الضحك على سكرات السلطة …

الحب طاقة لا تستطيع القوة الأمنية محاصرتها …

تقاوم حبيبتي سلطة اللاوعي تدك رمزية السلطة و تلعن الحرب …

يوما ما سأعطيك قلادة تجسد كوني لا شيء بدونك …

أربعة ليالي مضت و أنتم هناك في زنازين السلطة , لا ندري هذه المرة إن
طور جهاز الأمن السوداني أدواته في حماية السلطة أم أنهم مازالوا يراهنون
علي أساليب الإغراء و التخويف ( التعذيب الجسدي و النفسي ) و توجيه تهم
التخوين و العمالة و مراهنتهم على الوصفات العنصرية الجاهزة . و لكن ما
أعرفه أنكم تعبرون عن مبادئكم , بل حلمكم هو ما يدفعكم في إتخاذ مثل هكذا
مواقف , و مواجهة هكذا نتائج . و أعرف أيضا أنكم لستم بشذاذ أفاق كي
تقرروا فعل التخريب والبلطجة (حسب تهم رموز النظام ,ديل عايزين يعملوا
بلبلة…) أو كما قال أحدهم (مش شوية شذاذ آفاق …) , و الغريب في الأمر
جميعهم يتحدثون عن تحديات تواجهة البلاد مثل المؤامرة (ياخ خلاص مافي
مشكلة بس ممكن تواجهونا كشعب و تكشفوا لينا طبيعة المؤامرة الضدنا عشان
كلنا نحمي البلد مش بلدنا كمان ) أو دعاوي الحفاظ على وحدة الشعب ( برضوا
مافي مشكلة ممكن تحكوا لينا عن طبيعة وحدة الشعب العايزين تحققوها و كيف
نحقق الوحدة دي في ظل الحرب و الإنهيار الإقتصادي و الإجتماعي و
الأخلاقي مش دي نتائج تجربة حكمكم لمدة 25 سنة ) .

قبل أسبوع من الآن أوقفنا شخص يتبع للشرطة الأمنية في أحد شوارع المدينة
مستفسرا ما إذا كنت ذلك المتهم الهارب من قسم شرطة الديم النور بالقضارف
و وجه لي الكثير من الأسئلة على شاكلة (إسمك منو ؟ جنسيتك شنو ؟ في
الغالب حينما تسأل عن الجنسية في السودان لا تذهب بعيدا فأنهم يعنون
القبيلة , ساكن وين ؟ البت المعاك دي منو ؟ شغال شنو ؟……..) و بعد أن
أخبرته بأني فلان و عاطل عن العمل و تحدثنا قليلا عن الجريمة و المجتمع و
دور الشرطة . قال لي بالحرف الواحد نحنا متابعين إنتو بتعملوا في شنو , و
هسي أنا من موقعي (كشرطة أمنية كان ممكن أتجرجر معاكم و أتم بيكم شغل بس
عشان الكلام القلتو صحيح أنا بخليكم تتخارجوا) , شكرناه أنا و صديقتي و
حمدت الله كثيرا لأنه لم يكن من أفراد جهاز الأمن . غادرنا المحطة أنا و
هي و كنا نتحدث عن ضرورة الإحتفال بعيد ميلادها الثاني و العشرون و أنا
أحاول أخفاء إحساسي بصعوبة الإحتفال نسبة للتزامن الشديد بين تاريخ
ميلادها و تاريخ هبة سبتمبر و إفترقنا و بعد يومين بدأت حملة الإعتقال
الواسعة بالمدينة (تحسبا من الحكومة حسب تصريحات نوابها البرلمانيين
بأنهم لن يسمحوا بإعادة إنتاج سبتمبر) و هذه المرة تم القبض بطرق أكثر
إثارة (لربما تعبر عن مدى تخوف النظام من هؤلاء الشباب المثقلين بهموم
واقعهم و مصيرهم ) هذه المرة سلك جهاز الأمن سلوك شرطة النظام العام (هي
شرطة مهمتها القيام بالكشات لستات الشاي و الأماكن المشبوهة وفق تقديرات
السلطة و هي شرطة لتخويف المجتمع ) و قاموا بمداهمة أماكن القهوة و
التجمعات الشبابية و المحطات (هذه الخطوة تدل على أن شباب المقاومة
المدنية يخطون خطوات مؤثرة و تشكل خطرا كبيرا على نظام الخرطوم ) و ضحكت
كثيرا على كلام السيدة البرلمانية (مافي أي إعتقالات !!!) .

