هل فقد د.الواثق الثقة في التغيير الحتمي؟

هل فقد د.الواثق الثقة في التغيير الحتمي؟
صلاح شعيب
بذل الدكتور الواثق كمير عصفا ذهنيا واضحا في ورقته الأخيرة المعنونة بـ (إلى قوى التغيير: هل نعيدُ اختراع العَجَلَة؟). وكتابة الواثق دائما محرضة للجدل. وربما قد لمح الدكتور ركودا في الجانب المعارض، وركوضا لقوى الظلام نحو إكمال مشروعها الذي حرم الآلاف من العقول الأكاديمية الكبيرة – مثل عقل الواثق – والتي لا تكتفي بمجهوداتها الأكاديمية فقط، وإنما تقدم المصلحة العامة على مصالحها الخاصة. وتفكير الواثق الذي وسمه بنفسه بأنه “خارج الصندوق” إنما هو قد تخلق من عمقه. فهو لا مناص محسوب على حركة التغيير التي ما برحت تصارع أمواج السلطة المستبدة. وما يمارسه كاتبنا من نقد نحو هذه الحركة الدؤوبة هو بالكاد يعد بأنه نقد النقد المطلوب بإلحاح في إطار من الاعتراف بأن لا سبيل لهذه الحركة إلا المزيد من النقد الجرئ. ذلك ما دام أن المثقف مثله مستبصر للمصلحة العامة لدعاة التغيير، وللقطر الذي تكاد مقل الواثق الحساسة ترمق نذر انزلاقه إلى مخاطر “الفوضى الخلاقة” في حال تقاعس دور المثقفين.
ويحمد لكاتبنا، بوصفه أكاديميا مسيسا، أو العكس، أنه ظل يسهم في طريق ثالث للمثقف المنتمي للمجتمع، لا لسلطاته المستبدة هذي. إذ هو بالضرورة مثقف بحاجة إلى الاحتفاظ بمساحة نقدية بينه وبين من يقاسمهم هدف التغيير المجتمعي النبيل. وآنئذ فالمثقف هو الشاهد بحق، لا المتواطئ بحنق. ولا بد أن الدكتور الواثق ساءه الوضع الذي ترزح فيه جيوب المعارضتين السلمية، والعسكرية، وعدم قدرتهما على قلب الطاولة على النظام القائم في البلاد، ومن ثم استرداد الديموقراطية بالشكل الذي ينجز البناء الوطني الجديد الذي تصبوا النخب، والقواعد، إلي أن يكون عادلا، ومساويا، للسودانيين كافة.
والورقة المعنية هدفت إلى نقد تكتيكات المعارضة، وتفكيكها، والإتيان ببديل متمثل في ضرورة التوجه إلى التفاوض مع النظام، حرصا على وحدة القطر، وردما لفجوة عدم التجسير بين المعارضتين وبين قواعدهما المتفرقة في الشسوع السوداني. وهكذا دخل الواثق بمنجله إلى حقل المعارضة، إذ لا ينكر إلا مكابر أنها بحاجة إلى قدر من التفعيل الجديد في ظل ضعفها في استغلال ثغرات النظام الثابتة، وكذلك التي تلوح بين الفينة والأخرى، ومن جهة ثانية لا خلاف أيضا مع الواثق في أن المعارضة بحاجة إلى تقريب وجهات نظرها، والخروج عن شراك النظام لشغل القوى السياسية بأجندته الاحتيالية القائمة على توظيف عنصر الزمن.
ولكن كما نعلم أن تقريب شقة الخلافات قد تبدت في اتحاد المعارضة المركزية في كيان يحقق الأدنى من التطلعات الآيديولوجية، والثورية، وكذلك الحال بالنسبة للمعارضة العسكرية. ومع أن هناك خلافات بائنة وسط الكيانين، ووسط مؤسساتهما ذاتها، في تجاوز بعض النقاط الخلافية إلا أن البون مايزال شاسعا بين المعارضتين، وهما يسعيان إلى احتواء تلك النقاط، وتجسير العلاقة السياسية بينهما. وهذه الخلافات أمر طبيعي برغم أن بعض المراقبين يستنكر حدوثها أكثر من تفهم دواعيها الموضوعية. وحتما أن هذي الدواعي متصلة بطبيعة معاناة المعارضة المستمرة ـ طوال عمر الديكتاتوريات ـ من غياب الاستقرار، والتطور، والمراجعة، وفوق ذلك تعاني من ضمور التحجيم لذاتية قادتها احيانا كثيرة. ومع ذلك لاحظنا أنه لم تتوقف المجهودات من جانب عناصر التحالف، والثورية، للوصول إلى منطقة وسطى، آخذين في الاعتبار الضغطين النفسي، والأمني، الذي يمارسه النظام نحو قيادات التحالف للابتعاد عن أي محاولة لذلك التقارب مع الثورية.
