دعوة للمفاكرة حول قضايا التغيير والتحول الديمقراطي

دعوة للمفاكرة حول قضايا التغيير والتحول الديمقراطي

نجم الدين موسى
عند الحديث حول قضايا التغيير والتحول الى نظام تعددى ديمقراطي، فعادة ما يحمل الشعار الديمقراطي فى خطابنا السياسي ثلاثة محمولات تتراوح ما بين العودة الي الديمقراطية أو التحول الديمقراطي وأحيانا التحول الديمقراطي الكامل. بصرف النظر عن سقف طموح الشعار الديمقراطي والفروق التى تستوى عليها هذه المدلولات الثلاث فى المعنى والدلالة – ولسنا هنا بصدد استكناه هذه الفروق – فالتجربة الديمقراطية تتطور بالممارسة والإرادة. ولكن وحرصا منا علي انجاح التجربة الديمقراطية القادمة رأينا طرح بعض الاسئلة والاستفهامات وانتظار البحث لها عن اجابة من خلال حوارات شاملة تنتظم كل ساحات الفكر والنقاش وسط مختلف قطاعات الشعب السوداني. ولا نطرح هنا نسقا او منظومة كاملة من الافكار والآليات لإنجاح هذه التجربة ولا ينبغى لنا ذلك، بل نكتفي بالإشارة اليها فقط.
هل نعنى بالتحول الديمقراطي في حده الادنى، تحول كامل وحقيقي فى الفكر السياسي والسلوك يعبر عن الارادة التى أظهرتها رغبة جموع جماهير الشعب السوداني في بناء وطن لجميع أبنائه ويعلن قطيعة بائنه مع القديم أو القائم الآن في السياسة والمجتمع والقبول بنظام جديد يقوم علي أسس وترتيبات جديدة مختلفة تماما ينتقل فيها نظام الحكم الي نظام ونسق ديمقراطي يقوم على شرعية التعددية والتنافسية وحق الاختلاف ومحترما لمنظومة حقوق الانسان ؟!
أم أنه مجرد خطاب تبشيرى فقط يقع في اطار رهانات التكتيك السياسي الآنى والظرفى وغير مرتبطا بوظيفته التعبوية لحشد الامكانات والطاقات المطلوبة لانجاز عملية التحول هذه ؟!
وهل مضامين الخطاب الديمقراطي الداعية الي هذا التحول تنحصر فقط فى تحقيق التبادل السلمي للسلطة عبر عملية انتخابية كما كان سائدا في التجارب السابقة ام هو هدف أشمل يتعلق ببنيات وآليات العمل الديمقراطي وشروطه الموضوعية لإنجاح و تطوير هذه التجربة؟
هل باستطاعة نظام المؤتمر الوطنى ان يقود عملية التحول الديمقراطي بمبادرة ذاتية تقضى على نظامه الشمولي لصالح نظام ديمقراطي دون الحاجة الي احلاله بالقوة من قبل المعارضة؟
هذه الدعوة للتفاكر في القضايا الشائكة والمعقدة هذه ربما غير معنية في هذا المقال بالنظر حول الكيفية أوالوسائل التي يتم بها تغيير النظام بقدر ما تعنى بمطلوبات التحول الديمقراطى المأمول، أى التحول من واقع نعايشه الان وخبرناه من تجاربنا السابقة الى واقع يرجى الانتقال اليه بتسليط الضوء على اشتراطاته ومطلوباته وكذلك اشكالاته، بالرغم من أن هذا لا يتأتى إلا عبر تجاوز محطة تغيير النظام كشرط اساسى وحتمى لانجاز عملية التحول هذه وهذا ما يشغل الساحة السودانية الآن ولا أقول السياسية فحسب. وبما أن هذه الدعوة لا تناقش اساليب وآليات التغيير إلا أنها ترجح أفضلية الدفع بعملية الحوار الشامل الي الأمام مأخوذا في الاعتبار ما تحتاجه الي منهج شامل وشروط مستوفاة قبل الدخل فعليا في هذه العملية وفقا لما طرحته قوى نداء السودان. وهنا تجدر الاشارة الي أهمية موقف الجبهة الثورية ليس فقط عندما قبلت مبدأ التغيير والتسوية الشاملة عبر الحوار، بل عندما عززت فرص نجاح هذا الاتجاه بالتوقيع على اعلان باريس مع حزب الامة القومى في 8/8/2014 وبالتوقيع على ميثاق نداء السودان بأديس أبابا في 4/12/2014 أملا في الوصول الى تسوية شاملة وبشراكة كل الأطراف توقف اراقة الدماء وتحفظ لهذا البلد وحدته رغم سقوف الميثاق المتدنية بالنظر الي الشعارات المرفوعة. هذه العقلانية دحضت ما يقال بأنه عندما يطول أمد الحرب قد ينسى المقاتلون الاسباب الأساسية التى دفعتهم أولا الى الحرب. مع ذلك رفض نظام الخرطوم هذه الارادة الوطنية والمتعقلة، بل ذهب اكثر من ذلك حينما وصف هذا الجهد بالخيانة الوطنية ووصفه بالتآمر على الدولة وزج ببعض القيادات الموقعة علي الميثاق في السجون وطفق يهدد الاخرين ويلوح بالملاحقة القانونية. يبدو أن الحزب الحاكم يعقل الأمور ببصيرته ويزنها بموازين مُختلة ومعلولة.
