الدولة السودانية .. سيناريوهات الفوضي و التفكك !!

بقلم : أحمد ويتشـــي
ahmedwitsh2222@yahoo.com
تمر الدولة السودانية بمرحلة سماها بعض العريفين بالحرجة وبعض المنظرين بالمفصلية أما المحللين سموها بنهاية دولة الابرتهايد السوداني . بعد أعلان الرئيس البشير بأن لا تراجع عن إجراء الإنتخابات المقبلة في موعدها في أبريل المقبل دون أي ( لكلكه )! أو (قلة أدب)! وتهديده للمعارضين له بويل والثبور وقطع أيادي وارجل و السن من يحاول العبث بالإنتخابات المعروفة النتائج سلفاً مع إستمرارية التطهير العرقي والإبادة الجماعية في دارفور وجنوب كردفان والنيل الازرق . الأمر الذي وضع الدولة السودانية أمام خيارين لا ثالث لهما الفوضي أو التفكك  طبعاً من خلال تصريحات قيادات المؤتمر الوطني يمكنك التأكد بأن فرص الحوار الشفاف الذي يؤدي الي الهبوط الناعم والمصالحة الشاملة تبدو منعدمة تماماً وشبه مستحيلة
وكل هذه الكوارث التي يقاسيها الدولة السودانية قد أتت نتيجة للوثوب من دفع إستحقاقات فاتورة المواطنة الحقيقية .مع التكاسل المتعمد في إزالة مخلفات سياسة الفرق تسد الإستعمارية وبل تمت تعميقها وتطبيقها بحزافيرها والتي أدت إلي فقدان ثلث مساحة السودان بشعبه من المحاربين الأشاوس أحفاد رماة الحدق الذين كان بإمكانهم الوقوف عقبة الكؤؤد أمام الأطماع الخارجية في أراضي السودان الذي يتربص به جيرانه في أيامنا الرمادية هذه . وعندما نقول سيناريوهات الفوضي والتفكك نعني بها الفوضي الشاملة اللا نظام في الدولة بكل أركانها رفضاً لاستمرار الجرائم التاريخية التي إرتكبت بحق الأغلبية الصامدة علي مدار نصف قرن و أشدها في ال25 سنة الاخيرة التي وصلت لمرحلة الإبادة الجماعية حيث ابيد نحو 4 ملايين من جنوب السودان نتيجة للحرب العنصرية الذي جري تحت رايات الجهاد والوطنية  وقرابة المليون في دارفور بعد ثورة شعب مسلحة  نصف مليون في جنوب كردفان ونصف مليون آخر في النيل الأزرق  مما يتضح جلياً بأن المشكلة ليس في مجرد نظام سياسي دكتاتوري فاسد يجب إزالته . ففي تقديري المشكلة في تركيبة الحكم والعقلية الفاسدة التي أدارت الدولة منذ إستقلالها المزعوم والتي من إفرازاتها السالبة التحاق أمثال الرئيس البشير بمؤسسة الجيش السوداني العنصري .
لانه بالكاد تجد صاحب قرار داخل المؤسسة العسكرية أحد من أولائك “الغلاظ الشفاه ” القادمون من الأصقاع وحتي الذين تم استعابهم قد تم بعد استلابهم بأوهام الربط بنسب العباس وهم مجرد خدم ليس إلا لأنهم في الأصل لا علاقة لهم لا بعباس ولا بأبي لهب ‘ طبعاً لا نريد تخزيل المشكلة السودانية في المؤسسة العسكرية فقط ولكن تجدر الإشارة إلى أنها كانت أحدي أهم أدوات القهر الإجتماعي لإعادة إنتاج الكثيرون وهي من الأسباب الرئيسية التي ستؤدي بالدولة الي الفوضي والتفكك وهناك أسباب أخرى نذكرها ومن ثم نواصل في مقالنا الأسبوعي الطويل
أولا : منذ ما قبل إستقلال السودان تعاون عملاء الإستعمار مع الحكم الإستعماري ووقفوا ضد ثورة اللواء الابيض علي أساس عنصري ودقوا آسفين التماسك الاجتماعي وخانوا العهد وتامروا في إغتيال و إعتقال ونفي أعظم القيادات الحاملة لفكرة النهوض بالأمة السودانية كالشهداء علي عبداللطيف وعبدالفضيل الماظ وزين العابدين عبدالتام ورفاقهم الميامين عليهم السلام
ثانياً : استقل السودان برؤية أحادية كرست للظلم الإجتماعي والاستعلاء العرقي وفرض الثقافة الاسلاموعروبية القائمة استحقار الشديد للثقافات واللغات الأصيلة وعدم إحترام الأديان والمعتقدات الأخرى ( رسمت صورة نمطية في أذهان الكثيرون بأن المسؤول الحكومي الكبير يجب أن يكون من ثقافة وعرق وديانة محددة )!
