فقط للتذكير

مشروع ‘المحكمة العربية لحقوق الإنسان’.. التحديات القاتلة
المحكمة- وهي في طور الدراسة- ينتظر منها الكثير من الإنجازات وتجاوز تراكمات السنين من الظلم ومرادفاته من القهر والحجب والإقصاء وهدر الفرص الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في العالم العربي.
العرب أحمد إلياس تابر [نُشر في 20/11/2013، العدد: 9385، ص(8)]

أحمد إلياس تابر

تسود العالم العربي «حالة نهضة» في مختلف المستويات الرسمية والشعبية. وهي تطور طبيعي ومنطقي للعصر وحركة

التنوير والتنوع الثقافي والحضاري. فالعالم كله يجنح للتغيير وينشط في اكتساب مصالح جديدة من المعرفة، التي هي أهم الوسائل والخيارات. وبرغم الصراع الحضاري المحتدم تبقى المعرفة أداة مواجهة ذلك الخضم، وأهم أدوات المعرفة ومصادرها هو العدل.العدل في مضمونه المطلق الذي لا يتحقق إلا عبر المعرفة ولا يفضي إلا إليها. والعدل هو من القيم النادرة، فلا يكاد يسبقها في الترتيب إلا الإحسان،

وتأتي بعدها القيم الأخرى، من كرم وشجاعة وصبر وغيرها، فلن تكون شجاعا إن لم تكن عادلا، وكريما إذ تفتقر للعدل، ولا صبورا إن لم تتزين بالعدل، والقياس مطلق في إطلاق العدالة نفسها. وكشأن أية قدرة أو قيمة، يتعامل البشر في تداولها والتعامل بها، فالعدالة تحتاج إلى التنمية من خلال تأسيس مؤسسات العدل وبيوته.
صدع القوم بمشروع «المحكمة العربية لحقوق الإنسان» بمبادرة من مملكة البحرين، والتي انطلقت من كلمة ملك المملكة البحرينية، خلال تسلمه تقرير اللجنة المستقلة لتقصي الحقائق في 23 نوفمبر 2011، وتطورت المبادرة لتأخذ طريقها إلى الدراسة والتقويم، ثم إلى جامعة الدول العربية التي أقرت المشروع وسمّت المنامة مقراً للمحكمة العربية لحقوق الإنسان في قرار تاريخي فارق. وجدَّ الفقهاء القانونيون في حفر الأساس للمشروع الحضاري الرصين، ليس لمجرد وجود المحكمة الجنائية الدولية، أو لأن الأوروبيين لديهم محكمة لحقوق الإنسان، بل لأن العرب باتوا يتحركون- عن نية طيبة أو رضوخ لواقع التحرك الحضاري الذي أشرنا إليه أعلاه- نحو المحافظة على وجودٍ ذي كينونةٍ عربيةٍ.

لقد مرت على العالم العربي ظروف قاسية من التشتت والانقسام، فمن تحولات قومية إلى أخرى شيوعية وثالثة هي نماذج من الاشتراكية، ولم تنبس شفة ثقافة من تلك الثقافات بمصطلح يشير للعدل من قريب أو بعيد، حتى باتت الهوية العربية على شفا الهاوية. وفشلت حركات الوحدة العربية في أدنى مستوياتها، الاقتصادية والتجارية والتعليمية والثقافية، ناهيك عن المستويات العليا من تشريع واستراتيجيات وتنسيق متعدد المسارات. ومن أهم تلك المسارات «حقوق الإنسان» فالعالم العربي يعج بالظلم في منظومة ممنهجة، وتتعدد حركة الظلم حتى باتت في بعض أقطار العرب، حالة مستقرة، والأمثلة أكبر وأكثر من أن تعدد، ولكن على المستويات الكلية، ترى إجحافا في منظومات الدولة الخادمة للشعوب، كالتعليم والصحة والسكن.

ولم تنهض الكثير من الدول بدورها في صون حقوق الإنسان، وساد تجهيل تام للشعوب العربية ومكثت في ظلام المعرفة وغياب الوعي بحقوقها، ولم تضطلع المؤسسات الأكاديمية بدورها التنويري في تأسيس مناهج معرفية وتعليمية في موضوعات حقوق الإنسان. وهي أزمة منعت الأجيال عن الجهر برغباتها وكتمت طموحاتها ومنعت مبادراتها من أن تسهم في الحضارة العالمية الحاضرة، وأبسط دليل على ذلك هو في القدرات العربية المهاجرة، والتي نشط عطاؤها ورغدت قدراتها في الإسهام الحضاري.. كانت، وما تزال، شاهدا حضاريا رائعا لرسل معرفة، عرباً، نالوا حقوقا في غير ديارهم فانعكست في رفع كفاءتهم كموارد إنسانية عظيمة الثراء.