تتحتم ضرورات تحقيق خيار التحول الديمقراطي من أنه الخيار الافضل للحكم والتنمية ولمعالجة الاشكالات القائمة وتحقيق السلام والاستقرار وتعبيرا عن وعى متزايد لرفض النموذج السائد والتطلع للحياة المدنية الحديثة الذي عبرت عنه جماهير الشعب السودانى وبأشكال مختلفة، هذا بالإضافة الى المآل الذى انتهى اليه مسار الدولة التى تحولت الي دولة مستباحة بكل المعايير مقرونا هذا بأزمة الشرعية التى يعانينها النظام لاستمراريته في السلطة مع انعدام السند الشعبى من قطاعات الشعب المختلفة التى تحولت العلاقة معها الى علاقة عنف وقهر وازلال. لذا يلزم أمعان النظر وإعمال الفكر السديد الى تقبل صيغ محدثة في السياسة والفكر والسلوك لتجاوز هذا الواقع المرير تبدأ اولا بتقبل فكرة التغيير السلمي باشتراطاته واستحقاقاته كلها والإقبال علي هذه المهمة بعقل وقلب سليم. ومن ثم تتجه الجهود نحو انجاز مهام التحول الديمقراطى بتطور آلياته و بنياته التحتية ومعالجة اشكالاته ومعوقاته وإلا سنكون قد حملنا ما هو مأمول في فترة الانتقال حُمولة زائدة ربما انكسرت عندها آمال وتطلعات الجماهير عند المحك والتجربة العملية ما يغري قوى انتهازية بالعمل ضد المسيرة الديمقراطية عبر الانقلابات العسكرية. وبالتالي تعود ريما لى قديما.
هذا التغيير المطلوب في النظام السياسي القديم الذى عرفه السودان منذ الاستقلال يجب أن لا ينظر اليه علي أنه انتصار علي النظام القديم أو المدافعين عنه أو علي القوى السياسية والاجتماعية والقطاعات البرجوازية والبيروقراطية المستفيدة منه. وإنما ينظر اليه على أنه تقبُل لصيغ جديدة فى الفكر والسياسة وأيضا فى سياق التطور السياسى التاريخى والحتمى فى اتجاه بناء الدولة الوطنية الحديثة. والنموذج الأمثل في مضمار هذا التحول هو التجربة التى أحدثتها المجتمعات الغربية فيما عرف بعصر النهضة وحركة التنوير وثمارها الشاخصة الآن في نموذج الدولة الاوربية المستقرة سياسيا والمتطورة في الممارسة الديمقراطية والمتقدمة اقتصاديا.
