الانتخابات السودانية عام 2010، التي أعقبت انفصال الجنوب، كانت محاولةً ملتويةً للشرعنة، لم تفد نظام الحكم، ولا البلاد، في شيء

النور حمد
14 يوليو 2014
نظام الحكم في السودان الذي يستمر منذ 1989، لا يمثل، على الرغم من الشعارات “الإسلامية النهضوية”، سوى نسخة سودانية من أنظمة حكم الحزب الواحد العربية اليسارية. وهذه، كما نعلم عنها، لم تحقق لا اشتراكية ولا ديمقراطية ولا نمواً أو بناءً للدول العربية يُعتد به. ولربما لزمنا أن نستثني بعض إنجازات التجربة الناصرية التي أخرجت مصر من نمطٍ اقتصادي، واجتماعي، كان أقرب نسباً إلى الاقطاع.

فتجارب حكم الحزب الواحد التي عرفنا في حقبة الحرب الباردة، في مصر جمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك، وفي عراق أحمد حسن البكر وصدام حسين، وفي سورية آل الأسد، وفي جزائر أحمد بن بيلا وهواري بومدين ومن تلاهما، وفي صومال سياد بري، وفي سودان جعفر نميري، وفي دول عربية أخرى، تجارب متشابهة، أفرزت عقود حكمها العجاف ركاماً من الإخفاقات الكارثية، في كل منحى من مناحي الحكم. وبعد عقودٍ كئيبةٍ، أفرزت تلك التجارب الفاشلة هذا الغضب الشعبي العربي العارم، غير المسبوق، الذي انفجر في ثورات الربيع العربي.

يجري انقلاب عسكريٌّ فوقيٌّ، فيسعى إلى شرعنه إمساكه بالسلطة، بإيجاد قاعدة شعبية “مفبركة”. يخترع الانقلابيون حزباً من عدم، بعد أن يقمعوا الأحزاب الأخرى العريقة التي سبق أن تكونت منذ عقود في الحراك القاصد نحو الاستقلال آناء الحقبة الاستعمارية. يتعمد الانقلابيون إفقار تلك الأحزاب، ويضربون قواعدها، ويرهقون قادتها بالاعتقالات، ويحتكرون الآلة الإعلامية الحكومية لأنفسهم، ويجردونها من كل وسيلةٍ، يمكن أن تسمع بها صوتها للجماهير. بل ويضربون أعمالها التجارية، ويجففون مصادر تمويلها بإفقار مسانديها وداعميها، وفي الوقت نفسه، يمولون حزبهم من المال العام الذي يأتي مساهمات من دافعي الضرائب. وحين يحسون بأن الوهن لحق بتلك الأحزاب، يدعون إلى انتخابات عامة، يصمّمون خرائط دوائرها الانتخابية، ويعينون المشرفين عليها من أولي نعمتهم الذين يخدمون أغراضهم، فيسطر لهم أولو النعمة أولئك قوائم ناخبيها.

ثم تبدأ الانتخابات، فتتم ملاحقة مؤيدي الحزب الحاكم، والخائفين منه، والطامعين في الحزب الحاكم، في بيوتهم، فيُساقون إلى مراكز الاقتراع. يتم ترحيل هؤلاء، دون غيرهم من الناخبين إلى مراكز الاقتراع، بوسائل نقلٍ مجانية، يتم دفع كلفتها من مال الدولة. بعد ذلك، يفرز الانقلابيون، ومساعدوهم من التكنوقراط المأجورين، صناديق الاقتراع بأنفسهم، ويعلنون الفوز، زاعمين أن سلطتهم شرعيةٌ، سندتها انتخابات “حرة”، منحهم فيها الشعب ثقته كاملة!
هذا ما ظل يجري، مع اختلافاتٍ طفيفة، في دول عربيةٍ كثيرةٍ، ابتُلِيَتْ بنظام الحزب الواحد. وهو ما سار عليه، حذوك النعل بالنعل، الانقلابيون في السودان؛ خصوصاً نظام جعفر نميري، ثم نظام عمر البشير الذي ظل يحكم، ربع القرن المنصرم، باسم الإسلاميين، ولا يزال. ويمكن القول إن الإسلاميين فشلوا، فشلاً ذريعاً، في أن يقتلعوا حراكهم السياسي، فكرياً ومنهجياً، من وحل أنظمة الحزب الواحد اليسارية. وتضرب تجربتهم في السودان المثل الأكثر سطوعاً في التمسك بهذا الإرث العقيم.

