من الذي يمنع إستقلال إقليم دارفور ؟!

بقلم :احمد ويتشي
في تطور ليس بمفاجئ في ظل الأوضاع الأمنية والسياسية والإقتصادية والإجتماعية الراهنة في السودان. صرح الأستاذ مني اركون مناوي زعيم حركة جيش تحرير السودان ونائب رئيس الجبهة الثورية قائلاً : بأن بند تقرير المصير لإقليم دارفور سيتم مناقشته في إجتماعات الجبهة الثورية المقبلة ليتمكن سكان دارفور من تحديد مستقبلهم بحر إرادتهم وسيكون هذا البند اساسيا في أي مفاوضات تجري مع في النظام الخرطوم ومناصريه .
ولكن قيادات من النظام اعتبرت تصريحات الأستاذ مني اركو مناوي بخصوص تقرير المصير بأنها مجرد مناورة سياسية لا قيمة لها . علي الرغم من أن هذه ليست المرة الأولى التي تخرج فيه تصريحات تطالب بتقرير المصير لدارفور بل هناك أصوات كثيرة صدحت من قبل وبشكل علني وقالت بأن مطالبهم في الأساس قائمة علي تحقيق العدالة والمشاركة في السلطة وصناعة القرار والتنمية المتوازنة وإعادة كتابة التاريخ المزيف الذي صنع من الأخبال الهاربين أبطالا وجعل من الأبطال الحقيقين اقزاما ومن ثم إنهاء كل أشكال التمييز العنصري .وإن لم تتحقق مطالبهم هذه بالتأكيد لن يكونوا حريصين علي الوحدة القائمة علي القسر والإكراه .بالطبع اذا ما نظرنا لهذه المطالب قد تبدو بسيطة جداً و عادية بإعتبارها حق من الحقوق الأساسية لأي شعب ينتمي إلي أي بقعة جغرافية سياسية . وإذا كان هناك شخص وأحد عاقل وسط الأقلية التي تمسك بتلابيب القرارات المصيرية . لكان حلت المشاكل في السودان ولما انقسم السودان لدولتين . ولكن لم يحدث شيئاً علي مر الحقب وتعاقب مختلف الأنظمة والحكومات .العسكرية منها والمدنية والتي جميعها في ظاهر أيدولوجياتها مختلفة ولكن في باطنها فكر واحد وعقلية واحدة وهو الإقصاء و التجاهل والإستهتار بمصير كل شعوب الأطراف.
دارفور الإقليم الواقع في غرب البلاد لقد ظل مهمل تماماً طوال تاريخ الدولة وحرم شعبه من حقوقه الأساسية ولم ينال شيئاً من الكثير الذي قدمه للدولة بأعتبار دارفور لا تقل أهمية عن جنوب السودان الذي إستقل من حيث الموارد بثرواتها الحيوانية والمعدنية والزراعية والأيدي العاملة. فعندما تنتج وتقدم كل ما تملكه بإخلاص للدولة ولن تنال إلا الإحتقار والذل فمن الطبيعي جداً يفكر أبناء دارفور بطرق أخري لأخذ حقوقهم ولو عن طريق تلك الأصوات التي نسمعها أيامنا هذه . فقبل الثورة المسلحة الحالية هناك تاريخ سياسي حديث لدارفور بعد تكوين السودان.
مثلاً تبلورت حركة الوعي وسادت الروح القومية والإحساس بالظلم لشعب دارفور فهناك ثورة أشعلها الشهيد عبدالله السحيني في العام 1921م الذي أسس حركة مسلحة إنفصالية بعد خمسة سنوات من ضم دارفور للسودان الحالي وقد أعدم الشهيد سحيني شنقاً ولم يذكره التاريخ وقد لا يعرفه الكثيرون من الشباب الدارفوريين الذين تم إستلابهم وإعادة إنتاجهم لدرجة باتوا يتغنون بأمجاد الزبير محمد صالح وإبراهيم شمس الدين وعبدالمنعم شطة وبقية العقد البغيض من النازيون الجدد.
وبعد ثورة الشهيد السحيني هناك حركات أخري مثل حركة (اللهيب الأحمر)و (حركة سوني) وأيضاً هناك واجهات سياسية مطلبية سلمية نشأت مثل (جبهة نهضة دارفور) والتي أسسها مجموعة من الطلاب المنحدرين من دارفور في جامعة الخرطوم وقد مثلت شعلة وعي لأبناء دارفور في الجامعات إبان الستينيات من القرن المنصرم . وهناك حركة الشهيد داؤود يحي بولاد المهندس الذي ثار في بداية التسعينات وقبض عليه وأسر و قتل بعد عرضه علي شاشة التلفاز .
