في «مأسسة الاستبداد» أم إعلان «الطهارة» من فكر الاستبداد السوداني؟

يبدو أن بوصلة التاريخ السياسي السوداني وحراكها يتدافعان ويتزاحمان بالاشتغال في الحقل السياسي، الذي له مكوناته وآليات ضبطه الخاصة، للانتقام من راهن انحرافه، الذي وضعته فيه عصبة المحتالين الإسلامويين السودانيين، لأجل تصحيح وضبط إيقاع مساره الطبيعي، بالانفكاك من ثقافة وعي الاضمحلال والتقهقر، الذي وقع عليه جراء عبء حُكم الطبقة الثرية، التي تزعم أنها ذات قيم، امتدت لأكثر من ربع قرن، وما زالت تطمح للمضي قدما وبشراهة لإنجاز «فترة تعبد» أخرى، رغم ثوابت الإخفاقات وإعادة إنتاجها في لولبية مشهودة لا تنافس ولا تقارن إلا بذاتها.
حراك تدافع الانتقام التاريخي الذي يقع في حتميته، الغرض منه إنجاز استحقاقات إنسانية تخص السودانيين، بسبب الانحرافات العديدة التي ارتكبت ضدا للطبيعة الانسانية السوية، من حيث كونهم كائنات حية وأنهم بشر لهم حقوقهم العامة والمشروعة في الحياة والوطن والفكر والثقافة والاجتماع والدين والاقتصاد… إلخ، وهي حقوق في مجموعها تمت «العربدة» بها باسم المقدس والسماء، في تناقض جلي ليحدث معه حقيقة انهيار مشروع الفشل السياسي للحكم في السودان حتى الآن.
هذا الانهيار خلف وراءه، كما نلاحظ باهتمام بالغ، كثرة الفارين، الخارجين والمنشقين والهابطين من «خردة» المشروع، الذين هم حتى وقت قريب، ميكانيكيته في الصناعة والتركيب والتسويق لشرعنة وجوده، أو سيطرته على السوق واحتكاره بدون جدارة ترتقي لروح المنافسة، لاكتساب شرعية ومشروعية حقيقية، ليفضلوا شرعنته كشركاء للاستفادة من نتاجاته.
وهنا نرصد أيضا ضمن ثقافة الانهزام المستشرية بالركض خروجا أو انشقاقا أو نزولا، لا أحد من جماعتهم وأخوانهم وشيوخهم من يتحمل إثم المسؤولية، بالقول إنه جزء منها أو مشارك فيها بفعل مادي أو معنوي أو رمزي أو فكري، ولو جاء باستدعاء ضمير الماضي أو الغائب، حيث كل الآثام والمعاصي هي من صنع رأس الحكم العسكري، الذي تم سقيه وإطعامه من طعامهم الفكري ذاته، حتى كبُر وشاخ وبدأ يهرجل هرجلة بدون أن يتمكن أي أحد من شيوخه في الطبقة العليا أو الوسطى أو الدنيا الإمساك به، ليفضل أو يختار البعض اللهاث وراء حكمه لإكمال أقدار الذنوب والسيئات والمعصية التي تقع في مواجهة محكمة الخالق أولا، أما محكمة الشعب والوطن فهي ثابتة ومثبتة.
مشهد الهروب من المسؤولية، بعد تلبية وتحقيق رغبات «الأنا»، شبيه إن لم نقل هذا إعادة متجددة ومتكررة ومماثلة لمشهد محاكمات رموز حكم ديكتاتورية الرئيس الأسبق نميري، الذين تقلدوا المسؤولية وانتفعوا بها، ومن ثم التهرب منها عند اقتراب انهيارها، أو سقوطها، خصوصا أننا لا نتحدث عن حالة إسلامويي الخرطوم عن عصامي/زاهد/ متصوف في سفينة حكم الثيوقراطية العسكرية، ممثلة في الأوليغارشية السودانية التي يجب أن نضع لها تمييزا خاصا بها وفي مكونها الأخلاقي السياسي الفكري مقارنة مع قوى الإسلام السياسي الحركي في المنطقة، حيث تصلح الوصفة السودانية بالقول القاطع بأنها الأنموذج ضد الطبيعة الإنسانية الذي حكم به إسلامويو الخرطوم السودان، والحذر هنا خطير في أن تصاب الشعوب الإسلامية والعربية باللعنة ذاتها، إن خُدعت من طرف هذه القوى باسم الربيع أو الصيف أو الشتاء ليست للديمقراطية بل لتمكين هذه الجماعات.
الإشارات السابقة تطبيقاتها عديدة، أحدثها فيما جاء في مقالة مستشار رئيس الجمهورية، وزير الإعلام الأسبق ومسؤول ملف دارفور، وأحد مهندسي اتفاق مبادئ نيفاشا، ورئيس كتلة نواب الحزب الحاكم في البرلمان السوداني- يوازي رئيس البرلمان في أنظمة الحزب الواحد والديكتاتوريات الشمولية- د.غازي صلاح الدين العتباني، الذي نزل من سفينة الحكم مؤخرا وأسس حركة عُرفت بـ»الإصلاح الآن»، التي تتطلب دلالاتها أن نعيد معه السؤال ونكرره لماذا استنهض الإصلاح في زمانيته ومكانياته الآن ولِمَ لم يقع في السابق؟ وهل كان من مشروع سلطة الفساد من السلامة والصحة التي لا تستدعي إصلاحه؟ وفي الأخير، هل المطلوب وطنيا تعويم المفاهيم في جزئيات تجاوزها الواقع السوداني، أم إلى تغيير جذري بنيوي وبثورة وطنية تقوم على توافق وطني وبمكونات عقلانية تتجاوز اللاهوت السياسي إلى «اللاهوت الوطني» يستمد من أعمال العقل، استنادا إلى معطيات الأرض وليست السماء، القائمة على خطف الدولة ومصادرتها والاستيلاء عليها لمغانم خاصة.
