تنازل البشير مقابل «صكوك المغفرة» الأمريكية

■ رغم الكابوس المزعج الذي يعيشه الشعب السوداني جراء هول الجرائم والحماقات الداخلية التي تديرها وتنفذها أجهزة حكم «الراعي» السوداني تجاه «رعيته» لأجل غاية عقيدته السياسية القائلة «بالاستمرار في السلطة بأي ثمن والاستعداد لدفع مقابلها أي ثمن…لا يهم واقعا تحت دائرة البطلان أو الوجوب».

تساءل السواد العــــام من الشعب الســـوداني وعلى غير العادة، خلال الأسبوع الماضي عن الثمن ونوعية «الرشوة» السياسية التي قدمها أركان حكم البشير لواشنطن مقابل انفراجات أمريكية محدودة عن العقوبات المفروضة على حكم الخرطوم، لأكثر من عقدين ونصف العقد.

هؤلاء يبحثون ويتساءلون عن الأسباب ويقولون، إن نظام الحكم ليس بزاهد ولا نظيف ولا راشد، فلما رأس الحكم تنزل عليه منحة سماوية فجأة تنقذه من المعاصي وتحوله معها إلى حاكم شرعي وعادل ومسؤول، حيث ما يزال يمارس غروره وكبرياءه وإجرامه وفجوره على أوسع نطاق، وفي لعنة سياسية تبدو مستمرة…فما هي إذن أسباب صكوك الرحمة/المغفرة الأمريكية التي نزلت عليه شتاء، رغم أنه يبشر ليل نهار بصيف حربي ساخن على شعبه، أهي مؤامرة جديدة ينفذها البشير، لكي يبقى لخمس سنوات أخرى حاكما متوحشا في الداخل وخانغا مطيعا في الخارج؟

ما تمت الإشارة إليه يطرح استفهامات تتلاءم أكثر من أي وقت مضي، مع طبيعة إدارة العلاقات الدولية، خصوصا مع الخريطة الدولية المهيمنة، التي لا تحكمها معايير القوانين الدولية والإنسانية والحقوقية، بقدر ما تحدد وترسم مسار توجهاتها رزمانة من المصالح الإستراتيجية والآنية والمرحلية. صياغة هذه المصالح يتم إخراجها عبر تلك القوانين للاستهلاك السياسي والإعلامي. هنا أستذكر أن إنسانية بنغازي التي تحرك حلف الأطلنطي لحمايتها من نظام العقيد القذافي في تسابق مع قرارات مجلس الأمن الدولي وقتئذ، قد سددت ضرباتها من قاعدة إيطالية لمنع وصول قوات للقذافي حتى قبل إصدار القرارات الدولية التي تعطي تغطـــية لشرعية الفعل الدولي لإســـقاط نظام العقيد الليبي، هـــذا الفعـــل تكشف أنه فشـــل في إدارة الأزمة الدولية في ليبيا، لينجب دولة فاشلة على الطريق ومهددة للأمن الأوروبي بشكل كبير، وبالتالي جاءت حماية إنسانية بنغازي لبرميل نفطها أكثر من إنسانية شعبها، وأهم بالطبع من إنسانية شـــعوب أخرى مجاورة لا تبعد بعيدا عن صحراء ليبيا، وأعني هنا شعب دارفور الذي تعرض لأكبر عملية مذبحة وإبادة في العقد الأول من القرن العشرين، بل مؤامرة كونية لم تعمل الأجهزة الدولية ذات الاختصاص بما يكفي لتلافيها، غير إجراءات الشكل والتخدير.

على نهج هذه المصالح ذاتها وتطبيقاته العديدة في العالم، يعد نظام الرئيس السوداني أكثر الأنظمة التي تعمل بالوكالة سرا لعدد من العواصم الدولية التي تتحكم في إدارة اللعبة والسيطرة وبقاء الأنظمة، رغم كونها منعدمة الأهلية والشرعية، بل تعمل وتنفذ أجندة حربية ومؤامرات تهدد الاستقرار الإقليمي والدولي، وتقوم بأفعال مخالفة للقانون الدولي والإنساني ضد شعوبها، هكذا حال طبيعة الرئيس السوداني في تتبع علاقته مع الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال، حيث في سنوات حكمه عاصر حوالي ثلاثة رؤساء للولايات المتحدة وفيها بعضهم امتدت سنوات حكمه لدورتين رئاسيتين، آخرهم هو الرئيس باراك أوباما. فالرئيس السوداني يبدو أنه عكس ما يروج له فهو الصديق الخفي لعدد من اللوبيات الدولية، مؤسسات أو دولا تدعم بقاء منظومة حكمه، رغم تآكل كل شروط بقائها داخليا، حيث في الغالب ينظر إليها «الأصدقاء» على أنها حكومة «عميلة» وجيدة وممتازة ومتعاونة، رغم صخب وضجيج واحتيال الرئيس السوداني منذ وصوله للحكم، بأنه معاد للغرب وإسرائيل، فجاء الوقت في أن يرتاح ويريح معه الآخرين، ولا يستبعد لو طلبت منه الدوائر ذاتها بأن يزور «تل أبيب» علنا مقابل رفع المتابعة عنه قضائيا لفعل سريعا ومتلهفا.
في هذا الإطار وفي ظل راهن الأزمة السودانية التي وصلت حالة الانسداد التام، بسبب العجز الفكري والنفسي للرئيس السوداني، الذي يعشق البقاء في الحكم والسلطة، في حين يعلم أن الشعب السوداني يتطلع إلى أن الانعتاق من سجن جرائمه العديدة في حق الشعب والوطن الذي أجرم فيهما أشد إجرام.

