أحمد حسين آدم لـ” لصحيفة القارديان” :لماذا أشاح العالم ببصره عن الموجة الجديدة للإبادة الجماعية في دارفور؟

أحمد حسين آدم
ترجمة: د. صلاح إبراهيم عمر

يمثل عام 2015 مرحلة جديدة في الإبادة الجماعية الجارية في دارفور.
فبينما يحتفل العالم بالسنة الجديدة، تسبب الرئيس السوداني عمر البشير،
وميليشيا الجنجويد، في سفك المزيد من الدماء في دارفور. فقد تعرض مواطنون
في شمال دارفور منذ الثالث من يناير إلى حملات الأرض المحروقة الجديدة.
ومن الواضح الآن أن حرب الإبادة التي أودت بحياة نحو أربعمائة ألف شخصا،
وتشريد ما يقرب من ثلاثة ملايين، تشهد مرحلة جديدة ومدمرة.
وقد أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوشا) في يوم 6
يناير أن 115 قرية إما أجليت، أو سويت حرقا بالأرض في المنطقة.
فالجنجويد، المعروفون باسم قوة الدعم السريع، قد نفذوا هجمات برية
بالتنسيق مع القصف الجوي للقوات الجوية السودانية.
ووفقا لأرقام أوشا فإن حملة الأرض المحروقة أدت إلى قتل العشرات من
المواطنين الأبرياء وموجة نزوح كبير تقدر بأكثر من تسعين الف نازح . فمنذ
ديسمبر كانون الاول عام 2014 اجبر المهاجمون النساء، والأطفال، وكبار
السن، على ترك قراهم بدون أي شيء يعيشون او يقتاتون عليه، فالقوات
المهاجمة تنهب كل شيء يخص المدنيين – حتى الدجاج الخاص بهم. ومن الواضح
الآن أن الجنجويد، وقادتهم في الخرطوم، ينفذون استراتيجية الإفقار ،
والتجويع المتعمدة، ضد جماعات إثنية بعينها في دارفور. وقد انضم العديد
من المدنيين الذين فروا من الهجوم الجديد إلى أقاربهم في أمكنة قريبة من
معسكرات النازحين، والتي هي بدورها مكتظة تماماً، وتفتقر بشكل حاد الي
الغذاء، والماء، والدواء، والمأوى. لذلك فر الآن الغالبية إلى مناطق في
جميع أنحاء جبل مرة، ويعيشون هناك بلا طعام، أو مأوى، سوى الأشجار،
والعشب.
إن الهجوم المستمر هو امتداد للحملة العسكرية الصيفية التي أعلنها
النظام. فاللواء عبد الرحيم محمد حسين وزير الدفاع السوداني (هو من الذين
أصدرت المحكمة الجنائية الدولية الي جانب رئيسه البشير مذكرة اعتقال في
حقهما لمسووليتهما و اخرين في الجرائم الدولية في دارفور) والجنرال
محمد عطا، مدير الاستخبارات الوطنية، وأجهزة الأمن والمخابرات، والعميد
حمدان حميتي، القائد الميداني لقوات الجنجويد المعروفة بقوت الدعم
السريع، قد أعلنوا مرات عديدة أن هجوم هذا الصيف سيكون ساحقا للحركات
المسلحة في دارفور، وذلك قبل إجراء الانتخابات في أبريل المقبل.
لكن النظام يدرك جيدا أن الحركات المسلحة إلى حد كبير لم تكن موجودة في
المناطق التي تتعرض للهجوم الحالي، إذ هي تنتشر في الغالب على طول
الحدود مع جنوب السودان، أو في ولاية جنوب كردفان، وهي منطقة حرب أخرى.
وربما شجع عدم وجود الحركات المسلحة النظام على تنفيذ حملة الأرض
المحروقة الجديدة، بلا خوف من أي أعمال رد دفاعية عن المدنيين.
وعلى مدى العقد الماضي كانت الحركات المسلحة هي الوحيدة التي تقدم
الحماية لأهالي دارفور، وذلك في ظل فشل الأمم المتحدة، وبعثة حفظ السلام
المشتركة في دارفور (يوناميد)، بشكل ذريع في حماية المواطنين. ومع تخلي
الهيئات الدولية عن مسؤوليتها، وانتشار الحركات المسلحة في أماكن أخرى،
وجد الجنجويد الفرصة لممارسة فصل جديد من الإبادة الجماعية في دارفور.
ولكن هناك عوامل اقتصادية كان لها دور أيضا. فقد خسر السودان اكثر من
75٪ من ميزانيته التي كانت تعتمد علي عائدات النفط بعد انفصال جنوب
السودان، لذلك يعاني السودان الآن صعوبات اقتصادية هائلة. فصارت دارفور
الغنية بالنفط، والذهب، والمعادن، تقدم فرصة لحكومة البشير التي تنوي
إفراغ الإقليم من أهله تحت الإبادة الجديدة لاستغلال موارده الهائلة.

