المشير الديوث والإمام الخائب !!

أحمد ويتشي

في أبريل المنصرم كتبت مقالة طويلة . بعنوان ” المشير الخائن والإمام البطل ” خسرت فيه طاقتي الذهنية وجهدي البدني مساهرا طبعاً بعد خروج الإمام الصادق المهدي من الخرطوم وذهابه وإلتقائه بقيادة الجبهة الثورية السودانية وتوقيعه لميثاقي إعلان باريس – ونداء السودان علي الطوالي . ومن ثم قيامه بجولة أوروبية بصحبه قيادات الثورة . كل هذا جعلني أشعر بالإنتشاء ورفع عن كاهلي معارضة الإمام أكثر من النظام .
ظننت و إن بعض الظن آثم وقلت بأن الإمام الصادق قد تاب توبة نصوحة علي بركة الله من الضبابية والحربائية الملازمتين له طوال مسيرته السياسية الممتد لخمسة وستين عاماً ولم يمتهن أي عمل منذ نعومة أظافره سوي إحتراف مهنة فتل حبال المشانق لصالح الحكام الطغاة ليشنقوا به الأبرياء . وبالتنظير أضاع فرص عديدة للنهوض بالوطن والآن بعد بلوغه سن ال80 يحاول إقتباس فلسفة الزعيم الهندي الراحل مهاتما غاندي في الجهاد المدني وقد كان رئيس وزراء في حقبتين مختلفتين ويتسنم رئاسة حزب الأمة وزعامة جماعة الأنصار منذ نصف قرن تقريباً .ومتوج بجائزة
” قوسي” للسلام التي تمنح في مانيلا عاصمة جزر الفلبين . وقد يقول قائل بأن الإمام يتمتع بسمعة محلية وإقليمية ودولية ولكن ما قيمة هذه السمعة والمكانة إذا كان يستكثر محاكمة مجرمي الحرب ومرتكبي جرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية والتهجير القسري في حق مدنيين عزل لا ذنب جنوه سوي مطالبتهم بالعدالة الإجتماعية . قطعاً يعنيني مكانته الوهمية هذه في شي وخاصة كأناس تحررنا مبكراً من قيود العبودية الطوعية المتمثل في تقبيل الأيادي والتمسح بغبار الأحذية . لقد بتنا نملك الإرادة الحرة ونظرتنا للأشياء تختلف وقرأتنا للتاريخ ليس كما هو مدون وفق الأهواء . فبالتالي لدينا القدرة لتقييم من غض البصر عن تراجيديتنا . وصفق لقتلنا وتشريدنا في دولة الأبرتهايد الخفية .وقد كتبت تلك المقالة وثمنت فيه موقف الإمام التاريخي النادر جداً الذي جره إلي مصائب الإعتقال في أقبية أجهزة أمن النازيون الجدد وأجبره علي الإعتذار لمليشيات الجنجويد بعد محاولته لإنتقاد سلوكياتهم الإجرامية وحدث هذا طبعاً بعد وصول هذه المليشيات إلي العاصمة وظهورهم الغير محبب لدي الخرطوميين والتي توحي لهم بأنهم أناس لا يؤتمنون في شي. رغم أنهم حراس الثقافة الأحادية والسلطة العنصرية ولكن الصورة النمطية المرسومة هناك هو كل من يأتي من الأطراف ما هو إلا مجرد “عب ” يجب إستئصاله أو ” مستعرب موالي وجاهل يقاتل بالأجرة ” فيجب إستحقاره مهما كانت درجة ولائهم لهم . وقد تضايق الإمام الصادق من مجرد رؤية أشكالهم بملابسهم المتسخة والكدمول والريحة النتنة التي تنبعث منهم . طبعاً رغم أنه زعيم لأكبر حزب سياسي في السودان ولكنه لزم الصمت لأكثر من عقد ونصف من جرائمهم الوحشية في دارفور ولم يتحدث إلا بعد ما تم نقلهم إلي الخرطوم بعد تغيير إسمها إلي – قوات الدعم السريع . بعد تلقيها لبعض التدريبات علي يد – أبنه بشري الضابط في جهاز مخابرات النازيون الجدد . وعندما نشرت مقالي إياه في الصباح التالي هاتفني صديق فوراً وسخر مني وقال ضاحكاً غداً سوف تكتب مقال آخر مناقض تماماً لمقالك هذا وسنري . فعلاً لقد كان صادقاً معي واليوم أكتب مقالة أخري مختلفة عن سابقته المعنون بالإمام البطل والمشير الخائن . بحيث ذلك الإمام الذي تغزلت فيه ونجرت له لقب البطل من العدم . فالآن يمكنني الإعتذار لمن قرأ مقالي تلك والذي أدخل الفرح والإرتياح في نفوس عدد من عبدة الإمام والآن يمكنني القول بأن من يرفض محاكمة القتلة ‘لن يلتقي مع صفة البطل كما قضيبي السكة حديد لن يلتقيان أبد الدهر.