في هذا الراهن عمدت الولايات المتحدة الامريكية، التي شددت الحصار على نظام حكم البشير ووضعته ضمن اللائحة الأمريكية للإرهاب، على رفع العقوبات عنه في ما يتعلق بأجهزة المعلوماتية والاتصالات التي تتيح مجالا للشعب السوداني في تلقي المعلومات والتواصل باعتبارها أحد الحقوق التي تنتمي إلى حقل الحقوق الإنسانية وفق تبرير النشرة الأمريكية والقرار الذي وزعته إدارة المبعوث الأمريكي المكلف من إدارة الرئيس أوباما، بشأن دولتي السودان وجنوب السودان الأسبوع الماضي، وهو القرار الذي اعتبرته الحكومة السودانية «خطوة مهمة» في شأن العلاقات السودانية الأمريكية. وبالطبع في تقييم عام، أن رفع الولايات المتحدة لعقوبات جزئية عن الخرطوم هو أمر جيد، لأن المؤكد أن الحصار لا تتضرر منه النخب التي تحكم البلاد بقدر ما تتضرر منه الشعوب السودانية التي تعيش هوة لا توصف، مع نخبة الحكم التي تأكل كل شيء والشعب لا يأكل أي شيء، كما لا يترك له أي شيء.
جاءت هذه التطورات، التي هي من باب المؤكد، قد تفتح معها شهية البشير، المفتوحة أصلا، تجاه الاستثئار بكل الماهية الحياتية للسودانيين، على إثر الدعوة التي وجهتها الإدارة الأمريكية لمساعده غندور، رئيس وفد الحكومة في التفاوض مع الحركة الشعبية ومساعده في شؤون الحزب إلى الولايات المتحدة مؤخرا، لتعقبه زيارة أحد مساعدي وزير الخارجية الأمريكي للخرطوم.

هنا تستنهض أسئلة مفتوحة، ليس في طبيعة الانفراج الجزئي الذي قدمته الإدارة الأمريكية للبشير ولا عن مكافأة لحسن سير وسلوك الخرطوم، بل في ما قدمته الأخيرة لواشنطن، أو في الطريق لتقديمها، هذا الأمر من وجهة نظر كثير من المراقبين ترمومتر هذه العلاقة منذ ثمانيات القرن الماضي، لا يخرج عن طوق نظام سياسي يعمل مع المصالح الأمريكية في المنطقة، وينفذ كل شروط المنظم الدولي في السودان، وبالتالي نحن أمام استفهام ضخم عن الخدمة الجديدة للبشير مع واشنطن، فقد سبق أن باع الإسلامويين وسلمهم سرا إلى واشنطن، بعد ما تم استدراجهم بالإيحاء بأن أرض السودان آمنة، وسرعان ما اكتشف الإسلامويين بعدها، أنها عاصمة لبيعهم بمقابل، الأمر ذاته تكرر مع عدد من دول الإقليم، منها طرابلس معمر القذافي…. والقائمة هنا تطول، فضلا عن مؤامرة تقسيم الوطن وثمن البقاء.. إلخ، ذات الأسئلة طرحها سياسي بارز، هل نحن أمام تقسيم جديد وفق سيناريوهات نشرت في وثائق لم تتأكد صحتها.. إن البشير صيد ثمين للولايات المتحدة ولعدد من لوبيات المصالح التي ترى فيه رجلا يعمل بالوكالة في درجة «عميل محترم»، لغاية بقائه في السلطة واستمرار حكمه الممنوح التفويض من هذه القوى الدولية، لأن واقع تقاطعات إشكاليات النظام والدولة السودانية تقول إن شروطها وآلياتها متوفرة لسقوطه، إلا أن العامل الخارجي غير واضح في تعاطيه مع الشأن السوداني، وهو الشيء الذي يستوجب أن تقوم مؤسسات المعارضة بفعل واقعي لتفرض الإرادة الوطنية السودانية التي لا تقبل نموذج حكم يبيع ويشتري في الشعب السوداني لأجل البقاء الأبدي.

٭ كاتب سوداني مقيم في لندن

القدس العربي

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.