لا يمكن لنظامٍ فرض نفسه على الناس بالقوة العسكرية أن يحول نفسه نظاماً ديمقراطياً، من دون أن يشرك معه الآخرين. طبائع الأشياء تقول عكس ذلك تمامًا. وليس أوضح من مقولة “ما بُني على باطل فهو باطل”. لبس نظام “الإنقاذ” ذو التوجه الإسلامي في السودان جبّة الدولة، فأصبحت الحكومة هي الدولة، وأصبح الحزب الحاكم هو الحكومة والمعارضة في آنٍ معاً، فانمحت المسافة بين السلطات الثلاث، فانهارت المؤسسية، وانطمرت الشفافية، نتيجة تكون شبكاتٍ معقدة من مصالح تحولت إلى كوابح، تعيق الحراك نحو التشاركية والدمقرطة، وسط المجاميع الممسكة بأعنة السلطة والثروة.

تقف هذه الحواجز السميكة، بطبيعتها، ضد أي تحوَّلٍ، يعيد الأمور إلى نصابها القديم؛ أي إلى نظامٍ ديمقراطي حقيقي، تنفصل فيه السلطة التشريعية عن السلطة التنفيذية، ويحرسه قضاء مستقل تمام الاستقلالية، ونظام شرطي مؤتمِر بأمر القضاء ومنصاع لحكم القانون، مع إسنادٍ تطلع به صحافةٌ حرة وأجهزة إعلام لا تسيطر عليها، ولا توجهها الحكومة القائمة.

لم تنجز الحركات الإسلامية المعاصرة أدبياتٍ واضحةً، تؤسس لدمقرطة البلدان العربية. وتمثل تجربة الربيع العربي الراهنة، على الرغم من عثراتها الكبيرة، فرصةً تاريخيةً للإسلاميين، لينظِّروا، ويعملوا في وجهة التحول الديمقراطي، لكنهم، في ما أرى، بقوا أسرى الفكر الديني السلطوي السلفي، وأسرى تجارب أنظمة الحزب الواحد اليسارية التي قمعتهم، حتى خلقت منهم شبيهاً لها؛ بل شبيهاً أشدَّ شراسةً منها في العسف بالخصوم، وفي العجلة على السلطة، وفي الحرص على استدامتها، بغير كبير اعتبار لرأي الخصوم ورأي الجماهير ولقضايا الواقع الضاغطة.

تقتضي المرحلة الراهنة نقلة بارادايمية (هرمية)، خصوصاً في التجربة السودانية التي قدمت نموذجاً منفِّراً لما يمكن أن يكون عليه حكم الإسلاميين. فالبداية الانقلابية كانت خطأً فادحًا في الأساس، يتحمل وزره حسن الترابي، أكثر من أي فرد آخر من الإسلاميين؛ سياسيين وعسكريين. وانتخابات 2010 التي أعقبت انفصال الجنوب كانت محاولةً ملتويةً للشرعنة، من جديد، لم تفد نظام الحكم، ولا البلاد، في شيء. والمحاولة التي تجري، الآن، لإقامة انتخابات جديدة في العام 2015، سير في التيه، واصرارٌ على الضلال القديم.

السودان يحتاج نقلةً، ينفتح بها الباب لشراكةٍ واسعةٍ، تسفر عنها حكومة قومية، أساسها التكنوقراط، بفترة انتقاليةٍ لا تقل عن خمس سنوات. هذا، في تقديري، ما ينبغي أن يسفر عنه “الحوار الوطني”.

في هذه الفترة، تعيد الأحزاب التي استهدفت، عبر ربع قرن، بناء نفسها وتنظيم قواعدها. كما يعيد الاسلاميون تنظيم صفوفهم وتجديد طرحهم، وإثبات توبتهم من الشمولية. ولو عاد الإسلاميون إلى حكم السودان، عقب الفترة الانتقالية، تكون عودتهم، حينها، عن جدارة. أما ما يجري، الآن، من جمعٍ للبشير والترابي معًا لإجراء انتخاباتٍ يخوضها الإسلاميون مع حلفائهم، فلن تكون نزيهةً، لسبب بسيط وأساس؛ هو أنها بنيت على مكاسبَ، قامت على انقلابٍ بقي في الحكم ربع قرن. كما أنها قامت على إقصاء قوى لها شعبية كبيرة.

ولو سار الإسلاميون في إقصاء القوى ذات الجماهير، مثل حزب الأمة، والحركات المسلحة، وقوى الشباب والطلاب، والنساء، والسواد الأعظم من السودانيين الواقفين على السياج، واشترى الإسلاميون لأنفسهم خمس سنوات جديدة في الحكم، بلا رؤية، وبلا مشروع، وبلا أجندةٍ تخاطب حالة التردي الكلي الراهنة، فستكون فرصتهم في حكم السودان قد ولت، إلى الأبد، كما أن تماسك القطر السوداني سيتعرض إلى امتحان غير مسبوق.

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.