والاستفهام هنا مفتوح، هل هناك إسلاموي لا يمتلك سكنا فاخرا وبمواصفات عالمية وسط دولة أشباح.
وبالعودة إلى مقالته التي عنونها بعنوان» نحو مأسسة الاستبداد»، في تقديري عنوانها أهم من محتواها، الذي فيه انتقد التعديلات التي منحها الرئيس السوداني لنفسه مؤخرا، وبها حولت السودان إلى «مملكة» لملك يمتلك صلاحيات مطلقة، كما أشرنا في مقالنا الذي نشر في الصفحة نفسها.
في مقالته أيضا بشر الشعب السوداني بالاستبداد الذي سوف يقع عليه ورثى ما عرف «بالحوار الوطني» الذي أعلنه الرئيس السوداني.. إلخ، حمولة هذا العنوان تتمحور في عمق دلالاته الفكرية والمفاهيمية ونقده للاستبداد الذي هو بنية فكرية أيديولوجية عقائدية دينية مكتملة، لها أدواتها الخاصة في التفعيل والفعل والممارسة على مستوى الشكل والجوهر، حتى تحولت إلى ثقافة وجدانية، بل هوية ذاتية لمن يتبنى العقيدة الفكرية التي أساسها الاستبداد وشرعنته في المجال السياسي السوداني والحكم به، وهوالمنهاج السائد في النظام السياسي منذ تاريخ الانقلاب عام 1989، وعبر مراحل تلوينه المختلفة.
وفي ارتباط بما سبق وما بين الاثنين، كان التحايل/التناقض واضحا ما بين بنية العنوان/المقال، والمقال الذي يخاطب تداعيات السطح جراء مخاطبة منطلقات البنية الاستبدادية في منطلقاتها الفكرية وأطر مرجعياتها التاريخية، التي هي متخاصمة مع الواقعية، والعقلانية التي يجب ان تسود وتتحكم في تدبير شؤون عامة الناس من الجماهير السودانية، الجماهير التي تحولت بقدرة قادر إلى رعايا نظام سياسي أساس فكره استبدادي قائم على الاستغلال العام والتمايز الاجتماعي، الذي شمل حياة الناس عامة، مع تقوقع السلطة على نفسها وتعطل القوانين واعتماد الحكم الفردي، وإهمال النظر في العدل الاجتماعي واتباع سياسة القمع الشديد للقوى الاجتماعية الحيوية في المجتمع ورفض مطالبتها بحقها في الحياة الاجتماعية.
كل هذا يتم تنفيذه عبر السلوك الحربي والقتل، وهنا مساءلة بريئة كم عدد قتلى السودان في سبيل بقاء مشروع الاستبداد وفساده في أن يستمر حتى الآن؟ لا أحد يعرف! وجميع الهابطين من المشروع لا مسؤولية ولا مبررات لديهم عندما كانوا في هرم الاستبداد كمشروع قيل إنه صالح للحياة الدنيا والآخرة وثبت بما لا يدع مجالا للشك العكس.
كنا نطمح من زعيم حركة «الإصلاح الآن» المعارضة في ذات مشروع الفشل وبوتقته، لا خارجه، وحتى لا نقول «المتمردة»، بالإضافة إلى كونه أحد رموز المسؤولية السياسية والفكرية للحكم، أن يتحمل جزءا من هذه المسؤولية ولو بشكلها الرمزي والمعنوي ويعلن «طهارته»، لأن الذي يحكم في السودان هو الفكر، والبشير ليس إلا آلة لتنفيذ بنية الفكر الذي تعلمه، لم يكن يمتلك مواصفات أسطورية خارجة عن مواصفات البشر، قوته وجبروته هما قوة المؤسسة التي تمت مأسستها في «ولاية استبداد» جديدة وبأشخاص آخرين، في عملية إنتاج الاستبداد لنفسه، متى ما سحبت منه يتراجع ويتصرف كالبشر الآخرين بحثا عن موقع حماية بسبب الكبائر، في هذا حتى وقت قريب التاريخ يتذكر هروب بن علي بطائرته بحثا عن ملجأ، وآخرين وجدوا تحت الأرض بروايات صحيحة أم لا، وآخرين تم القبض عليهم في غرف نومهم وبملابس نومهم.
صاحب «مأسسة الاستبداد»، وهو الحصيف وأحد أعمدة فكر الاستبداد الذي حكم السودان كان عليه أن يقدم مراجعة فكرية نقدية لهذا المشروع في بنيته الفكرية، وأطر مرجعياته التاريخية والحكم بعدم صلاحيته، وهو الذي يمتلك من مفاتيح التشخيص المعرفية لتقديم هذا الحكم الذي يصلح فيه لمعارضة فكرية قحة، لأن شروط الزمن السوداني الذي تم تفكيكه بفعل فكره واجتهاده الذي انتظم ورسم حكم البلاد تتطلب أدوات صعبة قد لا يمتلكها زعيم حركة «الإصلاح الآن». وبالتالي قواعد اللعبة الجديدة في البلاد قد تذهب إلى خوض معارضة فكرية هدفها تغيير نظام الحكم جذريا وابعاد فكر الاستبداد إلى فكر الإنسانية.

٭ كاتب سوداني مقيم لندن

محجوب حسين

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار, أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.