السودان… رئيس انقلابي ينتخب نفسه

محجوب حسين
March 22, 2015

يبدو أن المأساة السودانية سوف تستمر كثيرا بدون أن يعقلها أحد، فشلت فيها أدوات التنظير والتحليل واستعمال المناهج، سواء تلك التي اعتمدت على واقع معطيات الأزمة السودانية، أو التي استندت إلى تراكم الرصيد المعرفي الإنساني المماثل أو المشابه لظاهرة المأساة التي يقودها الرئيس السوداني في حق نفسه وحق الآخرين من أبناء الشعب السوداني.
وما عاد حتى منطق للافتراضات أو الاحتمالات أو دراسات الاستشراف المستقبلية لتحليل ظاهرته. الراهن السياسي لتفاصيل الأزمة بات واضحا، فيه حسم الرئيس السوداني خياراته في انتظار أن يحسم الآخرون خياراتهم. يقول إنه «ذاهب بأهل السودان إلى الجنة» التي تساوي الآخرة مقابل الدنيا، والتي تفتحت له أبوابها فجأة، إن كان في الأحلام أو في حالة من الجنون، الذي في حالته هذه لا أحد بإمكانه أن يوقف طريقه إليها. اختار «الشجرة»، رمزا لبرنامجه الانتخابي القائم في العبور إلى الجنة، ويريد من خلالها عكس دلالاته الرمزية في رسائل سياسية تعتمد على المعاني التي تحملها الشجرة رغم الزيف. والمفارقة في هذه الظاهرة، أنه لم يرشحه أحد في إرادة حرة، كما أن المؤكد لن ينتخبه أحد في حرية تُعطي حُسن الاختيار، ومع ذلك سوف يعلن فوزه على نفسه في ديمومة حكمه، التي اقتربت من الثلاثين عاما، أمام الملأ وبالنسبة التي يريدها، ولفائدة إخراجه سوف تعمل ماكينات تزوير الإرادة والحقيقة وعمال حدائقه وجنائنه في كافوري- أو بالأحرى جنته- الذين يتولون ويقودون حملة تزوير بقائه، إعلان نسبة معقولة حسبما تعتقد الذات السياسية في حد بلاهتها، لأجل المصداقية الدولية. والغريب لا ينافس الرئيس السوداني الذي هو باق في الرئاسة والحكم، إن عبر عملية انتخابية باطلة أو دونها أي أحد.. لا أحد، غير الشيطان لأنه غير مرئي وسوف يفوز على الشيطان رغم لؤم الشيطان والأساطير التي ارتبطت في المخيلة الاجتماعية بالشيطان نفسه.
هكذا سجلت وقائع مسلسل تجديد صناعة الديكتاتورية السودانية لنفسها بين قطاعات عريضة من الشعب السوداني محطة مهمة للسخرية والضحك واللامبالاة، نشطت فيها النكات والتسلية وأعمال الفيديوشوب، بشكل غير مسبوق، ومن لدن جيل ولد وتربي ونشأ وتكون في مناهــــج زمن حكم الإنقــــاذ، وجميعها ركزت موضوعاتها حول شخص الرئيس، وعلى سبيل المثال لا الحصر، نجد من الأعمال التي وجدت انتشارا، صورا لأطفال يرشحون أنفسهم للانتخابات وممسكين لافتات انتخـــابية مكتوبا عليها برامجهم المستقاة من أدبيات الحكم، أو حتى تفسير لواقع سياسيات الحكم، فمنهم من كتب «الفساد والسرقة والسفر إلى ماليزيا»، في إشارة إلى الأموال العامة المنهـــوبة والموضوعة هناك، وآخر كتب أن برنامجه الدخول بالشـــعب السوداني إلى النار، طبعا في مقابل جنة البشير، وثالث يقول «الحــــرب والقــتل والتعذيب» ورابع « المجاعة وألحسوا كوعكم يا شذاذ الآفاق»… إلخ، هذه التعليقات الواردة في وسائل التواصل الاجتماعي، يبدو أنها أحدثت أثرا نفسيا عميقا لدى الرئيس السوداني لماهية استفزازيتها العالية، وهو الشيء الذي دفع بالرئيس نفسه إلى التصريح بقوله «لولا الواتساب لانفجر» في محاولة منه لامتصاص الموقف الوطني الرافض لحكمه.
وأمام هذه السرقة السياسية الموصوفة لإرادة الشعب السوداني من طرف دهاقنة، محترفي النجاسة السياسية القائمين على مفاصل السيطرة في السودان، طالب العديد من الكتاب والباحثين والصحافيين والوطنيين، وحتى شخصيات من داخل حزب الرئيس، الرئيس بوقف هذا العبث، وأن أزمة البلاد ليست في الانتخابات، الأزمة السودانية تجاوزت الممكن والمستحيل والمعقول وتجاوزتك أنت بالتحديد وكذا شرعنة نظامك وبآفة الإسلام السياسي في الحكم، كما أنك لا تحتاج، إن أردت أن تمضي بصنم ديكتاتوريتك للنهاية إلى انتخابات، ينبغي أن توفر هذه الأموال لسد عوز الشعب