صحوة” موسى هلال -هل هي أسوأ كابوس يقض مضاجع الحكومة السودانية؟ “

تحولات الأوضاع الأمنية في دارفور: هذه الورقة هي الأولى في سلسلة أوراق تلقي الضوء على الأوضاع الأمنية في دارفور. بقية الأوراق، التي سيتم نشرها لاحقاً، ستتناول حروب دارفور القبلية وقوات الدعم السريع

: مقدمة

أصبح موسى هلال شوكة في خاصرة الحكومة السودانية بعد أن كان واحداً من أبرز قادة ميليشيات الجنجويد التي دعمت القوات المسلحة السودانية في حملة التطهير العرقي بدارفور في 2003/2004. وكانت العلاقة المتوترة أصلاً بين هلال والحكومة السودانية قد اتخذت منحى جديداً نحو الأسوأ عندما أمهل متحدث باسم “مجلس الصحوة الثوري السوداني”، الذي يتزعمه هلال، في 24 فبراير 2015 الحكومة السودانية حتى 10 مارس للاستجابة إلى المطالب السياسية للمجلس أو مواجهة عواقب، لم يحددها المتحدث، في حال عدم الاستجابة لهذه المطالب. سبق أن تم إعلان أكثر من مهلة مماثلة ولكن من دون أن تكون هنالك عواقب، وحدث ذلك في الغالب بسبب أن حكومة السودان درجت باستمرار على إبرام صفقات تهدف إلى تحاشي الدخول في مواجهة مع قوات موسى هلال. لكن “مجلس الصحوة الثوري السوداني” قام هذه المرة بتوجيه أتباعه بمقاطعة انتخابات 2015 وعرقلة قيامها في دارفور قبل الوقت المحدد لانقضاء المهلة. وإذا أخذنا في الاعتبار أهمية الانتخابات بالنسبة للآمال التي تعقدها الخرطوم في كسب بعض من الشرعية، فإن الحكومة و”مجلس الصحوة الثوري السوداني” كانا في طريقهما إلى صدام مرتقب لا يستطيع أي منهما تجنّبه بدون أن يفقد ماء وجهه

ومع اقتراب موعد المهلة المحدد في 10 مارس، أبدت حكومة السودان مجدداً رغبتها في التجاوب. فقد أبلغت المجلس بأنها بصدد إرسال فريق وساطة للقاء موسى هلال. كما أشارت تقارير إعلامية أيضاً إلى استعداد الحكومة لقبول مطالب “مجلس الصحوة الثوري السوداني” والعمل بها شريطة ألا يتدخل المجلس في الانتخابات. وقال متحدث باسم المجلس في وقت لاحق إنه سيسمح بإجراء الانتخابات وينتظر في الوقت نفسه تطبيق الحكومة للوعود التي قطعتها. وفي وقت لاحق أعلن هلال تأييده لترشيح البشير للرئاسة ودعا أتباعه إلى التصويت لحزب المؤتمر الوطني الحاكم. بل ووردت أنباء لم نتمكن من التحقق منها بان عناصر تابعة لموسى هلال سعت لاجبار بعض المواطنين العازفين عن المشاركة في سرف عمرة علي التصويت

أثار هذا التراجع الدراماتيكي الشكوك في مدى مصداقية موسى هلال ونواياه الحقيقية ومخاوف إزاء المدى الذي من المحتمل أن تذهب إليه الحكومة في احتواء طموحاته السياسية المتزايدة بدون التنازل عن السيطرة المطلقة على سياساتها في دارفور. ويبدو أن العلاقة بين الطرفين يحكمها ما اصطلح على وصفه بـ”شعرة معاوية”، حيث إذا شدّ واحد من الطرفين أرخى الطرف الآخر، وإذا أرخى طرف شدّ الطرف الآخر حتى لا تنقطع. وتدل الشواهد حتى الآن على أن موسى هلال أثبت في هذه اللعبة نوعاً من الحنكة تفوق حنكة حكومة السودان، إذ ظل يشد من جانبه في معظم الأحيان، ويحصل في كل مرة على مكاسب من الحكومة

