سرادق العزاء في العراء

حسن اسحق 

نموت ولا احد يبكي علينا ، مقولة ( زول ساي ) ، وما ادراك ( ما ساي ) في بلادي ، رغم ان الماساي قبيلة  رعوية مشهورة في دولة كينيا ، ومن اشهر مناطقها الطبيعية واكثر جاذبية للسياح لمناظرها الخلابة والجذابة في ذات الوقت ، وهي منطقة تسمي نغونغ هيلز ( تلال نغونغ) ، قد يكون التناقض في المقارنة ، لكن علينا ان نعلم ( الزول الساي ) في وطننا السودان ، هو الانسان الذي لا قيمة له  في وجهة نظر الحكومة ، ولا يعتبر انسانا في الاصل ، والدولة تطارده  ان يخدم  في الشرطة والمليشيا والجيش ، تجبره علي الذهاب الي مناطق العمليات في دارفور وجبال النوبة والنيل ، وتدربه علي حرب العصابات في العاصمة الخرطوم والولايات ليقتل ويغتال ويعذب كل من هو خارج التعريفة الوطنية للطاعة  الاسلامية ، الدولة المتطرفة للحرب والمتعطشة لسفك الدماء ، تلزمه ان يحارب رغما عن انفه ، وتزج به في ادغال الحرب  ، كما فعلت مع الاطفال صغار السن في جبال النوبة ، عندما هربت القوات الحكومية من امام قوات الجيش الشعبي في الجبال ، تركت وراءها الاطفال صغار السن ، يعانون الفشل والخيبة المفاجأة  ، هم  ما دون سن الثامنة عشر ، القانون يمنع تجنيدهم  ، ولا يهمها ذلك في شئ ، ان الاطفال لا بواكي عليهم ، ولا احد من كبارالحكومة يهتم لامره ، ولا انقاذهم ، ان التحرير المعروف حسب القراءة السياسية هي  التضحية بالصغار في حرب الحفاظ علي الحكم  ، لا تعني شيئا لهم  ، فالهزيمة في تلودي ودلدكو وبعض المناطق في الجبال تعبير ان القوات الحكومية  هزمت ، وقتل الكثيرون ، بعد الفرار من ارض المعركة ،  تعتبرحسب الاعراف العسكرية ان هذه المؤسسة باتت  مثل مشروع الجزيرة الزراعي …

هناك خبر انتشر في مدينة بورتسودان الساحلية في شرق السودان  ان جهاز الامن منع بعض الاسر ان تقيم تعازي لابنها الذين راحوا ضحايا حرب النظام في جبال النوبة ، وبعد اشاعتها اخبارا انها علي وشك القضاء علي الحركة الشعبية في جبال النوبة ، لكن العكس هو الصحيح ، والفيديو الذي لقي رواجا ومشاهدة  في مواقع التواصل الاجتماعي كافة  ، اكد ان قوات الدعم السريع المخصصة للدخول الي كاودا هربت ، وتركت وراءها العتاد العسكري والقتلي والجرحي في ارض المعركة ، والاحتفال الذي اقامه الجيش الشعبي مع مواطني المنطقة ، هو الدليل الابرز  علي  تساقط قوات الدعم السريع ، والضجة الاعلامية الكبيرة ، ماهي بالونة مضروبة لا تستطيع ان الصمود لايام ، ( المحرش ما بقاتل ) هكذا يقول المثل الشعبي في السودان ، فابناء مدينة بورتسودان ضحايا التحريض العسكري للقتال في جبال النوبة ، وهم ضحايا عقلية المليشيات ، هم ضحايا الفرز الحربي ، هم ضحايا التجييش العنيف ، هم ضحايا  الفوضي الامنية في السودان …

وجهاز الامن يمنع اسرهم ان تعزي عليهم ، بحجج ان الوضع العسكري تحت السيطرة ، والقوات مازالت قادرة علي عمل الكثير، واستعادة كاودا ، كانها انسحبت منها تكتيكيا في وقت ما  ، واوهام الصلوات في كاودا ما زالت قائمة ، كأن الصلاة فيها هي اخر الاماني لهم ، ولا مكان طاهر للصلاة الا في هذه ( الكاودا) العصية علي السجود والتركيع في عهد اسلاميو بني الانقاذ ، ما ذنب الاهالي ان لا  يقيموا سرادق عزاء للابناء المساكين في مدينة بورتسودان الساحلية ، يقضي قادة النظام اوقاتهم الجميلة علي الساحل للترفيه  ، والمتعة واكل السمك باسعار الدولار ، ويحرموا الاخرين والثكالي من البكاء فقط والتعزية بسعر الجنيه السوداني  المتسارع في الهبوط كل يوم  ، والبكاء في السودان له ضريبته الوطنية القاسية جدا ، ومن اراد ان ينتبح عليه ان القيام بذلك سرا ، وليس علي العراء والهواء الطلق، فالعراء للتبرز فقط ..

ومن قتلوا في جنوب طوكر في التسعينيات ، لم يبكي عليهم الا من صاحب الوجيعة ( بس) ، هذا يعني ان ماتوا هناك ماتوا ( ساي ) مع الاعتذار علي اسر الضحايا ، جهاز الامن هو من اضطر الاخرين لكتابة هذا ، هم لا يعنون له شيئا ، الا ما كان مانعا لقيام سرادق العزاء ، وحتي لا تنكشف مسرحية الصيف الحاسم امام الجمهور الذي يترقب مشهدا واحدا للنصر المزعوم ، ولا يريد ان تعرف بقية الاسر ان ابناءهم تركوا جرحي وقتلي علي الارض ، وهي تهرج في الاعلام ان النصر قادم لا شك الا في قلوب المرجفين ، والطابور الخامس وحدهم ، لا نصر اذا ، ولا صيف حاسم اذا ، ولا صلاة في كاودا ، هم منعوا العزاء للضحايا في الحرب ، فكيف يحققوا نصرا ، اليس هذا عارا عليهم في المقام الاول ، والخوف من قيام العزاء ، هو مصاحب لهبوط معنويات المليشيات المقاتلة ، او المأجورة كما يقول الكثيرون من قادة الحركات المسلحة والاحزاب السياسية ، وبسبب نقدها للمليشيات تعرض قادتها للاعتقال والسجن ، والتهديد ثم الملاحقة ، ان العزاء قد اقيم يوم ان كذبت السلطات انها ضباطها الذين اسرتهم حركة العدل والمساواة في دارفور ، قد لقوا نحبهم ، وقالوا لاسرهم انهم استشهدوا ، هم لم يستشهدوا ، هم اسري لدي الحركة ، وصرحوا بذلك في فيديوهات مسجلة في موقع حركة العدل والمساواة الالكتروني ، بماذا سترد الحكومة علي الفيديوهات لاسرهم ، الا ان تصفهم بانهم طابور خامس ، وهذا مستحيل .. لا يكترث الامن اطلاقا لاصوات امهات ضحايا بورتسودان من قوات الدفاع الشعبي ، وهي معروفة بمليشيات تمارس عملها العسكري الان تحت غطاء القوة الجبرية الدعم السريع ، لا سرادق عزاء اقيمت في المدينة  من اجلهم ، ولا كاودا الاستراتيجية اقيمت فيها الصلاة ، لا صلاة ولا عزاء ، كيف تفهم هذه الرسالة الامنية ؟ ، انها الخسارة اذا . لكم منا الحزن المشترك بيننا في وطن يرفض ان نحتفل ، ويرفض ان نعزي ايضا ، اذا ماذا نسمي ذلك ؟؟..
ishaghassan13@gmail.com

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.