كذلك يستند تجدد الحملة العسكرية للنظام السوداني في دارفور على دهاء
الحسابات الجيوسياسية. فالبشير يعتقد أن المجتمع الدولي، وخاصة الولايات
المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، تضع أنظارها الان على الحرب ضد تنظيم الدولة
الإسلامية (داعش)، ومنظمات إرهابية أخرى. أما البلدان المجاورة مثل جنوب
السودان، وليبيا، وتشاد، مشغولة إلى حد كبير بمشاكلها الداخلية، فضلا عن
صعود بوكو حرام، وهناك غيرها من الجماعات المتطرفة في منطقة الساحل
والقرن الأفريقي. ولذلك فمن المرجح أن حركات المعارضة المسلحة في دارفور
لن تكون قادرة على تلقي الدعم اللوجستي العسكري من اي طرف إقليمي ، ذلك
الدعم الذي قد يحد من الانتقام العسكري لنظام البشير.

رهان البشير علي صمت المجتمع الدولي ازاء هذه الجرائم جعله كأنه يبدوا
صحيحا، فعلى الرغم من الهجوم المروع على المواطنين في دارفور لم يكن هناك
رد فعل قوي، أو استجابة من الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، أو لاعبين
دوليين آخرين. ومرة أخرى، فشلت قوات حفظ السلام ليس فقط في حماية
المواطنين، ولكن أيضا فشلت في فضح المجازر المدنية الجارية، وانتهاكات
القانون الإنساني الدولي في دارفور. وللأسف أنه على الرغم من تجدد أعمال
العنف فقد أفيد أن قيادة عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام قد رضخت لضغوط
متزايدة من الخرطوم لتقليص قوة يوناميد في دارفور.

إن المرحلة الحالية للإبادة الجماعية الجارية في دارفور هي جزء من
استراتيجية أكبر لفرض الحلول العسكرية للأزمات السياسية في السودان. كما
يجري إخضاع منطقتي جنوب كردفان، والنيل الأزرق، لحملة عسكرية مماثلة،
بينما قوات النظام تحاول يائسة التقدم على معاقل الجيش الشعبي الرئيسية
فحملة من القصف الجوي على السكان المدنيين لا تزال مستمرة في جنوب
كردفان. فالبشير لا يمتلك حلا سياسيا لأزمات السودان. لذلك سيناريو
الحرب الشاملة، وانهيار الدولة السودانية، هو النتيجة الأكثر ترجيحا، اذ
ان مواطني أقاليم دارفور، وجنوب كردفان، والنيل الأزرق لن يرضوا بهذا
الذل، والاضطهاد، دون دخولهم في مرحلة جديدة من النضال المسلح. وعليه فمن
العار على المجتمع الدولي أن يراقب مرحلة جديدة ومروعة من الإبادة
الجماعية التي ناهزت زهاء الاثني عشر عاما، تتكشف مع الصمت التام. ونرى
أن عدم الرد الإقليمي، والدولي الحالي، قد شجع البشير لمواصلة عمليات
القتل الجماعي هناك. إن مدني دارفور ليسو أقل قدرا من السوريين. فالحق في
الحياة هو حق عالي أساسي غير قابل للتصرف او الانكار. وما دام أن المجتمع
الدولي قد فشل حتى الآن في إجبار البشير على وقف قتل المواطنين في دارفور
فإنه يجب أن يمد شعب دارفور بالسلاح والخدمات اللوجستية للدفاع عن
أنفسهم. ويجب أن ييتخذ هذا الإجراء على وجه السرعة. الآن هو الوقت المناسب.

احمد حسين آدم

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.