تشير تكهنات وسائل الإعلام إلى أن الخيار الأفضل أمام حكومة السودان هو أن تتنازل لموسى هلال وأتباعه عن مواقع رئيسية في الحكومتين الفيدرالية والولائية، بما في ذلك منصب نائب الرئيس ومنصب حاكم ولاية شمال دارفور، الذي لم يخف هلال رغبته في الحصول عليه. كما أبلغت مصادر “المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً” بأن موسى هلال سيضغط باتجاه الحصول على منصب النائب الأول للرئيس من دارفور فضلاً عن ترشيح ثلاثة من حكام دارفور الخمسة ونائبين لهم. وفي لقاء أجرته معه في الآونة الأخيرة شمائل النور، الصحفية بجريدة “التيار”، قال هلال متسائلاً: “لماذا يكون خليفة البشير أما نافع علي نافع أو علي عثمان؟ لماذا لا يكون موسى هلال أو التجاني السيسي؟”. وأضاف هلال قائلاً إنه في الآونة الأخيرة بدأت تراوده أحلام حكم السودان لأول مرة. ويبدو أن هلال قد استخلص درساً من تقاربه مع دوائر السلطة في المركز مفاده أن “الحكومة لا تأبه بأي مطالب سياسية لا تسندها قوة عسكرية”، ويتضح ذلك في مواقف هلال الحالية المتمثلة في الإبقاء على خياره مفتوحاً بدون التعجل في الدخول في صدام مسلح مع الحكومة قبل أوانه

وفي مقابل التنازلات التي قدمتها لموسى هلال، تريد الحكومة منه أن يقوم بحل ميليشياته، التي يُقدَّر عدد مقاتليها بنحو 3000 رجل. ولعل الحكومة ترغب في دمج أفراد ميليشيات هلال في قوات الدعم السريع، التي تتكون أصلاً من مقاتلي الجنجويد السابقين. وهذا هو السيناريو التي يخشاه نشطاء جماعات حقوق الإنسان والسلام في السودان بسبب العواقب التي ستلقي بظلالها على النزاعات المستمرة والمتشابكة أصلاً في دارفور. يُضاف إلى ما سبق، إن حكومة السودان كانت قد استخدمت موسى هلال بالفعل على اعتبار انه يمثل ثقلاً موازياً لجماعات التمرد في دارفور، التي يُعتقد أن الغلبة فيها للمجموعات غير العربية، لذا فإن الحكومة تجد نفسها أكثر ميلاً لتقديم المزيد من التنازلات له حتى لا يتحول إلى الطرف الآخر

تحدث هذه التطورات في وقت يشارك فيه السودان في مفاوضات غاية في الأهمية مع كل من الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة بشأن مطالب الخرطوم بسحب قوات عملية حفظ السلام المشتركة في دارفور. ويحاول السودان الضغط باتجاه سحب هذه القوات على أساس مزاعم بأنه قد تمكن بالفعل من السيطرة على الوضع الأمني في دارفور، وهو ادعاء يتناقض مع الواقع الفعلي للوضع الأمني على الأرض حسبما جاء في تقارير البعثة المشتركة وتقارير لجنة خبراء الأمم المتحدة الخاصة بالسودان. ولعله من الحكمة أن ينظر كل من الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة في التعقيدات المتعددة والمتشابكة فيما يتعلق بالعوامل التي لا تزال تلعب دوراً في تهديد الأوضاع الأمنية للمدنيين في دارفور، بما في ذلك ظهور العديد من الأطراف المسلحة خلال السنوات القليلة السابقة في صورة ميليشيات قَبَلية جنّدتها وسلّحتها الحكومة السودانية وفقدت السيطرة عليها في أوقات لاحقة. كما أن الاقتتال بين هذه المجموعات والهجمات التي تشنها من حين إلى آخر على القوات الحكومية، مثلما هو الحال بالنسبة لـ”مجلس الصحوة الثوري السوداني”، بقيادة موسى هلال، وهذا واقع جديد يشكل في الوقت الراهن أكبر تهديد للأمن في ولايات دارفور الاتحادية الخمس

 

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.