ودون أن ننسي أن هذه الحركات تخللها مظاهر احتجاجات أخري كثيرة للتعبير عن الظلم فهناك المظاهرات التي عمت الإقليم في الثمانينيات للمطالبة بحاكم من أبناء الإقليم ولكن أعتقد أن هذه المظاهرات ليست من أجل ذلك بل هو للتعبير عن الساحق والماحق من المظالم . وفي نفس من تظاهروا أشياء أخري وليس مجرد المطالبة بأن يحكمهم أحد أبنائهم . وقد تمت تلبية هذا المطلب ولكن بطريقة ظالمة أكثر فظاعة من ذي قبل . لأن من تم تعيينهم من أبناء دارفور لإدارة الإقليم . لم يكونوا سوي دمي تحركهم الحكومات الخرطومية بحيث ينفذون مشروع الدولة التي لا تري الا بالعين الواحدة والاتجاه الواحد ولهذه الأسباب لم تهدأ الأحوال وظل الإقليم يعاني من المشاكل وتم زيادة المشكلات بزرع الفتن القبلية المصنوعة من الخرطوم ولقد تم تقسيم سكان دارفور إلي درجات وتصنيفات وتم تسليح قبائل بعينها علي حساب الآخريات بأوهام العروبة وهناك قصص عن مجازر وقعت بحق بعض القوميات التي تراها الخرطوم قد تشكل خطراً لاستمرارية السيطرة علي مقاليد الأمور . فمثلاً نجد حكومات سرالختم الخليفة أحمد والصادق المهدي الأولي والنميري والمجلس العسكري الإنتقالي وحكومة الصادق المهدي الثانية جميعها لعبت أدوار سيئة تجاه الإقليم وأسسوا تحالفات عنصرية علي حساب الآخرين هناك ليكونوا أذرع لهم .في حال حدوث أي طاري .
والنتيجة الحتمية لتلك السياسيات النازية هو إنفجار الأوضاع وخروجها عن السيطرة ووجدت الحكومة الحالية بقيادة البشير الحبل على القارب . قاده فوق الخريطة كما كان مرسوماً من قبل . وقد يقول قائل بأن أبناء دارفور كان لهم الوجود البارز في الحكومة الحالية عبر جماعة الإخوان المسلمين التي تحالفت مع العسكريين وانقلبت علي السلطة ولكن الوقائع تقول غير ذلك بحيث كل الذين كانوا هناك ولعبوا دور الكومبارس لقد تمت إقصائهم و ثار من ثار عسكرياً وبقي من بقي في بيته فقد تمت بهم تنفيذ المشروع لتعميق الكارثة . ولكن هناك البعض يريد إخفاء الحقائق بفبركة الأكاذيب للنيل من ثورة الشعب الدارفوري علي أساس أن الثورة المسلحة الحالية في دارفور هي نتيجة لإقصاء أبناء دارفور من الحكومة الحالية إبان مذكرة العشرة ولكن الحقيقة التي يجب أن يعرفها الجميع هو أن من أشعلوا الثورة لا علاقة لهم بأي حكومة لا السابقة ولا الحالية وهم معروفون فهولاء لا تربطهم أي علاقة بحكومة البشير وإذا افترضنا جدلاً وقلنا تربطهم شيئاً ما مع الخرطوم ولكن الوقائع تكذب ذلك فمثلاً عندما ثار السحيني وتاسست حركة اللهيب الأحمر وتأسست جبهة نهضة دارفور لم يكن هؤلاء مولودون حتي ! بالطبع هذا التضليل الممارس منذ الأزل لإنكار الحقائق وهضم حقوق الآخرين والهروب من إستحقاقات التاريخ
ومن قبل أتهم الشهيد جون قرنق بأنه إنفصاليا ولكن الوقائع تقول عندما أشتعلت الثورة في الجنوب بقيادة ضباط وجنود كتيبة توريت في العام 1955م وقتها كان الشهيد جون قرنق عمره لم يتعدي التسعة سنوات ولم تحل مشكلة الجنوب بتعاقب الحكومات حتي بلغ من العمر الثلاثين عاما والتحق بالثورة ومن ثم وقعت إتفاقية سلام فاشلة ولم تحل المشكلة وأضطر إلي العودة إلي الغابة وفي النهاية حدث ما حدث من تشطير الوطن . لأنه خبر تفاصيل العقلية التي تدير الأزمات وكيف تتعامل معها وتأكد له بأن ليس هناك جدية في التعامل مع المشكلة وفي نفس الوقت يتم شراء ضعاف النفوس وتكثر الانشقاقات والإتفاقيات توقع علي الورق ولكن علي أرض التنفيذ صفر كبير علي الشمال وكان الضامن الوحيد لحفظ نضالات الشعب الجنوبي هو وضع بند تقرير المصير والحبل علي الجرار .
