حتي تضطلع بأدوارها التي انشأت من اجلها. وقال إن ضعف السلطة خلال الفترة الماضية تمثل في عدم تنفيذها لمشروعات البرنامج الإسعافي البالغة “1071” مشروع، مؤكداً تنفيذها لـ “74” مشروع فقط خلال الأربعة سنوات الماضية وأضاف “هؤلاء يفترض أن يخجلوا من أنفسهم”، وأرجع عدم تنفيذ البرامج لعدم وجود السلطة وفعاليتها في إقليم دارفور فضلاً عن نهجها الإداري الضعيف”
عليه هو أن يخجل من نفسه أولاً، لأنه نائباً لرئيس هذه السطلة الوهمية، التي قُصد من الاتفاقية التي شُكلت بموجبها، تشيد منازل للنازحين بغرض تفكيك المعسكرات، وقد كشفت اللعبة مبكراً. ولم يجد المتابع كبير عناءٍ لمعرفة دوافع تبخيس السيد ابوقردة لأداء السطلة الانتقالية، فهو وجه حق اريد به باطل، أنه الكيد السياسي لغريمه السيسي رئيس هذه السطلة المشوهة، والذي اغتر بمدح رأس النظام له، فقد استنفذ غرضه هو الآخر وأضحى يتباكى على الجري وراء السراب. وليس من شك عندنا أن ما يرمي إليه من مثل هذه التصريحات، التطلع إلي “قلع” رئاسة السطلة الانتقالية من السيسي، والتربع على تلِها الخرب.
في مؤتمره الإذاعي رجم السيد ابو قردة بالغيب قائلاً إن مشكلة دارفور في طريقها للانتهاء بالتدريج! هذا تحليل رغائبي، وتلك أمانيهم ان تُجهض ثورة التغيير، ويستمر النظام القائم إلى الأبد، ولكن هيهات، فالنظام يلفظ أنفاسه الأخيرة.
لم يلاحق ثائراٌ السيد ابوقردة، ليقول له لقد خنت العهد، وحنثت باليمين الثوري، وغدرت برفاقك، وخذلت أهلك في الطينة، ولم يذكره أحد أنه اصبح ملكياً أكثر من الملك، ولم ينبهه شريف أنه إستلهم أدبيات المؤتمر الوطني في البهتان والتدليس والدجل السياسي بسرعة الصاروخ، ونذكره أنه يسير على خطى سلفه تابيتا بطرس، التي باعت قضيتها وتخلت عن أهلها من أجل وزارة دون خجل، فصلتها حركتها لتفقد البوصلة السياسية وترتمِ في أحضان جلاديها دون وخزة ضمير. فقد اشتكى وزير الصحة السيد ابو قردة قبل فترة للبرلمان رفض بعض شركات الأدوية استيراد (169) نوعاً من الأدوية المنقذة للحياة، وبعدها بأيام قال ان السودان أصبح من صانعي القرارات الصحية العالمية! أي دجل لهذا؟
لم يكتفِ السيد ابو قردة بمحاولة تخذيل الثوار، بل تجرأ بكل قوة عين محذراً قادة الحركات المسلحة من توجيه القضايا لأبعاد شخصية ومكاسب ذاتية. هل بداخل الحقيبة الوزارية التي يحملها مصلحة للإنسان الذي كان يزعم أنه حمل السلاح من اجله، وبموجب تلك المزاعم تم توزيره، أليس هذا مكسب ذاتي ومصلحة شخصية؟ فليتنازل عن الوزارة ويتفرغ لاتفاقيته ليقنعنا بتجرده السياسي وزهده في المناصب.
إن قال ابو قردة أن بعض الأسباب الداعية لحمل السلاح قد إنتفت، لما وقفنا عن تصريحه، بيد أنه قال “كل” حسبما نقل عنه، وطفق يتحدث عن الحوار الوطني ومحاربة الفساد وحالة انفتاح، وإتفاقيات موقعة لتنمية الإقليم يصفها فيما بعد أن محصلتها مخجلة. كلام مرسل، وعنتريات سياسية الكل يعرف أنها الثمن الرخيص للحقيبة الهامشية التي يحملها. وتصريحه هذا وبهذه الصيغة يعني أن الشهداء الذين يلقون ربهم دفاعاً عن أعراض اهلهم، وذوداً عن دمائهم المهدرة من قبل مليشيات النظام “فطائس”، وان الثوار ليس لديهم موضوع، وفي تقديرينا أن جنس هذا الكلام لهو اشد مضاضة وأكثر اذىً من مواجهة الثوار في الميدان نيابة عن الجلاد المركزي.
عن أي انفتاح يتحدث السيد الوزير؟ وفي اية ناحية بعد المقاطعة الشاملة للانتخابات الأخيرة، وأزمة جوهانسبرج؟ ووقوف حمار النظام في عقبة العسكر والإسلامويين؟ وبعد أن أصبحت لعبة المركز مع الهامش سمجة و”بايخة”، إن طالب الثوار بالسطلة، خُصص منصب نائب الرئيس لأنباء الهامش، وإن تحدثوا عن قسمة الثروة القومية، منح وزارة المالية لهم، وإن اشتكوا عن غياب العدالة، زجل بوزير عدل من منسوبيهم. المسلم به، إن شُكلت حكومة كاملة الأركان من أبناء الهامش، وظلت الشفرة والقرار السياسي بالقصر الجمهوري ومقر حزب المؤتمر الوطني، فإن ذلك لن يجهض الثورة، ولن يخمد مبررات اندلاعها.
بإمكان السيد ابوقردة أن يأكل أكله و”يقش خشمه” كما يفعل قيادات أحزاب التوالي، الذين انضم إلى جوقتهم، ولن تعنيا خياراته في شيء، بل علينا احترامه، أما محاولة تبخيس البنادق الشريفة التي تناضل من اجل حماية الأعراض ورفع الظلم عن الأهل والديار، والمطالبة بالحقوق المشروعة في العيش الكريم، فإن ذلك يعتبر تخطي لخط ثوري أحمر، طالما أن طائرات النظام لم تتوقف عن رجم المدنيين العزل بالبراميل المتفجرة بشكل يومي، وطالما أن مليشياته لا تزال تمارس التطهير العرقي والعنف الجنسي. ونقول للسيد ابوقردا تحذيرك مردود عليك، وإن كنت اهلاً لإزداء النصح، عليك نصح رأس النظام بتسليم نفسه للاهاي على غرار ما فعل أنت، وعليك ألاً “تفّكر الضأن للسربة” و”المارحة تقرعها السدارة”.
ebraheemsu@gmail.com
للإطلاع على المقالات السابقة:
http://suitminelhamish.blogspot.co.uk

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.