فضلا عن ذلك فإن الواثق يدرك، لا بد، أن المعارضتين تضعان في اجندتهما ليس فقط أهمية تقاربهما، وإنما أيضا السعي إلى تقريب وجهات نظر السودانيين جميعا لمعالجة ما هو حادث من تعثر في الوصول للنهاية المنطقية للعراك السياسي، والاحتراب المؤجج. ويبقى من الظلم عدم الاعتراف بأدبيات المعارضتين، ومحاولتهما عبر الجهد الفكري المكتوب. وكذلك التصريحات الشفاهية، والندوات المتعددة الموضوع، والتي لا تحصى، وكلها تعالج، في ظروق قاسية، مسائل التغيير، ومستقبل البناء الوطني. ومن الممكن القول إن هناك خلافات في نظرتنا لهذه الأدبيات المتراكمة. ولكن من غير المنصف تجريد هذين التيارين، خصوصا الثوري، من قدرتهما على تقديم رؤى فيما يتعلق بتوصيف الأزمة، والحلول الموضوعة لها، وكيفية تنفيذها. ولقد كان بعضنا يظن أن الحركة الشعبية إبان حربها تفتقد إلى رؤية إزاء كيفية حكم البلاد إلى أن أثبتت الأيام بوار ذلك التوقع. واتضح لاحقا أن للحركة مشروعا مميزا للتغيير، غير أن القيادات الشمالية أحرجها أن يتقدم شخص (مسيحي – جنوبي) صفوف القادة الوطنيين، ويقدم طرحا لحل مشاكل السودان لم تتوفر عليه تلك القيادات. والتي ظنت أن تجربة الحركة الوطنية هي الأجدر بإبراز قياداتها المجربة من عشائرها وحدها، وأفكار ممحصة عبر حراكها.
ويعتقد المرء هنا أن الاستهانة بتصورات المثقفين، والاكاديمين، المنتمين للحركات هو تصور خاطئ عما هو عليه حال البدائل السياسية المتقدمة المطروحة. والآن نخشى أن يكون الواثق الذي كان قد قدم اسهاما مقدرا في فكر الحركة الشعبية أن تكون قد اصابته غشاوة مركزية دون النظر إلى مجهودات الحركات المسلحة التي تضم الآلاف من الخبرات السودانية في كافة المجالات، وهناك كثيرون زاملوا نشاطه في المجال السياسي، والأكاديمي، ولهم أفكارهم المتقدمة، وقراءاتهم المتوازنة للخارطة السياسية، ويملكون مشروعا لمستقبل الحراك الثوري السوداني.
إن الواثق يراهن على إمكانية الحل السياسي، ولعله هو أولوية قصوى للقوي السياسية، وللذين يعرفون تفاصيل فاتورة الحرب، وهذا أمر وثقته نيفاشا، وعضده المكتوب في الأدبيات السياسية للمعارضتين. ولكن بمثلما أن الواثق يشير إلى عدم وجود آليات لإسقاط النظام عبر المعارضين سلميا، وعسكريا، فهو أيضا لا يفذلك لنا أفكاره عن الآليات الموثوقة، والعملية، التي يمكن من خلالها الالتقاء مع النظام للتفاوض معه عبر منبر محدد، هذا إذا تجاوزنا أمر غياب جديته. ولا اعتقد أن شخصا بتجربة الواثق، ووعيه، يتجاهل العديد من الاتفاقات التي وقعتها المعارضتين مع النظام، غير أنه هو البادئ بإجهاضها. بدءً من اتفاق نيفاشا الذي تم نسفه منذ أيامه الأولى، ومرورا بالاتفاقيات التي وقعتها القوى السياسية التقليدية معه في القاهرة، وجيبوتي، وأديس أبابا، والخرطوم، ونهاية بكنانة التي شهدت حوار النظام مع حزب الأمة. ولعلنا إذا أمعنا النظر إلى شكاوى الاتحادي الديموقراطي الأصل الآن فإننا سنتيقن أن النظام استخدمه تابعا له، وليس شريكا في اتفاق وطني مثمر كما قد اشيع. أما على صعيد الحركات المسلحة فالنظام أصلا يدخل معها باب التفاوض بأمل تدميرها، والالتفاف على مطالبها بعد دخول قادتها، وكوادرها، البلاد. ولا يسعى النظام البتة عبر التفاوض إلى معالجة جذور المشكلة من خلال هذه الاتفاقيات، وإنما بالغ غايته الانتهازية دائماً تعطيل حركة المعارضة المسلحة. ولسنا في حاجة للاستعانة بما نصت عليه اتفاقيتي ابوجا، والدوحة، وأديس أبابا، من استحقاقات ما يزال النظام يراوغ في تنفيذها، ويسعى إلى التغلب على أماني قادتها، واستقطابهم، بالمال، والرشاوى. ولعلنا ندرك تجربة المفسدين من الحركة الشعبية، قطاع الشمال الذين جعلت منهم شهود زور أمثال تابيتا بطرس، ودانيال كودي، وآخرين.