بما أن الديمقراطية عملية شاملة تتضمن وفق مطلوباتها بناء هياكل ومؤسسات وكذلك اجراء اصلاحات سياسية واقتصادية ودستورية كشرط لإحداث التحول نحو الديمقراطية وضمانة الاستقرار السياسي لزم تناول هذه المطلوبات وكذلك الإشكالات التى تواجه هذا التحول بغرض التفاكر حولها بما يسهم في انجاح التجربة المأمول التحول إليها والتى يمكن الاشارة الى بعضها في الآتى:
بنية وتركيبة الأحزاب والواجهات السياسية
ضرورة بناء أحزاب سياسية حديثة تعمل وفق قواعد اللعبة الديمقراطية بعيدا من علل الجهوية والعصبوية والولاءات الخرساء، وأيضا يقع على عاتق واجهات وتنظيمات العمل السياسي أن تراجع تجاربها السابقة وتغير نمط سلوكها فى الممارسة السياسية ابتدءا بمراجعة دساتيرها وإعادة بناء هياكلها وانتهاءا بالممارسة الديمقراطية داخل هذه البنيات والواجهات السياسية، ففاقد الشيء لا يعطيه، وعلى القوى السياسية الجديدة والناهضة مراجعة أخطاء تجارب القوى السياسية العتيقة وتجاوز سلبياتها المذكورة أعلاه حتى تستطيع جذب وكسب قواعد جديدة وتأييد شعبي لها داخل المدن والحضر ووسط نفوذ القوى القديمة من خلال التبشير بمشروعها السياسى والفكرى الذى نطمح أن ينقلنا الى التغيير البنيوى المنشود والتحول الى آفاق فجر جديد من الممارسة السياسية الديمقراطية المرتبطة بالجماهير.
حيوية وفعالية المجتمع المدنى
لحسن الطالع ان الشعب السوداني شعبٌ محبٌ للتقاليد والأعراف الديمقراطية بطبعه ومتقبلٌ لفكرة التعددية الحزبية والسياسية والشاهد على ذلك نضوح الساحة السياسية بشتى اشكال التنظيمات من اقصاها الى اقصاها، ولا يعرف التاريخ السياسي السوداني ظاهرة او واقعة تناقض هذا الزعم، انما العكس تماما فالخريطة الاجتماعية تدعم العملية الديمقراطية والدليل علي ذلك أن البنيات الاجتماعية التى يغلب على طابعها التشكيل القبلى والتراتبية الاجتماعية والتى يطلق عليها – تهكما – الكتل الصماء كإشارة لتدنى مستوى الوعى السياسى عند هذه المجتمعات والتى تنتخب مرشحيها في اغلب الاحيان على اساس الولاء الطائفى او القبلى ليس إلا، لم تكن فى يوم من الايام عائقا امام العملية الديمقراطية او تطورها مما يشجع قوى المجتمع المدنى لتطلع بدورها لتفعيل وتطوير قدرات وإمكانات هذا القطب المحوري في العملية الديمقراطية.
مشروع ثقافى شامل مصاحب للعملية الديمقراطية يبث الوعي بقيم الديمقراطية والحريات
لنجاح أي مشروع لابد ان تتوافر القيادة التي تؤمن بهذا التحول المنشود والإرادة الحقيقية والاستعداد الكامل للتضحية بكل غالي ونفيس من أجل انجاح هذا المشروع وإلا فلا ديمقراطية بلا ديمقراطيين. تأتى اهمية هذا المشروع من طبيعة التشوهات التى طالت الحياة السودانية بأكملها في عهد نظام الانقاذ. فلابد للقيادة السياسية العليا ان تشجع وتدعم هذا المشروع من خلال دعمها لحركة الثقافة والفنون والإبداع عموما وإحياء روابط الكتاب والأدباء واتحاداتهم وفتح مراكز الاستراتيجيات والبحوث والمكتبات العامة وتوفير مُدخلات الطباعة والنشر والتوزيع . وعلي هذه الاتحادات والروابط ورموز الحركة الابداعية والمثقفين الاطلاع بدورهم الطليعى الذى يسهم في رفع درجات الوعى السياسي والديمقراطي وكذلك تحفيز الجماهير للمشاركة في الاليات والاجراءات التى تقتضيها الحياة السياسية الحديثة والتمسك بهذه المشاركة كحق أساسى وبث ثقافة السلام والتسامح بين المجتمعات ونبذ العصبيات وإعلاء قيمة الحياة المدنية الحديثة.