منذ يوم 22 سبتمبر لم ألتقيها و لكن أهديها اليوم التهاني بمناسبة عيد
ميلادها و نتمنى مولد وطن يسع الجميع و هنا تصلح عبارة نرددها كثيرا أنا
و أنت و هم (يا ريلة ست الفرقان….) أن تزين وشاح الإحتفال و إن قررت
الظروف أن نحتفل بطريقة مختلفة هذه المرة .

الخوف حبيبتي هو ما يريده النظام لنا و هو أن نصاب بعقدة (هوس الأمن) و
نظل مقيدين في إنتظار فسحة العيد والهروب إلى الإسكندرية توطئة عبور
البحر إلى مجهول آخر , أنهم يريدونا أن نحيا هكذا بلا جدوى نصارع المجهول
كي يحققوا حلمهم (لربما حقيقة السلطة تريد إسقاط أو تغيير الشعب و في
الحالتين النتيجة واحدة) , و لكن كما تعرفين حياتنا بلا جدوى في حال
تجردنا من الإحساس و الإنتماء و تدركين أن الخلل الناتج من عدم الإتزان
بين ماهو مهم للروح و ما هو ضروري للجسد (إختلاف معادلات الحوجة وفق
معطيات التركيبة البشرية) قد يدفع البعض في إتخاذ مواقف في حالات كثيرة
تؤدي إلى نتائج سالبة للفرد و المجتمع و الدولة و ليس سمة من خيار أمامنا
سوى إعتلائنا و سمونا على الآم لنتخذ من القيم العليا قوانينا تقودنا في
لحظات الصراع الدامي و نرسم عبرها خارطة الوطن الجديدة طالما لن نفكر
يوما أن نلغي إنتمائاتنا الذاتية و الإجتماعية و الموضوعية و ببساطة أكثر
إننا كي نحيا في أمن و سلام و كرامة يجب علينا التفكير في كيف لنا أن
نأتي بالسلام و الأمن و هذا يحتاج منا أن نهيئ ذواتنا لدفع ثمن الموقف من
أوجاع و تعذيب و تصفيات فالحياة قصيرة فلنعيشها من أجل قيمنا العليا و
هذا خير من أن نفكر في الهروب من أجل الكرامة . و الكرامة مبدأ تحققها
معنى أن تكون مستقلا و هذا يعني من خطواتها المواجهة و ليس الهروب , و
هكذا الحب أيضا يحتاج منا مواجهة قوانين كثيرة ضده . و هنا نقول أننا لا
نريد حبيبتي القيام بعمليات نفي لمن أراد أن تقيده قوانين السلطة القديمة
(الموروث الإجتماعي – العنف الإيدلوجي- عنف السلطة) بل نبحث عن إقرارهم
بأن نكون ما نريد ..

ربما غد تحتفل السلطة بنجاحها في عدم السماح بإعادة إنتاج سبتمبر و لكن
تتراكم الأسباب الموضوعية و الذاتية في المجتمع نتيجة القمع الزائد و
الإنهيار الإقتصادي و الأخلاقي مما يؤدي إلى تنامي الوعي الجمعي لصالح
الثورة و التغيير بإعتبار أن الثورة تحتاج درجة عليا من الوعي بالوجود
(الذاتي و الموضوعي) و المصير (معادلة الإستمرار في الحياة و التغيير) و
لكنه حفل بطعم الهزيمة لطالما أؤلئك الشباب (رغم عدم إمتلاكهم أودات
العنف و القمع) في الجامعات و في طرقات المدن يهتفون (حرية …سلام … و
عدالة ….الثورة خيار الشعب) . إن إحساسنا بالحرية قوة لا يمكن إنتزاعها
و إن قتلوا منا الألوف و القتل ليست بادرة جديدة في فقه الدكتاتورية و
حديثهم بل يمثل واحد من أكثر الطرق المحببة عندهم و لكنا ندرك تماما أنه
لا أحد يستطيع أن يسلب حياتك (إن لم تكتمل الأسباب الموضوعية و القدرية)
لا أحد , لا أحد .