وأما المشير البشير الذي وصفته بالخائن في المقال السابق فهو أكثر من ذلك بعد بيعه طول وعرض البلاد وقسمه وأشعل ما تبقي بالحرائق أرضاً وجوا وزاده من التراجيدية لدرجة جعل البعض من الفتيات السودانيات يهربن من الخرطوم ويذهبن إلي بلاد الخليج ولعرض شرفنا في الفنادق والملاهي والإقتيات منه لمساعدة الأهل لقد إنتهك شرفنا وتم هدم الكثير من القيم الأخلاقية التي هي من نتائج المواقف الباسلة للمغتربين السودانيين في شتي بقاع العالم وخاصة في دول الخليج . آه يا دنيا ! والمشير الديوث بعد تفريطه في جغرافية الوطن وحوله لأكبر مكب نفايات ومركز لغسيل الأموال وتمويل الإرهاب وتجارة المخدرات . لم يكتفي ويتواري خجلا ولكنه بكل قوة عين يذهب ويتسول من دول الخليج ذاتها التي يعرض فيها شرفنا في سوق البغاء هناك . أليس هذا المشير ديوثا حقيقياً ؟! فكيف لا وهو يذهب إلي الخليج من دون دعوة رسمية ويبيت في الفنادق التي ربما في داخلها قد يكون أحدي بنات الوطن تفترش الشرف لمن يدفع أكثر لليلة حمراء مع فتاة سمراء وفوق ذلك كله هارب من العدالة ورهن مصالح البلاد العلياء وآمال الأجيال القادمة في رقبته ولقد أنتهي من كل شي في دولة جنوب أفريقيا التي ذهب إليها وخلق أزمة كبيرة بين الحكومة والسلطة القضائية هناك بعد هروبه . بعد مرمتته لسمعة السودان وهو علي رأس الدولة . بصدور قرارا قضائياً من أحدي المحاكم يمنعه من الخروج من دولة جنوب أفريقيا إلي حين النظر في ملفه الإجرامي . وقضي ليلته مختبئا في فندق في أطراف المدينة وصباحاً ولي دبره خلستا عبر المطار المهجور في قاعدة كلوف العسكرية الخاص بتدريب جنود المظليين ‘ وعندما هبط في الخرطوم إحتفل مع مناصريه بهذا الهروب كنصر مبين تحقق من عند الله . والعذر لحكومة دولة جنوب أفريقيا التي تحترم السودان كدولة لها وزنها قبل وصول المشير الديوث إلي السلطة وقد لا يعلم البعض .كان صديق الحرية نيلسون مانديلا يجد بعض الدعم من السودان في طريق كفاحه الطويل ضد إقلية الابرتهايد هناك ومن هنا قد ينبع إحترام دولة جنوب أفريقيا لشعب السودان وليس النظام الذي هو أيضاً عنصريا ويقتل السكان من ذوي الشفاه الغليظة في الأصقاع المهمشة في الجنوب القديم والجديد ودارفور والنيل الأزرق وإلي هنا لا شك في دياثه هذا المشير ولكن سنأتي إلي خيابة الإمام الصادق المهدي – فمنذ إن عرفنا الأحزاب السياسية في البلاد وجدنا الوجوه التي ظلت تدور حول ماساتنا فكان الإمام الصادق أقدمهم وأبرزهم عرفناه يتحدث كثيراً في كل صغيرة وكبيرة ولم يفعل شيئاً ومع ذلك يقف ضد أي محاولة لتحقيق العدالة وتغيير النظام العنصري في الخرطوم
لقد انقلب عليه المشير الديوث وسرق منه السلطة الديمقراطية التي أمنه عليه الشعب السوداني بعد انتفاضتهم واسقاطهم لنظام الدكتاتور جعفري نميري في مارس- أبريل من العام 1985م
وقد تم تبليغه بأمر الإنقلاب قبل وقوعه بسته أشهر من قبل جهاز المخابرات وتجاهله وكان هناك الكثير من الكلام عن هذا الإنقلاب وحتي المواطنين العاديين كانوا يتهامسون به ولكن الإمام الصادق المهدي وكأنه ليس معنيا بأمر الحفاظ على الحكم الديمقراطي تجاهل كل التحذيرات وسخر من الجميع وعندما وقع الإنقلاب .ووضع في السجن أيقن ذلك بأن إنقلابا عسكرياً وقع ضد كرسيه وعندما أطلق سراحه فر إلي إريتريا وإنضم إلي التجمع الوطني الديموقراطي يومئذٍ وبعد أن ساهم في هدم وتشتيت التجمع . عاد إلي الخرطوم وبكل بساطة تصالح مع النظام طبعا بعد رد الأملاك الخاصة بعائله المهدي والتي صادرتها السلطة الإنقلابية وبعد إندلاع الثورة المسلحة في دارفور كان المتوقع هو وقوفه بقوة مع الشعب الثائر هناك ولكنه اثر الدفاع عن النظام رغم أن الآلاف من الدارفوريين كانوا يدينون بالولاء الأعمي لحزب الأمة ولعائلة المهدي والبعض يعبدهم حتي . لقد ضرب الإمام بكل ذلك علي أرض حائط دولارات النظام العنصري وفضل توظيف أبنائه علي الملايين من الشباب الذين يحومون حوله بحثاً عن بركاته ومدده من الخير الوهمي . وظل يساند النظام ولم يدين أي من جرائمه في دارفور. وفي العام 2008م بعد أن قامت حركة العدل والمساواة السودانية بنقل أنين المهمشين إلي قلب عاصمة البلاد . صرح الإمام الصادق من شاشة التلفاز قائلاً “لا نقبل بترويع الآمنين ” وطالب بإنزال أشد العقوبات ضد الأسري من قوات الحركة . وكان ذلك عملا مخزيا قام به الإمام
وبعد صدور أمرا بالقبض على المشير الديوث من قبل المحكمة الجنائية الدولية قال مقولته التاريخية ” لا نجر جلدنا في الشوك” فقلنا خيراً ولكنه زاده أكثر وفي ندوة له في القاهرة في أكتوبر من العام 2009م تحدث الإمام عن رفضه للمحاكمة المجرم البشير في الخارج وقال بأن علي المجتمع الدولي يجب عليه القبض على بوش وشارون أولاً .