ثالثاً : الإصرار علي التمسك بتابيب السلطة بكل تفاصيلها الإعلام والإقتصاد والعسكرية والسلك الدبلوماسي وحتي إدارة مشاريع النظافة. بالاضافة الي جعل رئيس الدولة بشرط من النخبة المركزية الخرطومية الشمالية مهما كلفت الدولة حيث رهنت مصالح الأمة العليا تحت أقدام هؤلاء النخبة فضاعت كل الآمال العريضة وأجهضت مشروع السودان للجميع
رابعاً : الجيش السوداني العنصري الذي لم يحدث له قود أي معركة خارجية منذ تكوينه قبل تسعة عقود أي في العام 1925م حيث ظل يقتل في أبناء الشعب الصامد وأول معركة خارجية له كانت في منطقة هجليج (فانطاو)! المتنازع عليها والتي تاريخياً تابعة لجمهورية جنوب السودان وهزم فيها الجيش السوداني هزيمة تاريخية نكراء لم يترك خلفه إلا غبارا كثيفا
خامساً : تكونت في الدولة السودانية أكثر من 280 حزب سياسي بخلاف منظمات المجتمع المدني الأخري
حيث كل رؤسائه من النخبة المركزية الخرطومية ومازالوا علي عهدهم ‘ أحزاب يمينية ويسارية فاقدة لأي مشروع وطني يجمع الشعب السوداني بل هي ذاتها لعبت إدارا سلبية في بث الفرقة والشتات لأنها أحزاب فاشلة استوردت أفكارها من وراء الحدود  سادساً : التامر علي إغتيال الدكتورين الشهيدين قرنق وخليل عليهما السلام وهما من أبرز الزعماء الوطنيين ما بعد ابطال ثورة اللواء الأبيض
سابعاً : دفع أبناء الهامش العريض فواتير باهظة الثمن في سعيهم نحو تحقيق دولة المواطنة من أجل الوحدة الطوعية وقد جربوا كل السبل سلما وحربا ولكن لا حياة لمن تنادي حيث تم تبخيس تضحياتهم ووصفت بأنها أعمال تخريبية والعمالة للغرب والصهيونية
بهذا نتأكد بأن الدولة السودانية حاملة لبذرة الفناء في داخلها وقد تم سقي البذرة إلي أن نبتت ثم أصبحت شجرة شربت من دماء الشعب الصامد في الهامش العريض  وصارت شجرة خبيثة سامة سمية بشجرة الزقوم والتي تتجسد في شجرة المؤتمر الوطني الحاكم الذي رئيسه مطلوب القبض عليه من المحكمة الجنائية الدولية بتهم جرائم إبادة جماعية هذه الشجرة هي تلك البذرة المزروعة منذ الخمسينيات ونبتت ثم كبرت وصارت كما هي عليها ليستظل تحتها فطاحلة الإجرام ومقاولي الإبادة الجماعية  بعد هذه المقدمة والاستعراض حول حقائق التاريخ والحاضر وقراءات المستقبل والتي تبين حتمية الفوضي في الدولة السودانية والتفكك من نوع آخر . بالطبع انا لا أتمنى حدوث ذلك و لكن الوقائع تقول بأن الصبر قد ينفذ لطالما المئات من المدنيين يقتلون بسلاح الرعب وقاذفات القنابل ليلاً ونهاراً دون اي ردود افعال من بقية الأقاليم التي لم تششم رائحه البارود وفبالتالي في ظل انسداد الآفاق أمام أي عملية سلمية أعتقد بأن الفوضي ستندلع والتفكك سيحدث  وعندما يقع الواقعة يمكن لبعض الأقاليم أن تطلب الإنفصال مثلاً اذا كان الشمال النيلي متضايق من وجود الهامش السوداني يجب إعطائه حقه في تقرير مصيره لأن هذا حق أصيل كفله له المواثيق الدولية لحقوق الإنسان والشمال حدوده معروفة وكذلك إذا الخرطوم أرادت حق تقرير المصير فعليها وكذا الحال مع غرب الذي حدوده يبداء من كبري النيل الابيض في أمدرمان وتمد الي أقاصي حدود دولة تشاد وهذا سيحدث دون التطرق الي إستخدام الدبابات والمدفعية في شوارع العاصمة الخرطوم وهو الأمر الأكثر ترجيحا لأن الوضع الآن كالآتي . في القريب العاجل
