الفيتوري عاشق أفريقيا يترجل عن حصان الرحلة بعيدا عن السودان

شاعر العروبة عاش حياته باحثاً عن حريته، وحمل انكساره معه دون أن يفقد أمله في أن الشعر وحده يحرّر الإنسان.
العرب إبراهيم الجبين

‘قلبي على وطني’

أكثر المقاطع الشعرية انتشاراً لمحمد الفيتوري بين الجيل العربي الذي عاصر مجمل أحداث النصف الثاني من القرن العشرين، كان إيقاعاً زاهداً بالزمان والمكان، وكانت كلماته تصيب السودانيين والليبيين والعراقيين والسوريين والفلسطينيين معاً تلك التي قالها في رثاء المعارض السوداني عبدالخالق محجوب الذي تم إعدامه لقتل الحراك المدني حينها “قتلوني، وأنكرني قاتلي، وهو يلتف بردان في كفني، وأنا من سوى رجلٍ واقفٍ خارج الزمن؟ كلما زيفوا بطلاً قلتُ قلبي على وطني”.
خارج الزمن، اختار الشاعر السوداني محمد الفيتوري أن يعيش، وخارج بلاده، يختار اليوم أن تكون نهايته، نائياً عن أم درمان التي غنّى لها طيلة حياته “كان اسمها أم درمان، كان اسمها الثورة وكان العرس عرس الشمال، كان جنوبيا هواها، وكانت ساعة النصر اكتمال الهلال، فدا لك العمر، ولولا الأسى لقلت تفديك الليالي الطوال”.

عن 85 عاماً توفي الفيتوري في مستشفى الشيخ زايد في الرباط، بعد أن أسهم في صنع الحداثة الشعرية العربية، وحمل لقب “شاعر أفريقيا والعروبة”، فكان بشعره طريقاً واسعةً بقيت تربط القارة السوداء بالمشرق العربي وثقافته، مشاركاً في ما أسس له السياب والبياتي ونازك الملائكة، وما ارتفع به نزار قباني ومحمود درويش والجمهرة الشعرية التي حملت الثقافة العربية عبر تجديد الشعر ونقله من قالب العمود، إلى هندسة التفعيلة وصولا إلى فضاء قصيدة النثر عند الأجيال التي أتت لاحقاً.

ديوانه” أغاني أفريقيا” الذي أصدره في العام 1955 كان إعلانه الأول، عن رفض جملة من التحديات الإنسانية التي واجهت إنسان تلك اللحظة “يا أخي في الشرق، في كل سكن، يا أخي في الأرض، في كل وطن، أنا أدعوك، فهل تعرفني؟ يا أخا أعرفه رغم المحن، إنني مزقت أكفان الدجى، إنني هدمت جدران الوهن، لم أعد مقبرة تحكي البلى، لم أعد ساقية تبكي الدمن، لم أعد عبد قيودي، لم أعد عبد ماض هرم عبد وثن”.

فكانت نداءات الفيتوري صوتا بين أصوات ربطت الهوية العربية المتقدمة بقوة حينها، دامجة إياها بقضايا كثيرة مثل تحرير العبيد، والنضال ضد العنصرية الذي كان في أوجه في تلك الفترة بحرب مارتن لوثر كينغ السلمية ضد العنصرية البيضاء، وكان على رأس تلك القضايا قضية فلسطين التي حضرت بقوة في شعر الفيتوري الذي لم ينس نبرة الصوفيّ في قصائده، ولم يسمح لغنائية العربي أن تغيب عن نصوصه.

ولد الفيتوري في 1936 غرب دارفور في أسرة صوفية شاذلية، وغادر إلى الإسكندرية، التي حفظ فيها القرآن لينتقل إلى القاهرة متابعاً دراسته في الأزهر، وبعد تخرجه عمل في الصحافة المصرية والسودانية، ومستشاراً في الجامعة العربية، ورغم التضاريس الصعبة في حياته، بين المنفى والتشرّد، إلا أنه استمر في أغانيه الأفريقية كتاباً إثر كتاب، “أذكريني يا أفريقيا 1956” و”عاشق من أفريقيا 1964”، وحتى كتابه الأخير “عريانا يرقص في الشمس ـ 2005”، مروراً بأعمال مسرحية تناولت سيرة يوسف بن تاشفين، وعمر المختار.

دفعه نظام جعفر النميري إلى الخروج من السودان لاجئاً إلى ليبيا، وسحب منه الجنسية السودانية، ولكن ليبيا منحته جنسيتها، وتم تعيينه سفيراً في بيروت، ولم يعد إلى السودان إلا بعد إسقاط النميري في 1985، ولكن مأساة الفيتوري لم تنته، فبعد انهيار نظام القذافي، سحبت منه السلطات الجديدة جواز السفر الليبي، فغادر مجدداً إلى المغرب، ليعيش في ضاحية سيدي العابد، جنوب الرباط، حينها قررت الخرطوم إعادة جواز سفره إليه. عاش حياته باحثاً عن حريته، وحمل انكساره معه دون أن يفقد أمله في أن الشعر وحده يحرّر الإنسان.

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.