مؤتمر للقوى السودانية الداعية للتغيير
بناءا علي ما تم بالتوقيع علي ميثاق نداء السودان تنتظر القوى السياسية بكل اطيافها وتشكيلاتها المختلفة ان تمضي خطوات الي الامام وبإيقاع سريع لعقد مؤتمرها التأسيسي الأول بهدف انجاز مهمتين أساسيتين هما : أولا وضع هيكل تنظيمى لهذه القوى وثانيا طرح القضايا الكلية التي يراد معالجتها والاتفاق حول سقف أولوياتها بما يشبه ميثاق اسمرا للقضايا المصيرية 1995، وسنأتي الى هذه الاوليات لاحقا، و تنحصر أهمية هذه الخطوة في ثلاث محاور رئيسيه هي، أولا، وقف الجدل حول ضعف وتشتت قوي المعارضة بتوحيد صفها وطرح مشروعها وخيارها للتحول ووضع حدا للتجاذبات بينها من طرف كمعارضة جادة وبين محاولات الحكومة لجرها لوجهة غير معروفة بإطلاقها لمبادرة الحوار التي ما فتأت تطلقها وهي مقبلة على الانتخابات بعد أقل من شهرين. ردة فعل النظام من توقيع اعلان باريس وميثاق نداء السودان يؤكد صحة تحفظات هذه القوى وتخوفاتها المشروعة من مبادرة النظام للحوار والتى اراد منها فقط كسر الجمود وفك الاحتقان السياسى الراهن وكسب الزمن الى حين الدخول في العملية الانتخابية فعليا. ثانيا، توحيد الجبهة الداخلية وبعث روح الامل فيها. ثالثا، حشد التأييد الاقليمى والدولى لدفع جهود التغيير والتحول الديمقراطى.
اذا تأخر قيام هذا المؤتمر بمبادرة ذاتية للقوى السودانية، فنتيجة للتحولات الاقليمية وعدم الاستقرار في المنطقة، ربما شجع المجتمع الدولى الى اطلاق مبادرة تدفع باتجاه تسوية سياسة مع النظام تنتهى بالشراكة معه ولا تنجز التحول الديمقراطى المأمول.
اولويات ميثاق المؤتمر التأسيسي
يمكن اجمال أولويات ميثاق المؤتمر التأسيسي فى الآتى: ترتيبات الفترة ألانتقالية : قضايا الحرب والسلام والمعالجات الاستثنائية لها. العدالة الانتقالية والمصالحة الشاملة. الاصلاحات السياسية والدستورية والاقتصادية والاجتماعية : قضايا الدستور ومدنية الدولة والتعددية الدينية والثقافية وإصلاح الأجهزة العدلية والقوانين المنظمة للممارسة السياسية بما في ذلك قانون الانتخابات. خطة اقتصادية اسعافية تنتشل الناس من دائرة الفقر مصحوبة بخطة استراتيجية شاملة تدفع عجلة التنمية بتنشيط القطاعات الانتاجية وتسهم فى عملية البناء الاجتماعى الذى يعيد الطبقة الوسطى الى دائرة الوجود من جديد. وإجراءات تصفية هياكل ومؤسسات النظام القديم وإجراءات بناء النظام الجديد.
لبناء دعائم الديمقراطية من تشريعات ومؤسسات مرتبطة بهذه العملية كأسلوب للحياة ولانتصار قيم الديمقراطية التعديدية والحريات العامة وحقوق الانسان وترسيخ هذه القيم في مجتمعنا السودانى فلسنا بحاجة الى استنساخ نموذجا ديمقراطيا بعينه مهما كانت درجة نجاحه واستقراره أو بحاجة الى استدعاء جون لوك أو هوبنز او ميشال فوكو لهندسة نظام سياسي واجتماعى قابل للديمومة والاستدامة. فبإرادتنا الوطنية الخالصة والعزيمة التى لا تلين نستطيع التوافق على منظومة قيم وتفضيل احسن الخيارات لمسار مستقيل بلادنا يضمن لها الاستقرار والسلام والتطور الى مصاف الدول المتقدمة.
نجم الدين موسي عبد الكريم
نائب الأمين السياسي لحركة العدل والمساواة السودانية
لندن 10 فبراير 2015

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.