ولكن، يلوح في آخر النفق وميض أمل في أن المستقبل يحمل وعدا طيباً. بإعلان تأسيس المحكمة العربية لحقوق الإنسان، وهي قفزة فوق ذاك الواقع الممض ألما. فالمحكمة، أياً كان تخصصها هي مركز العدالة، ولخاصية تأنيثها، فهي أم العدالة، تلد ولدا اسمه «حكم» يضع الظلم عن الناس ويرفع حقوقهم إلى العلياء.

والمحكمة- وهي في طور الدراسة- ينتظر منها الكثير من الإنجازات وتجاوز تراكمات السنين من الظلم ومترادفاته: القهر والحجب والإقصاء وهدر الفرص الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في العالم العربي. ولعل الدراسة أن تستجيب لمكونات المجتمعات العربية وتحافظ على مقوماتها وأنساقها الثابتة.

إن أهم العناصر الواجب التركيز عليها والعكوف على سبر أعماقها من خلال منظومة المحكمة العربية لحقوق الإنسان هي:

أولا- خصوصية الواقع الثقافي العربي المتنوع كإقليم وارث لحضارات أسست للتاريخ والمدنية.

ثانيا- تطوير قدرات النهوض بحقوق الإنسان وفق المعايير الوطنية والإقليمية المتداخلة والمغلقة في الوطن العربي، بما يراعي الذاتية الوطنية والجهوية في إطار الوطن الواحد المتعدد الإثنيات.

ثالثاً- بث روح المصالحة وتحفيزها بديلا للعقوبة. وهذا معيار أخلاقي ينفرد به الواقع الثقافي العربي الجانح للسلم والتعايش في إطار من الإنسانية والروحانية.

رابعاً- الأخذ في الاعتبار مأزق الجغرافيا السياسية وما تحتويه من مفاهيم حول السيادة الوطنية، فالتشريعات العربية الوطنية لم تتواضع على مرجعية تشريعية واحدة.

وهنا شبكة من التفاصيل المتداخلة تجعل من البداية مرحلة بالغة المشقة، وأبلغ ما تصله من عنت هو محاولة العمل على تخليق محاكاة للمؤسسة العربية المزمعة. فقد تتجه الأنظار نحو نسخ الجنائية الدولية، أو محكمة الاتحاد الأوروبي لحقوق الإنسان، وهنا تكمن الخطورة، فكلا المحكمتين قد أٌنشئتا في ظروف تختلف ظرفيا وسياسيا وثقافيا عن المجتمعات العربية. فلابد إذن، من إنتاج مؤسسة عدالة من الخامات الثقافية والعقدية المحلية في إطار الأعراف والقواعد الاجتماعية العربية. ومنها الالتزام بمبادئ نصرة المظلوم، الأصيلة فينا، وتأسيس قواعد- لازمة الإتباع- في رد المظالم إلى أهلها، ومن المهم قراءة معايير الصلح وتأسيس البنى الجوهرية لها.

إن المنظومة الغربية بعيدة عن منظومات التقاليد العربية الرصينة والممتدة عبر رحلة البشرية العربية في خضم التاريخ وتنوع الأديان، بل واختلاف الألسنة والألوان. وقد يفرض الواقع الوطني- القائم على الجغرافيا السياسية- مفاهيم متنافرة، كما هو الحال اليوم في التطبيقات السياسية العربية، ولكن تجاوز ذلك أمر سهل، فالتلاقي العربي يمكن أن يحل تلك المعضلة، متى صحت النوايا وصدق العزم، ويمكن للمحكمة العربية لحقوق الإنسان أن تؤسس السوابق القضائية المرشِّدة لتشريعات حقوق الإنسان في الدول العربية، بما يفضي لوحدة تشريعية بين العرب تكون بنيات أساسية لوحدة أعظم.

برغم هذا وذاك، تبقى مبادرة تأسيس «محكمة حقوق الإنسان العربية» مبادرة رفيعة المقام وتستحق مملكة البحرين وملكها التحية والثناء. وتكون الخطوة القادمة هي المرحلة الحاسمة في العمل على تأسيس المحكمة، وقد صحت عزائم منظمات المجتمع المدني في النظر في منظومات تأسيسها، وستعمل على صناعة واقع جديد يلغي من الثقافة العربية مشاعر الظلم، ويدمر آلياته لتبقي العدالة حرة طليقة لا يرهنها راهن لقيده ولا يحتويها ظالم بظلمه. فالعدالة قيمة مطلقة.
إعلامي سوداني

عضو الأمانة العامة للتحالف العربي للمحكمة العربية لحقوق الإنسان

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.