حواء تتفوق على آدم في المشاركة الانتخابية بالسودان

صوت حملة ‘ارحل’ النسوية يتصاعد ويطالب الرئيس البشير بالرحيل باعتباره مارس تضليل الشعب وانتهاك حقوقه الإنسانية.
العرب محمد أبوالفضل
    
المرأة السودانية مارست حراكا كبيرا في جميع العمليات التي سبقت عملية الاقتراع
    
المراقب من بعيد أو قريب للانتخابات التي أجريت في السودان الأسبوع الماضي، قد لا تجذبه العملية برمتها، لأنها افتقدت المنافسة الحقيقية، على المستوى الرئاسي والبرلماني والولاياتي، لكن طوابير السودانيات وارتفاع نسبة مشاركتهن كانت مشهدا أكثر جاذبية من الانتخابات نفسها، التي بدت نتيجتها محسومة سلفا لصالح الرئيس عمر البشير وأعضاء حزب المؤتمر الوطني.

شواهد متعددة كشفت عن هذه الملاحظة، على الرغم من عدم توافر الأرقام الرسمية النهائية لحظة كتابة هذا التقرير، منها ما ذكرته رجاء حسين خليفة رئيسة الاتحاد العام للمرأة السودانية في تصريحات صحفية بعد بدء اليوم الأول للانتخابات يوم 13 أبريل الجاري، من أن أعداد النساء المقترعات أكبر من الرجال، وأنها لم تفاجأ بذلك، لأن المرأة السودانية، على حد قولها، مارست حراكا كبيرا في جميع العمليات التي سبقت عملية الاقتراع.

أرجعت دوائر نسوية كثيرة اتساع مشاركة المرأة في الحياة السياسية بالسودان إلى التشريعات والقوانين التي منحتها 25 بالمئة من مقاعد البرلمان والمجالس التشريعية الجديدة في جميع ولايات السودان (25 ولاية).

وأهم دليل على تفاعل المرأة السودانية، أنها شاركت في الانتخابات الرئاسية التي جرت أخيرا، حيث أقدمت على الترشح السيدة فاطمة عبدالمحمود (66 عاما) وهي أستاذة الطب والصحة العامة، وشغلت منصب وزيرة الصحة في السودان عام 1973، ومع أنها كانت تعلم مسبقا عدم فوزها، لكنها أرادت إثبات حق المرأة في الوصول لأعلى المناصب في البلاد.

وكان هناك 2815 امرأة مرشحة في جميع أنحاء البلاد، 1763 منهن للبرلمان القومي، والباقي للمناصب الانتخابية في الرئاسة والدوائر الجغرافية وغيرها.

    شغلت المرأة السودانية في البرلمان المنتهية ولايته 28 بالمئة من المقاعد، وبلغ عدد النساء البرلمانيات في الهيئات التشريعية في جميع أنحاء السودان أكثر من 300 امرأة، وهذا أكبر عدد في تاريخ السودان الحديث

يذكر أن النساء شغلن 16 بالمئة من أصل 450 مقعدا في المجلس الوطني (البرلمان) السابق، لكن القانون نص على تخصيص ربع مقاعد البرلمان الجديد للسيدات.

حتى مقاطعة غالبية أحزاب المعارضة في الانتخابات الأخيرة، لم تخل من دور العنصر النسائي، ففي الوقت الذي انطلقت فيه حملة نسائية اتخذت اسم “صوّت” شعارا لها لدعم الرئيس عمر البشير وحزب المؤتمر الوطني، تصاعد صوت حملة “ارحل” النسوية، وطالبن الرئيس البشير بالرحيل هو وحزبه، لأنه على حد قول بيانات الحملة “مارس تضليل الشعب وانتهاك حقوقه الإنسانية”.

واعتبرت القائمات على هذه الحملة أن نظام البشير “أكثر الأنظمة إذلالا للمرأة السودانية، بتعريضها للقسوة والاغتصاب والترمل”.

بينما رأى آخرون أن هذا النظام، بتوجهه الإسلامي، منح المرأة حقوقا لم تنلها من قبل، ولم يسع لتضييق الخناق عليها كما فعلت أنظمة سابقة (ديمقراطية).

هذه المسألة (الفرية) ردت عليها أصوات نسائية من مشارب سياسية مختلفة بالقول إن نظام البشير كان يتوقف عند زي المرأة، ولم يعبأ بحريتها الإنسانية، واستهدف خلال الفترة الماضية نساء كثيرات، بموجب قوانين جائرة.