فعملية الوعي بالظلم في تنامي إيجابي كبير وسط المجتمع بدليل أن أخطاء
النظام و جرائمه يشكل نسبة كبيرة من أحاديث عامة الشعب اليومية (في
جلساتهم في المقاهي و الأندية و المساجد والكنائس و الجامعات و البيوت و
يحتمل حتى في معسكرات التدريب نموذج الإحتجاجات التي يقوم بها طلاب
الخدمة الوطنية و غيرها). و هذا ما يساعد في إكتشافهم للوجود و المصير
المشترك و نعتبره خطوة مهمة في سبيل المقاومة و البناء و لكن قبل
إشتراكنا في الوجود و المصير المشترك تقودنا قيمنا العليا (أخلاقنا
الإيجابية مثل العفو و السماح و الغفران) و لنا تجربة يمكن أن نراهن
عليها و نطورها تجربة الإدارة الأهلية في فض النزاعات و الصراعات
(الجودية واحدة من أكثر الأدوات فاعلية في عمليات المصالحة و صناعة
السلام في تجربة المجتمعات السودانية و هنا يجب التنبيه على أننا لا ننظر
إليها في ممارستها الشكلية بل نتجاوزها لنكتشف القيم و المبادئ التي
ترتكز عليها مفهوم الجودية لنصنع منها عملية مصالحة شاملة مبني على أسس
الحقيقة , الإعتذار, العفو, التعويض شعاره الخائن الله يخونو). و هنا
يلزم القول أن الثورة عملية شاملة تنتج نتيجة لتراكمات الفعل المضاد و
الوعي مما يودئ إلى هزات قوية في كل أركان السلطة القديمة (إجتماعية –
سياسية – عقدية – فكرية – ….) و ترفع درجات الشك فيها مما يؤدي إلى
تأسيس حركة نقدية شاملة تقدم الحلول و البدائل و تبشر بها (هذه الحركة
غالبا ما تواجه في بداياتها صعوبات على شاكلة الفارق في القدرات المادية
و التخطيطية بحساب الموارد و تدفع نتيجة ذلك ثمن غالي من إستهداف
لعناصرها قد يصل إلى حد التصفية و النفي الممنهج ) و مع إستمرار القمع
تكتسب هذه الحركة خبرة من خلال نقدها المنفتح و تتزود بتكتيكات جديدة و
توسع دائرة تأثيرها و بالتزامن مع حركة الوعي الجماهيري الناتج من خلال
القياس و الظروف الواقعية السيئة تزداد مساحة الفعل الثوري و يكتمل الوعي
الحقوقي بإكتمال إشتراطاته حينها تفقد السلطة صوابها و تقوم بأبشع
الممارسات من قتل و سجن و غيرها و تستخدم كل أدوات القمع و الردع و تبحث
عن صفقات سياسية كاذبة مع القوى السياسية الأخرى (مساومات و إتفاقيات) و
تقوم بإنتخابات صورية الغاية منها التنفيس و الإمتصاص كواحدة من صور
إدارة الأزمات و لكن ذاته الوعي الثوري يشكل الفارق الرئيسي لينتصر الشعب
في النهاية إن أحسنت أجسام المقاومة التخطيط و قدمت من المواقف ما يكسبها
ثقة الشعب .