ولم تتعلم حكومة البشير من أخطاء السابقين ولم تتعظ من التجارب
وهو يمارس كل المبوقات وبل تجد حكومة البشير تتعامل مع أبناء دارفور كغرباء وغزاة وليسوا بمواطنين شركاء في الوطن
مثلاً في العام 2014م تحدث الأستاذ أحمد المسلماني في محاضرة متلفزة وهو المستشار الإعلامي للرئيس المصري السابق عدلي منصور وقال : بأنه جلس مع الرئيس البشير ذات مرة وتحدث معه في جلسة عادية ولكنه أراد إختبار الرئيس البشير ومدي حرسه علي وطنه الذي يهدد التفتت .. وعندها أخبره البشير وقال بأن مستقبل السودان ستقسم إلي خمس دول جنوبية وقد تم وشمالية وشرقية وغربية ووسط ! والإعلامي الأستاذ أحمد المسلماني شخصية معروفة وكلامه كان متلفزا ونقله عدد من القنوات التلفزيونية ولكن لم يخرج أحد قيادات نظام البشير لتكذيب تلك الإفتراءات أو إدانتها أو المطالبة بالإعتذار له . ولكن ما إن صرح الأستاذ مني اركو مناوي عن تقرير المصير خرج عددهم منهم وسخروا منه وقالوا له يريد المناورة لكسب التعاطف .وهم يعلمون بأن جمهورية مصر العربية تنتهك سيادة السودان وتحتل أجزاء واسعها منها . أليست مثل هذه السخرية والاحتقار وحدها تكفي لتكوين عقل جمعي تجاه تقرير المصير ؟! وبالمثل الأحزاب السياسية في الخرطوم أيضاً عقليتها تقريباً نفس عقلية الحكومة الحالية . وقد شاهدنا أيام حرب هجليج بين النظام البشير ودولة الجنوب
كيف خرجت الإدانات والإحتجاجات ضد دولة الجنوب ورقصوا مع قادة الجيش السوداني الذين ارتكبوا وماتزال المجازر الفظيعة في دارفور ولم يكلفوا آناء النفس في إصدار بيان واحد تطالب مصر بسحب قواتها من الأراضي السودانية المحتلة . بالطبع هذا ليس خلط بين النظام والمعارضة السياسية ولكن الكثير من مواقفها تجعلنا نقول مثل هذا الكلام ونحن لا نخبيئ الحقائق وندسها كما يفعل الكثير من المنافقون والأغرب من ذلك دائماً تخرج هذه الأحزاب السياسية في مظاهرات حاشدة في العاصمة خرطوم في أي حدث تقع في دولة فلسطين ولكنهم لم ولن يخرجوا ولو في مسيرة واحدة تطالب النظام بإيقاف القتل والمجازر الجماعية التي تقع بحق المواطنين العزل في دارفور وكذلك جنوب كردفان والنيل الأزرق .
فهناك مثل يقول النار من مستصغر الشرر
لأن مشكلة الجنوب كانت مطلبية أساسها المشاركة في السلطة في إطار السودان الواحد الكبير الذي ضيقه البعض وحصره في الخرطوم فقط ولكن تطورت إلي المطالبة بالحكم الذاتي ومن ثم إلي حق تقرير المصير . وقد كان . ولمن يفهم تدابير السياسة و يقرأ الأوضاع جيداً سيجد أن قدر دارفور مشابها تماماً لقدر جنوب السودان في أيام الكفاح المسلح ولكن الإختلاف البسيط هو أن البعض من الإنتهازيين من أبناء دارفور وجدوا القليل من الروث ومخلفات النازيين الجدد ولعقوها وهم لا يدرون بأن حقهم أكبر من مجرد لعب دور الكومبارس والبعض كذلك لعب وظل يلعب دور حارس الثقافة . وحتي تلك الأدوار الكومبارس أتت من دماء الشهداء الأخيار رضوان الله عليهم أجمعين ولولاهم لما وجدوا مكاناً هناك . وسط النازيون القدامي والجدد. وقد يتساءل البعض ويقول هل انت إنفصاليا ؟!
إجابتي قطعاً لا لم أكون ولن أكون . لأنني أعرف جيداً ما يدور في عالمنا المعاصر من إتحادات وتحالفات في ظل خطر الحروب العالمية المحدقة . بالطبع أريد وطنآ كبيراً للأجيالنا القادمة ليعيشوا كرماء وشرفاء يحسون بالآلام بعضهم بعضا
ولكن هل علي أنا فقط أكون وحدويا وأقدم كل يوم الآلاف من الشباب في سبيل وطن لا أحد يتكرث لوحدته ؟!