شجون سودانية

المتابع للشأن السوداني يلفت انتباهه على الفور ارتفاع درجة “التسييس″ عند الرجل والمرأة على حد سواء، وربما يكون هذا البلد من أكثر البلدان العربية تناقضا، فهو في مقدمة الدول التي تسبح في بحر من الصراعات والحروب والنزاعات، وأيضا يتسم بدرجة عالية من التسامح والطيبة.

الأكثر غرابة أن معدلات الفقر والبطالة لا تختلف فيه عن غالبية الدول العربية الأخيرة ذات الموارد المحدودة، مع ذلك لم تكن في أي يوم حائلا أمام نساء ورجال السودان للتعلم والتثقف وزيادة المعرفة.

أذكر أن الدكتور حيدر إبراهيم علي مدير مركز الدراسات السودانية التقيته ذات مرة في القاهرة، وأكد لي أن المرأة السودانية، مع كل متاعب حياتها اليومية لا تغفل، نسبة عالية منهن، عن متابعة نشرات الأخبار عبر الإذاعة، فقد تكون إحداهن منخرطة في أعمال منزلها أو رعاية طفلها في منطقة نائية، غير أن المذياع لا يفارق سمعها، حيث تضبطه على إحدى المحطات العالمية لمتابعة آخر التطورات عبر نشرات الأخبار.
    
البشير لم يعبأ بحرية المرأة واستهدفها بموجب قوانين جائرة
    

هذه القصة تفسر أحد أهم أسرار حرص المرأة السودانية على المشاركة السياسية منذ فترة طويلة، فالانخراط في الأحزاب، سواء كانت في الحكم أو المعارضة، بدأ مبكرا وأجبر الحكومات المتعاقبة على الاعتراف بحقوق المرأة بصورة تقترب من دول متقدمة، وظلت عملية التمثيل النيابي مقيدة ببعض الضوابط، وهو ما حد من مساهمة كثيرات في الحياة البرلمانية مباشرة.

العام 1973 شهد لأول مرة تخصيص نسبة من المقاعد للمرأة، الأمر الذي ساهم في دفع النساء للمشاركة بفاعلية أكبر في الانتخابات البرلمانية، التي أجريت في العام التالي لهذا التعديل، حيث جرى تحديد دوائر خاصة للمرأة.

في ذلك الوقت كانت المنافسة قوية بين مرشحات اتحاد النساء في الدائرة الواحدة، لأن الانتخابات تمت بين النساء فقط، ومن حصلت منهن على أعلى الأصوات نالت مقعد البرلمان الخاص بالمرأة، ووزعت المقاعد توزيعا جغرافيا على مستوى المديريات، ولم تكن المسألة قاصرة على ذلك، بل كان لها نصيب من خلال الدوائر الجغرافية والفئوية والتعيين بحكم المنصب، بشكل أدى إلى دخول عدد آخر من السيدات البرلمان آنذاك، فضلا عن المشاركة على المستوى المحلي، أو ما يعرف ببرلمان المديريات.

تفوق مستمر

البيانات التي قدمتها درية أحمد محمد محمود الباحثة السودانية في دراستها عن المشاركة السياسية للمرأة السودانية، أكدت فيها أن انتخابات 1968 أشارت إلى تفوق المرأة على الرجل في التصويت، على الرغم من انخفاض نسبة التعليم وسط النساء آنذاك، وبالنظر إلى مشاركة المرأة في انتخابات 1996 لوحظ أن عدد المرشحات في الدوائر الجغرافية 13 مرشحة من بينهن 9 مرشحات من الولاية الشمالية، مرشحتان في ولاية الخرطوم ومرشحتان في ولاية الجزيرة ومرشحة واحدة لكل من ولاية سنار شمال وجنوب كردفان، وجنوب دارفور بنسبة 1.23 بالمئة مقارنة بنسبة 23 بالمئة في انتخابات عام 1986.

أما بالنسبة لمشاركة المرأة في الاقتراع في عام 1996 فقد تراوحت بين 30 بالمئة و60 بالمئة من النساء المسجلات وبلغ المتوسط العام نسبة 42.9 بالمئة من النساء المسجلات، وقد أشارت التقارير الخاصة بتقييم تلك الانتخابات إلى أن ضعف النسبة يرجع جزئيا إلى التقاليد في مناطق السودان التي تعوق مشاركة المرأة السودانية.

لم تتوقف مشاركة المرأة في الانتخابات السودانية، وكانت على الدوام رهينة بمدى الانفتاح السياسي والحضاري الذي يبديه النظام الحاكم، وقدرته على استيعاب المرأة والفهم الصحيح لطبيعة دورها، وأخذت نسب المشاركة في الحياة السياسية عموما، والانتخابات خصوصا تصعد وتهبط، وفقا لترمومتر العلاقة بين الحكومة والمعارضة الحية، وحسب قدرة المرأة على الحشد السياسي لتأكيد دورها وجذب المزيد من المكاسب.

