حوارية الإلحاد والإيمان .. والبحث عن الوهم

محمد إبراهيم بتو

الألحاد بإعتباره الإنكار التام لما جاءت به الاديان اي كانت (سماوية او وضعية) وهو بالتالي نفي لوجود (الإله) الغيبي، الموجود بذاته، الذي لا تدركه الأبصار، ولا شي مثله، المنزه، الواحد، والذي يجب علينا فقط الإيمان العبطي به دون حتي أن نتفكر في ماهية حقيقته، فالإله في نظر الملحد لا وجد له إلا في تصورات أصاب تلك الاديان، هذه الظاهره _الإلحاد_ أصبحت تتنامي بشكل مخيف في أواسط العديد من المثقفين العلمانين في خلط واضح بين الاثنين الإلحاد والعلمانية، وكأن مشكلتنا أصبحت في تمسكنا بالاديان وإيماننا بالغيب ولو تخلينا عن ذلك مثلا حلت كل مشاكلنا، وللتعرف علي حقيقة ذلك ما عليك إلا إجراء بحث إلكتروني عن كلمة إلحاد علي مواقع التواصل الإجتماعي للتأكد من ذلك .
للملحدين مذاهب ومدارس وتيارات عديدة ولكنهم كلهم يتفقون في نظرتهم المادية للاديان بإعتبارها إستناد البشر لقوة ما إسطورية او فيزيقية او ميتافيزيقية كانت لتفسير ما إستعصي تفسيره من ظواهر الطبيعة، متناسن جانبها الروحي، متجاهلين دور هذه التفسيرات نفسها في تطورنا المعرفي، فالاسطورة مثلا لها عقلانيتها وإلا ما الذي يجعل الطبيعة وبإستمرار في حالة إستجابة تامة لتفسيرات الاسطورة، وما هو قولهم في صدقية الطواسين كظاهرة ذبح الحيونات للإله الاسطوري في مناشده لنزول الامطار مثلا، وقد يصدق هذا مع الإله الفيزيقي والميتافيزيقي ايضا في تقبله للصلوات والعبادات كمناشدة لمعالجة بعض الظواهر الطبيعية المستعصية، اليست هي ذاتها إستجابة الطبيعة لقوانين الفيزياء والكيمياء وغيرها من العلوم، هذا ما لا تستطيع إنكاره المذاهب الإلحادية بمختلف اشكالها، وهي التي تتمترس خلف ذات المناهج التجريبية التي تعتمد التجربة والملاحظه مقياسا للحقيقة، ظنا منهم أن ما جاءت به هو التحقق الكامل للمعرفة بماهية الاشياء موضوع بحثها، فليرجعو الي فلسفة اليونانيان (هرقليطس وبارمنيدس) في خداع الحواس ومعرفتها الناقصة.
تظل المعرفة الكاملة بماهية الاشياء من الأمور العصية علي العقل البشري شئنا ام ابينا، وهذا ما ظل وحده الحقيقة منذ بداية التفكير عند الإنسان، فالفكر في كل مرحلة من مراحل تطوره لم يستطع أن يصل الي معارف كلية مطلقة نهائية عن الموضوعات التي تطرق الي دراستها، والأدهي من ذلك هو أن الحقيقة الوحيد التي ظلت كحقيقة هي نسبية المعرفة او بشكل ادق تاريخيتها فالمعرفة مرتبطة لحد ما بتاريخها، وإلا ما الذي جعل الارض تبدو مسطحة وفقا لاراء (ارسطو) وتتحول الي مستديرة وفقا لاراء (غاليلو وكوبرنيكلوس) وما الذي جعل قانون السببية ل(نيوتن) يظل صامدا كل هذا الوقت ما قبل إكتشاف فيزياء الكوانتم، وهناك أراء لبعض الفلاسفة في ذات الإتجاه، (نيتشة) الفيلسوف الالماني الوجودي المثير للجدل علي سبيل المثال يري في أن الحقيقة بكلياتها ما هي إلا اكذوبتنا في كل مرحلة من مراحل تاريخنا نحن البشر، وله مقولة مشهورة في ذلك هي: (آه يا ايتها الحقيقة يا اكبر كذبة في التاريخ)، ويذهب غيره الي أن الحقيقة ما هي إلا خطئنا المصحح بإستمرار وهو الفيلسوف الفرنسي (بغاستون باشلار) في قوله: (الحقيقة هي خطأ مصحح باستمرار..!!) .
فالمعرفة والحقيفة سادتي الملاحده أصبحت هي نفسها موضوع بحث بالنسبة لمناهج المعرفة بمختلف الوانها ناهيك عن موضوعاتها، وفي تقدير الشخصي أن كل المناهج التي تبحث في المعرفة إذا تعاملنا معها وفقا للقول بتاريخية المعرفة والحقيقة و نسبيتها، دون نفيها وتجاهل ما قامت به وتقوم به من دور مهم في تطورنا المعرفي، هي علي صواب في جانب وعلي خطأ في أخر ، فالوصول للمعرفة الكلية والحقيقة النهائية مسالة في حاجة ماسة الي تضافر مجموعة مناهج بحثية للتوصل اليها ان أمكننا ذلك، فالاسطورة مدخل الي المعرفة الكلية والحقيقة الكاملة اوالنهائية وكذلك التفكير الميتافيزيقي هو ايضا مدخل بدوره، واخيرا المنهج العلمي الذي أصبح بمثابة إلة هو الأخر للملاحده فمنهم من يأله العلم دون وعي منه ليصبح بدوره مؤمن بإله يخصه مع إختلاف في الشكليات .
وخلاصة القول هو أن الملحد علي ذات الإيمان العبطي بنفي الإله وعدم وجوده فما نفيه للإله الا تصوره الشخصي لذلك فهو ليس بقادر علي إثبات النفي علي كل حال، فيظل إيمانا منه هو الأخر، وبالمثل يظل المؤمن علي يقين بوجود إلهه وعاجز بدوره عن إثبات هذا الوجود للذي لا يؤمن إلا بالنفي وبالتالي يكون كل منهما عاجز عن تحييد الأخر عن إيمانه بالوجود او النفي، لتظل كل الحوارات التي تدور في الأسافير وفي غيرها من المنابر بين الجانبين نوع من حوار الطرشان وهو في تقدير حوار غير مجدي البته فكفو عن بحثكم في الوهم يا هاؤلا وادرك مشكلاتنا. ولكم مني كل التحايا.

لزيارة مدونتي
kitaballil.blogspot.com

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.