أننا لا نختلف مع الواثق نظريا أن الحل السياسي المتراضي عليه يوقف أنهار الدم، ويوفر طاقات المجتمع المتبقية لإعادة البناء، ويرتق النسيج الاجتماعي، ونتجاوز به نذر انهيار الدولة. ولكن تكمن المشكلة عمليا في أن الحكومة، اعتبارا من تجربة نيفاشا، ظلت إقطاعية خاصة بكوادر المؤتمر الوطني. بل إن قادة الحركة الشعبية أنفسهم، أيام نيفاشا، قد تعرضوا إلى الابتزاز حتى توفي الحكومة بما وافق عليه حزبها. وشهدنا كيف أن قادة الحركة حوصروا بالاعتقال، والحبس، وتضييق الحركة، برغم ما كان للحركة من قوة رمزية، ودعم دولي.
إن أي حل يفهمه النظام القائم هو الإبقاء على دولة الحزب الواحد، وليس دولة المجتمع التي تساوي بين طوائفها السياسية، والآيديولوجية، والمذهبية، والثقافية، والإثنية. وهذا هو من جوهر الأسباب التي دعت النظام إلى النكوص عن اتفاقياته التي وقعها بسبق إصرار على عدم تنفيذ بنودها. وإذا اخذنا في الاعتبار الجرائم التي اتهم قادة النظام بارتكابها فإنهم يوقنون بأن أي اتفاق يوقعونه لن يحقق المحاسبة التي لا يوليها الواثق اهتمامه. والمحاسبة تعني الكثير لقطاع عريض من المواطنين الذين تضرروا طوال هذه الفترة. ولا يمكن تجاهل غبنهم الذي سينزاح عند إقامة فسطاط العدل حتي ينخرطوا بروح معنوية شافية لدعم التغيير. بيد أنه بدهيا لا يوجد نظام شمولي في هذه الدنيا يقدم قادته قربانا للتغيير السلمي ضده. ولا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يتنازل عن (مكتسباته الآيديولوجية، والاقتصادية) حتى يتساوى هكذا مع تيارات آيديولوجية استهدفها نظريا، وعمليا. إذن كيف يمكن الاستوثاق في هؤلاء القادة الذين يحسب المعارضون أن اياديهم ملطخة بالدماء إذا رغبت قوانا السياسية بحسن نية في الحل السلمي؟، وكيف تكون الضمانات العملية حتى لا يعيد الناس تجربة نيفاشا التي ضمنت للجنوبيين الانفصال بينما تصاعدت محارق الأزمة؟. وربما يقول الواثق إن واجب القوى السياسية إن تخلت الحكومة عن توفير ضماناتها هو الرجوع إلى موقفها المعارض. ولكن هل يمكن أن تقبل السلطة بضمانات للحركات المسلحة، والتي حتما لن ترضى باستفتاء على غرار ما حدث للحركة الشعبية في ما تعلق بالمنطقتين؟.
إن الضمانات وحدها، من جهة أخرى، لا تكفي ضمن ضرورات البناء الوطني، وإنما يكفي توفر الإرادة الوطنية الصلبة. وكما دلت تجربة نيفاشا، فالنظام حصل آنذاك على ضماناته قبل الحركة الشعبية. فهو كان في حل عن نقاش اي بنود تدعوا إلى تفكيكه، وبالتالي اكتسب وقتيا بعض شرعية دولية، وإقليمية، ومحلية. ولم يكن النظام بطبيعة الحال حين وقع على نيفاشا يفكر في ضمانة للإبقاء على جنوب السودان ضمن حدود البلاد الإدارية، ذلك إن كان قادته أصحاب مبدأ في موقفهم نحو الجنوب الذي ابتلع الآلاف من مجاهدي الحركة الإسلامية خصوصا.