في انتخابات عام 2008 تم ولأول مرة منح المرأة الحق في دوائر خاصة، دون أن ينقص حقها في الدوائر العامة وذلك بتخصيص 25 بالمئة من المقاعد التشريعية للمرأة (‏6) مما عظم دور المرأة في الانتخابات التالية (2010)، وقد سجلت الدوائر الرسمية نسبة عالية من التصويت بلغت حوالي 60 بالمئة من عدد المسجلين، بينما ارتفعت عموما نسبة المشاركة في الإدلاء بالأصوات لتبلغ حوالي 70 بالمئة من العدد المسجل من النساء.
    
درية أحمد محمد محمود: المرأة السودانية لم تستوف بعد حقوقها، وعليها أن تسعى إلى تعميق تلك المشاركة في جميع مناحي الحياة
    

الحاصل أن المرأة السودانية منذ فجر الاستقلال ظلت فاعلة ومؤثرة في العملية الانتخابية، حيث نالت حقها في التصويت عام 1954 تلاه حقها في الترشح عام 1965، وكانت فاطمة أحمد إبراهيم أول سيدة سودانية تنتخب وتدخل البرلمان، هكذا تمكنت المرأة من نيل جزء كبير من المكانة التي تستحقها في قلب الحياة السياسية في السودان.

شهدت العقود الأخيرة اعترافا متزايدا بالدور الهام الذي تضطلع به المرأة في المجتمع، وانعكس هذا الاهتمام في نشاطات الأمم المتحدة، ودعا المجلس الاقتصادي الاجتماعي في قراره 15/1990 إلى مشاركة المرأة في هياكل السلطة ومواقع صنع القرار بنسبة 30 بالمئة والعمل على تعبئة المجتمع رجالا ونساء وتوعيته للقيام بتغيير المواقف المجتمعية السلبية المتحيزة ضد المرأة ودورها في صنع القرار وتبني آليات وإجراءات تمكنها من إنجاز ذلك.

سيدات وبرلمانيات

حسب بيانات دراسة درية محمود، شغلت المرأة السودانية في البرلمان المنتهية ولايته 28 بالمئة من المقاعد، وبلغ عدد النساء البرلمانيات في الهيئات التشريعية في جميع أنحاء السودان أكثر من 300 امرأة، وهذا أكبر عدد في تاريخ السودان الحديث، وتقلدت المرأة مهام قيادية داخل البرلمان في رئاسة اللجان والحضور الفاعل داخل وخارج القطر.

وحازت المرأة على رئاسة 5 لجان من جملة 20 لجنة في تشكيلة المجلس الوطني الحالي، وهي التشريع والعدل، دكتورة بدرية سليمان (المؤتمر الوطني)، لجنة الشئون الاقتصادية جيما نون كومبا (الحركة الشعبية)، مروة جكنون لجنة شؤون الأسرة والمرأة والطفل (الحركة الشعبية)، مارغريت صؤميل أرؤب الصحة والسكان (الحركة الشعبية)، بريسلا جوزيف حقوق الإنسان (الحركة الشعبية).

وأكدت الباحثة درية محمد محمود في تصريح خاص لـ”العرب” أن المرأة تلعب دورا ظاهرا في الحياة السياسية في السودان، ودرجت على التفاعل منذ زمن طويل في الانتخابات السودانية، والمشاركة في جميع مراحلها مرشحة ومصوتة ومراقبة، وهناك حالة من الرضا لدى نسبة كبيرة لما وصل إليه وضع المرأة السودانية، خاصة عند مقارنتها بالمرأة العربية عموما، مشيرة إلى أن ما حصلن عليه بجهدهن ونضالهن ليس كافيا بعد، وأن القوانين لا تزال جائرة على المرأة.

مع أن وضعية المرأة في السودان تبدو متقدمة سياسيا، مقارنة بكثير من دول العالم الثالث، إلا أنها تعاني في الريف، ولا تحصل على حقها، وقد تكون هذه المسألة مفهومة، إذا عرفنا أن الرجل نفسه في الريف منقوص الحقوق، ومع ذلك واعية بمشاكل الوطن وهمومه، حتى لو كانت هناك فجوات في أوضاع النساء ومشاركتهن على مستوى الحكومة، وعلى مستوى التعليم.

واعترفت الدكتورة درية محمود أن المرأة السودانية لم تستوف بعد حقوقها، لكنها في هذه المرحلة وصلت إلى مشاركة معقولة على مستوى الانتخابات، وعليها أن تسعى إلى تعميق تلك المشاركة في جميع مناحي الحياة.

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.