فهناك أجيال لم تتلقي التعليم ولم تتلقي الرعاية الإجتماعية وظلوا مهمشين طوال حياتهم وعندما ثار إخوانهم الثوار لقد تمت معاقبتهم جماعياً ووقعت بحقهم جريمة الإبادة الجماعية والتطهير العرقي وعمليات إغتصاب جماعية. وتم حشر من نجا منهم في مخيمات اللاجئين والنازحين في داخل البلاد وخارجها . وهناك جيل كامل ولد في هذه الأجواء القبيحة لا حاضر يأملون عليه ولا مستقبل ينتظرهم في ظل القتل اليومي لإخوانهم و تجاهل إخوانهم في الأقاليم الاخري لماساتهم المستمرة فهنا خياري أنا بالطبع سيكون مع هؤلاء وما يختارونه لعلي جزء منهم وسأعيش معهم
ونرجع إلي العنوان ونتسأل ما الذي يمنع إستقلال إقليم دارفور ؟!
في تقديري أري بأن لا شي قد يستطيع منع حدوث ذلك طالما العوامل المؤثرة موجودة وأسبابها الرئيسية قائمة بالتأكيد لا أحد يستطيع منعه . لأن الثوار في الميدان يقاتلون والانتهازيين يسرقون نضالاتهم ويقفزون ويبيعونها بثمن بخس والطلاب من أبناء دارفور يتم التعامل معهم بطريقة عنصرية لم تحدث لها مثيل والنازحين واللاجئين يقاسون الظروف السيئة والنظام يجند الملايين من المرتزقة ويحارب به الثوار وعمليات اغتصاب تقع …الخ! وهنا ليس بمقدور الثوار فعل أكثر من القتال لعلهم ظلوا يقاتلون و جربوا كل السبل ودخلوا حتي الخرطوم ولكن في النهاية النظام فعل العجائب بالمدنيين العزل عندما خرجوا من الخرطوم وكل هذه العوامل هي خطواط نحو تقرير المصير بلا شك والخطوة الأولى نحو ذلك تبدأ من خلال أعلان ذلك رسميا من قبل أي من الحركات الثورية في دارفور والذي سيحدث هو أن العديد من الدول وخاصة الغربية سوف تتجه إلي نحو قيادات الحركة التي أعلنت عن نفسها بأنها ستقاتل من أجل تقرير المصير لإقليم دارفور ونحن نعرف الدول التي تقوم بذلك ولا داعي لذكرها وستتدفق كل أشكال الدعم لها من عتاد حربي وتدريب استخباري إلي مرتبات العسكريين في الميادين وكذلك ستتدفق المساعدات الإنسانية بشكل خاص لأهالي المعسكرات ومن ثم سيتم فرض أحد القيادات السياسية من تلك الحركة ليكون هو من يقود إلى إستقلال دارفور ولا أحد من بقيه الحركات تسطيع منع ذلك
والسبب الأساسي لتامر الكثير من الدول ضد الثورة هناك وقتل قادتها البارزين هو أن الثوار لم يتطرقوا إلي مسائل تقرير المصير ولا حتي الحكم الذاتي وفقط الإنصاف والعدالة هو هدفهم وهنا بالطبع لا أحد يدعم قضية في الأساس تركز علي الوضع الداخلي وتمنع عنها أصحاب الأجندات الخفية .
ولكن قد يطرح البعض العديد من الأسئلة والاستفهمات ويقول أين هي حدود دارفور وكيف هي شكل الحكم والإدارة ومن هو الرئيس وما هو وضع مليشيات الجنجويد والمرتزقة ؟!
ولكن الإجابة بإختصار شديد . يمكن القول بأن الشعب الدارفوري لا يعيش في عالم منعزل عن عالمنا المعاصر وبالطبع يتأثر بالأوضاع في بقية أرجاء المعمورة ويؤثر فيه كذلك
ومن يتوهم ويقول الحدود وما الحدود أو ما شابه . نقوله له
من صمموا دولة إسرائيل وصنعوا منها خنجرا في عنق العرب بالطبع قادر علي تصميم دولة دارفورية إن أراد لها التقدم فلها وإن لم يريد لها سوف تكون دارفور كبقية الكنتوانات التي تمت صناعتها وتركها في المجاهل . ولكن علي العكس تماماً اعتقادي بأن دارفور ليس بأرض عادية ليتم فيه التجارب بل سيتم التعامل معها كدرع وفتاة مدلل . أما وضع مليشيات الجنجويد فبالتأكيد سينفض سامرهم بانتهاء الحرب ويتحولون إلي عمال لبناء الدولة الدارفورية التي هم فيها أساسين
ومن يدري ؟!
ahmedwitsh2222@yahoo.com

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.