أولا : زعيم مليشيات الجنجويد والمرتزقة موسي هلال
قام بتسليح قواته بشكلٍ ممتاز جدآ بعد عمليات ابتزاز مارسه ضد زعيمه عمر البشير وقد تسلح موسي هلال بعدد لا تحصي من السيارات والعتاد الحربي والأسلحة بمختلف أنواعها
وقد طلب عدد 15 الف نمرة عسكرية ومنصب وزير الدفاع وهدد بنسف العملية الإنتخابية أن لم يستجاب لطلباته
ووعده ابراهيم غندور مندوب الرئيس البشير بتنفيذ مطالبه وحسب ما سمعنا بأن تم تصبيره بمبلغ ضخم في الأيام الماضية لتهديته الي حين مرور الإنتخابات ومن ثم النظر في مطالبه كلياً
فشخص مثل موسي هلال هو بلاء حقيقي لانه لا يعرف عن الحلول الذكية والمصالحة وهندسة عمليات الكوديسا لأن كل همه هو أن يجعل من نفسه حاكم وهو حق أصيل واتمني له التوفيق في سعيه ولكن ليس بطريقته الحالية
ثانيا : هناك الجبهة الثورية المكونة من تنظيمات مسلحة وسياسية تبدو أنها الأمل لأنها علي الأقل عندما تأتي لمقاومة النظام في الخرطوم بالطبع يمكنها سحب كل جنود الجيش السوداني وضمهم إليها وقادرة علي إدارة الأزمة في حال وقوع الفوضي والتي بالتأكيد واقع. مما يعني بأن لا مكان بعد اليوم للذين من الأبراج العالية فتلوا الحبال لأهل الهامش ليشنقوا لأكثر من نصف قرن
وفي حالات أخري يمكننا قراءة الوضع كالآتي
تقع الفوضي ويتدخل دولة المصرية وتقوم بابتلاع الشمال النيلي
بالقوة وطبعاً يتم معاملة الشماليين كزنوج علي الرغم من رفضهم أن يكونوا زنوجا ودمروا السودان لهذه الأسباب
اما شرق السودان الفقيرة سوف تتقاسمها دولتي اريتريا وإثيوبيا
ووقتها حرب العصابات ماتزال مشتعلة في شوارع الخرطوم والساحة ستبقي صافية لأصحاب الدانات والار بي جي
والاشياء المفترض يجب ان لا نصلها من البداية
ووصلناها نتيحة لتعمد المستعمرون الجدد في تقديم تنازلات من اجل الحفاظ الارض كما فعل المستعمرون الأذكياء في جنوب أفريقيا
أو حتي الولايات المتحدة الأمريكية لأن الخواجة “مفتح ” ويريد الحفاظ علي السلام إلاجتماعي ورقي بلاده وتقدمه والاستفادة من تنوعه تقبل أن يحكمه حفيد العبيد السابقين
وهو أمر لم يتوقعه أحد وكان لن يصعب علي “الخواجة ” المماطلة والمراوغة في تقديم تنازلات في ظل سيطرة العائلات الانجلوسكسونية علي مقاليد السياسة و العسكرية والإقتصاد وكل شي .
وعندما تري الأشجار تسير من غرب السودان الي نحو الخرطوم
تأكد بأن تدبير السياسة قد أنتهت
وتاكد أيضاً أن هذه الأشجار لن توقفها القطع أو القلع ب”الكراكات “

قف تأمل !

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.