لقد ظل الواثق بحرصه الوطني الذي نحسه بين سطوره في كتاباته الأخيرة يخشى أن تنتهي الدولة إلى حروب أهلية أكثر مما هي عليه، وينفرط عقدها تماما، ومن ثم تغدو مجالا للحروب المستمرة بين مكوناتها، وربما تصير موئلا للأرهاب الإقليمي، والدولي. والحقيقة أن الحرب الأهلية التي كانت بين الشمال والجنوب تحمل نذرا للوصول إلى وضع السودان الشمالي الآن، المنهار أمنيا في هامشه، والمتخبط اقتصاديا في مركزه. وذلك بسبب تعنت القادة الشماليين، وليس قادة الحركة الذين كانوا فقط يرنون إلى إيجاد حل مرض إلى أن فرض المجتمع الدولي اتفاق نيفاشا على الطرفين. وهذا التعنت الذي تواصل والتف على حقوق (المنطقتين) هو المسؤول عن ما آل إليه الوضع فيهما الآن، وفي دارفور، وأثر على كل مناطق البلاد. فإذا كان هناك حرص وطني من قادة الشمال الحاكمين على عدم تكرار تجربة انفصال الجنوب فواجبهم هو إظهار الجدية في الحل السياسي، إذا كان هذا ممكنا، أكثر من جدية المعارضتين اللتين تتعرض قواعدهما، إلى القمع، والقصف.
وفي ظل غياب هذا الحرص الحكومي المستبدل بالتعنت يظل تخوف الواثق المفهوم، وغيره، مشروعا. ولكن يقابله أيضاً الأمل من المعارضين في مستقبل أفضل عن طريق وسائلهما في مواجهة النظام، وتغييره. ذلك ما دام أن اقتراح الحل السلمي قد ظلت آليات تحقيقه الناجعة مفتقدة طوال الخمسة وعشرين عاما. ولا نظنها تتوفر عبر جلسات التفاوض بين النظام وأضداده. فمهما توصل الموقعون مع النظام إلى توليفة عبر الضغط الدولي، ورعايته، فإن الاتفاق سيكون مساحة مؤقتة لهدنة تظل فيها الأوضاع كما هي، وإذا تم نقضه سيكون النظام أسوأ من ذي قبل، وبعدها يبدأ الخوف الحقيقي من انهيار البلاد إن لم تكن قد انهارت ساعتئذ. إذن فإن التفاوض ذاته إن لم يكن مبنيا على رغبة حكومية فإنه يمكن أن يكون دفعة في طريق المزيد من التردي. وهذا ما حدث في دارفور، إذ عادت الأوضاع إلى أسوأ مما هي عليه بعد توقيع اتفاقيتي ابوجا، والدوحة، فيما صار النظام أكثر شراسة عبر قواته النظامية، ومليشياته المتهمة باستباحة الأرض، والعرض، في اكثر من منطقة. وعلى صعيد المركز فإن اتفاق نيفاشا لم يحقق شيئا للقوى السياسية التي دخلت البرلمان حتى إن انقضت السنين الستة عزم النظام على توظيف قوته المطلقة للبطش بالقوى السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، فيما أوصلت أجندته التوسعية البلاد إلى هذا التردي المريع في كل مجالات الحياة.
إننا نثمن مجهودات الواثق التي قصد بها تبيان رؤيته إزاء ذلك الركود الذي بدا في واقع المعارضة ما حمله للمطالبة باتخاذ الحوار مع النظام وسيلة للخلاص من التردي الوطني. والثابت أن تغيير الأوضاع في البلاد من أجل تحقيق الديموقراطية، ومعالجة الأزمات التاريخية، لا ينجز فقط بحراك القوى السياسية. فجماع الإرادة الشعبية هو العنصر الفاعل في تحديد مستقبل البلاد، وذلك ما لمسناه في ثورتي أكتوبر، وأبريل، وأخيرا انتفاضة سبتمبر التي لم تحركها المعارضتان المذكورتان، ولم تشارك فيها قياداتها، وكوادرها جميعها، وكادت أن تنجز التغيير لولا البطش المتناهي لقوات النظام. ولعله من المهم إيلاء الاهتمام بحركة الشعب في قطاعاته كافة، والتي هي العنصر الفاعل، والحاسم، في تحديد مصير الأنظمة الشمولية. ومهما كان تركيزنا على المعارضتين باعتبار أنهما هما اللتان أولى، وأنجع، في إحداث التغيير فإن منظمات المجتمع المدني، والحراك الحر لغالبية المواطنين، وناتج كل هذا الضغط المجتمعي على النظام، هي عناصر متشابكة يمكن أن تقلب كل التوقعات، وتفرض شكل التغيير المطلوب. وهذا ما نراهن عليه في ظل الاستنزاف الذي تواجهه الحكومة من المعارضة العسكرية، وعدد من القوى السياسية، وقبل ذلك من سياساتها نفسها، والتي تحمل بذرة فناء الاستبداد مهما طال.

 

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.