وفي العام 2014م كرمه المشير المجرم بوسام . بعد جريمة قتل 280 من المتظاهرين السلميين في الخرطوم في سبتمبر من العام 2013م والسؤال هو هل سيقبل الإمام بذلك التكريم إذا كان أفراد عائلته من ضحايا مجزرة سبتمبر ؟!
وفي يونيو من العام 2015م رغم أنه مع قوي المقاومة الثورية ومع ذلك عندما تم منع المشير المجرم من الخروج من جنوب أفريقيا سارع الإمام الصادق المهدي بكتابة رسالة مطولة لحكومة جنوب أفريقيا ووقع في خطاب الرسالة بأنه آخر رئيس وزراء السودان مطالباً بعدم التعرض للبشير بحجة أن البلاد قد تقع في فوضي في حال ترحيله إلي لاهاي
ولقد ظل الإمام الصادق المهدي طوال الوقت يحذر من إندلاع الحرب الأهلية في السودان رغم أن الكل يدري بأن الحرب مشتعلة في السودان منذ بداية صافرة إستقلاله .
في الحقيقة الإمام الصادق من قبل سلم له سلطة ديمقراطية وفرط فيه في العام 1969م بعد إن قام بشق حزب الأمة القومي بإختلاقه لخلافات مع قيادات الحزب البارزين كالراحل محمد أحمد محجوب ووقته لم يبلغ الإمام من العمر ثلاثين عاما ولكن بإصراره الشديد علي تولي رئاسة الوزراء رغم صغر سنه الذي لا يسمح له بذلك ولكن تم تعديل دستور البلاد للسماح له ليكون رئيس وزراء وهو ما حدث فعلاً وبسبب قلة خبرته إنقلب عليه الجنرال جعفر نميري في مايو من العام 1969م . وأيضاً ولي دبره إلي الخارج وإنضم إلي الجبهة الوطنية التي أتخذت من ليبيا العقيد ملجا ً لها وغزت العاصمة الخرطوم ولكن فشلت العملية ومات كل أفرادها وعاد الإمام الصادق وتصالح مع نظام نميري ونسي من رمي بهم في المحرقة بكل بساطة كما فعل مع جيش الأمة في عهد النظام الحالي أيام التجمع الوطني – فهنا يتضح بأن الإمام خيابة ودياثه المشير وما يجمع الإثنين ليس الحاضر فقد ولكن التاريخ الذي لا يتجمل يذكرنا بأن جد المشير هرب وترك النساء والأطفال في يد الغزاة الأتراك ليرتكبوا جرائمهم الوحشية وقاموا بإغتصاب النساء في شمال البلاد لمدة ستة أشهر أو يزيد -فتلك كان موقفا مخزيا . فسيبقي الهروب هروبا لو كان من جنوب أفريقيا إلي السودان أو من السودان إلي إثيوبيا ونحن بعد أن نجد حكومة وطنية حقيقية سوف نطالب دولة تركيا بالتعويض أو الإعتذار رسمياً كما فعلت مع الأرمن وفي العام 1919م يذكرنا التاريخ بأن السيد عبدالرحمن المهدي قام بزيارة إلي بريطانيا لتهنئة الملك جورج لانتصاره في الحرب العالمية الأولى وفي هذه الزيارة حمل معه “سيف قديم” قاتل به الإمام المهدي مفجر الثورة المهدية وقام بإهداء السيف لملك بريطانيا جورج ولكنه رفضه وقال له – “لا يمكنني أن أخذ منك هذا السيف لأنه جزء من تاريخ شعبكم وقد يمثل للكثيرين منكم إلهاما لمقاومة الإعتداء علي وطنكم . لذا يجب أن تحتفظوا به في مكان جيد “
أنتهي!
ahmedwitsh2222@yahoo.com

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.