المعدم، يكفي فقط برلمانك المملوك ملكية تصرف وانتفاع أن يمدد لك أي فترة تريدها سنة، سنتين، عشر، أما المبررات وكيفية صناعتها فهناك من أهل الخبرة، من هم رهن الإشارة، بدءا من أنك الرئيس الأنسب ورجل المرحلة الوطنية، أو بعبارة أخرى المصلحة الوطنية والأمن الوطني تقتضي أن تستمر إلى الأبد، أو حتى أنك مبعوث من السماء للدخول بالشعب السوداني إلى الجنة، أو جنان كافور، حيث محل السلطة والثروة والأمن وتدوير الشعب. أما في الجانب المقابل، وفي ظل غياب استراتيجية دولية أو إقليمية واضحة المعالم والرؤى في التعاطي مع نظام حكم البشير، إلا أنها تنصحه بعدم المضي في لعبته، مع العلم أن مراكز القرار العالمي تحركها طبيعة رهاناتها ومصالحها المتناقضة والمختلفة، بل تبدو في أحايين مؤيدة بقاء البشير في السلطة تحت رزنامة مبررات، أهمها أن سقوط النظام بالقوة قد يؤدي إلى بروز قوة مضادة من السلطة المنهارة وبتضاد بين القوتين قد تسقط الدولة السودانية، ومن ثم القوى الدولية ليست على استعداد لتقبل تداعيات دولة فاشلة جديدة في هذه المنطقة، بجانب دولة فاشلة أخري هي ليبيا وأخرى محاذية في اليمن ودولة أخرى ناشئة تعيش صعوبات هي دولة جنوب السودان، وأثر ذلك على منطقة الفــــراغ الأمني في الصحراء الكبرى، بدءا من موريتـــانيا إلى دارفـــور، مع بروز نشاط واسع لجماعات إرهابية واسعة النطاق، في هذا الشريط الصحراوي الذي يصعب السيطرة عليه جيوبوليتكيا، لذلك تسعى هذه القوى وخلف مجموعة آليات أفريقية وأممــــية سُلمت مفاتحيها إلى رئيس جنوب أفريقيا السابق ثابومبيكي في التقرير في الشأن السوداني والتأسيس لحوار وطني سوداني يسمح بتسوية سياسية للأزمة السودانية، ومن ثم تطويع النظام قصد تفكيك مرن أو ناعم للسلطة التي يترأسها البشير.
إذن الخيار السياسي الحصري المطروح الآن في محطة الأزمة هو الحوار السياسي مع النظام، للوصول إلى تسوية سياسية عبر تقنية التفاوض، في هذا الحوار المرتقب، سواء جاء في مرحلته التحضيرية أو النهائية، هو حوار يديره الحكم وبيد البشير الفائز على نفسه، أو الذي لم يُفز، جوهره الاستيعاب تحت مسمى الشراكة الوطنية، لا يسمح بتفكيك نظامه ولا حتى بتغيير هيكلي محدود ناهيك عن حل جذري للأزمة السودانية، وبالتالي ما يجري الترتيب له خلال الأسابيع المقبلة من حوار تحضيري في العاصمة الإثيوبية نتائجه معروفة مسبقا، فيه الرئيس لا يقدم أي تنازل، لاسيما حول شرط المعارضة بوقف عملية الانتخابات، وبالتالي تبقي حقيقة أن صانع الأزمة هو الذي يدير ويتحكم في حل الأزمة، وبالطريقة التي يريدها، أما المعارضة السياسية أو العسكرية فقد لا تنجز شيئا غير تعرية النظام أمام المجتمع الدولي ومطالبة المجتمع الدولي باتخاذ خطوات فعالة للضغط على الرئيس السوداني قصد تقديم تنازلات، وهو الطلب الذي يخضع لتناقضات المصالح الدولية.
كل هذا يتطلب من الشعب السوداني البحث عن طريق ثالث، حددته المعارضة بالطريق إلى الانتفاضة، ولكن حتى الآن ليس هناك شيء ملموس ومؤثر يلوح في الأفق، رغم توافـــر شــــرط الزمان والمكان والمادي والتغطـــية السياسية الوطنية الكاملـــة للتغيير في البلاد، في ظرف وتاريخ مناسبين، وقلما توفرت مؤشراته في السابق في أن يتمكن الشعب السوداني من إسقاط الديكتاتورية يوم إعلان فوزها على نفسها والشيطان.
ومع ما تقدم يجب أن تكون قوى المعارضة والشعب وجميع القوي الوطنية الديمقراطية جاهزة وفي حالة طوارئ دائمة، لاستعمال أدواتها الأخرى أو تقبل تلك الأدوات لقطع الطريق للدخول إلى جنة الرئيس، الذي كان عليه أن يستفتي الشعب السوداني بين جنته المزعومة أو النار، حتما سوف يختار الشعب السوداني النار لأنها أفضل من جنته.

٭ كاتب سوداني مقيم في لندن

محجوب حسين

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار, أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.