و بإعتبار أن الأجهزة الأمنية و الشرطية قوتها في أفرادها و الذين هم في
الأساس أفراد في المجتمع السوداني و هذا يعني أنهم يشاهدون نتائج قرارات
السلطة السياسية في الواقع السوداني و أنهم قد يستخدمون في تنفيذ أبشع
صور العنف و التعذيب و لكنا ندرك تماما أن من الصعب جدا أرغام البشر على
فعل الخطأ دوما و أن منسوبي الأجهزة الأمنية محاصرون بقوانيين رادعه
تحاصرهم للأبد في حال قرروا الوقوف ضد ممارسات السلطة (الفصل بدون حقوق ,
المنع من السفر , الرمي بالرصاص , السجن , عزل و المنع من المرتب , الحبس
…..) و كل هذه الأحكام تصدر في الغالب عبر محاكم عسكرية و بالتالي تمثل
في أحايين كثيرة محاكم تفتقد لمشروعيتها في ممارسة سلطة القضاء و الحكم ,
هذه الوضعية تضع أفراد الأجهزة نظامية في تحدي كبير و هنا يلزمنا القول
لتطمينهم أنا الحركة الثورية ليست حركة للتصفية و الإنتقام و لا يمكن
المراهنة في علمية بناء الوطن على الإنتقام , ما نريده حقيقة بناء وطن
يحترمنا جميعنا بإعتبارنا مواطنين و يحفظ حقوقنا و يحدد واجباتنا من حيث
وجودنا الوظيفي في جهاز الدولة (شرطة – جيش – أمن – مؤسسات تعليمية-
قضاء- السلطة السياسية – الإعلام – المؤسسات الإقتصادية …..) , دولة لا
تفرق على أساس العرق أو الدين أو الموقف الفكري أو الإنتماء السياسي ,
تسوده القانون . و هذه وضعية في صالح رجل الأمن و أفراد الشرطة و الجيش و
غيرهم من مختلف فئات الدولة و هذه النتيجة تحقق بشكل أفضل في حال
إنحيازكم للشعب و تعاونكم من أجل التغيير هذا التعاون ليس من إشتراطاته
ترك مؤسسة جهاز الأمن بقدر ما يتحقق عبر إلتزام أدواركم الوظيفية و
الإلتزام بالأخلاق العليا و التي نراهن عليها (مثلا في حال إدراك أفراد
جهاز الأمن أننا لا نبحث عن دولة تهيمن عليها قبيلة أو دين محدد و أننا
لا نسعى للتصفية تفقد مواقفهم المبنية على أسس إنتقائية مبرراتها و ربما
بعدها لا يحرصون على التعذيب و الشتم فقط لأننا لا نعتدي على أحد و يمكن
القول في هذه الحالة أنها بداية عملية الإصلاح داخل جهاز الأمن مثلا و
تحول دوره من حماية السلطة السياسية إلى حماية الوطن والمواطن .و هذا هدف
أسمى ).

بعد أقل من أسبوع إجازة الدولة الرسمية لجميع الموظفين خاصة القطاع
المدني لأعياد الأضحى المباركة و نأمل أن تكون فترة للمراجعة و لنفتح
حواري أمينا داخل الأسر السودانية (حوار بين الأجيال المختلفة الأباء و
الأمهات و الأخوات و الجدات و البنات و الأخوان و الخالات ……) فلنسمه
فرضا حوار الأسرة السودانية لنحدد أشياء أساسية بيننا , مثلا أنا واحد من
الذين يذهبون إلى تحميل جيل أبائنا مسؤلية السماح لنظام الإنقاذ لإستمرار
في السلطة . و ربما لهم مبرراتهم و هم أيضا ينظرون إلينا كجيل غير قابل
للسيطرة مثلا (على شاكلة أولاد الزمن ديل ….) و لنفكك الإنطباعات و
نحصد أكبر نقاط من المشتركات , خاصة مسؤليتنا تجاه الوطن و نحن جيل نعاني
من الضيق الإقتصادي و الحرب و إنتشار الفساد , و ننظر ما أن يقرروا معنا
في مسائل الثورة أم أنهم سيوافقون على خطوات بعضنا كالهجرة مثلا ليعطونا
ما إدخره خلال حياتهم في سبيل المغامرة من أجل تحسين الظروف الإقتصادية و
الأوضاع المعيشية.

و لنستثمر هذه العطلة من موقع مسؤليتنا كشباب بإعتباربنا من أكبر
المتضررين في حال إنهيار الوطن للقيام بمراجعة خطواتنا في المقاومة
المدنية و نجاوب ما إذا كان في مقدورنا أن نعمل سويا ؟ و ماذا نخسر في
حال عملنا وفق إستراتيجية مشتركة بيننا ؟ و لنوسع من دائرة علاقاتنا مع
بعض و لنجعل من عطلة العيد مهرجان حوار أسري من أجل الثورة فالوطن أحق
بالإتفاق .

كمون , وداد , عماد , جيفارا , إبراهيم و نضال جميعهم يستحقون وطن يسوده
السلام كي يعيشوا كرماء و لطالما إلتقيتم و هذا هو السبب لن نحني إلا
خشوعا و لن ننكسر خوفا و لن تسكتنا السياط و بكائنا و دموعنا و صرخاتنا و
صيحاتنا يوما ما نستبدلها العفو و سنبستم معا يوم مولد السلام.
ezzeldein1985@gmail.com

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.