مركز دراسات السودان المعاصر : في أزمة دارقمر الصعيد؛ العدالة الإنتقالية؛ حق الأرض ؛ ولجنة تقصي هي أهم تطلعات الضحايا التي يغفلها إتفاقات المصالحات القبلية

مركز دراسات السودان المعاصر : في أزمة دارقمر الصعيد؛ العدالة الإنتقالية؛ حق الأرض ؛ ولجنة تقصي هي أهم تطلعات الضحايا التي يغفلها إتفاقات المصالحات القبلية.

في 18 مارس 2014ف أعلنت وسائل أعلام نظام الديكتاتورعمر البشير توقيع أتفاق نعت ( بالمصلحة بين شعب القمر وقبيلة البني هلبة ) في مدينة نيالا .
و كما هو معروف ان الصراعات بين المكونات القبلية في اقليم دارفور هي جزء في مشروع النظام العنصري لتدمير السودان ومواصلة مسلسل الابادة الجماعية في حق الامم الزنجية في اقليم دارفور ؛ وتعتبر الصراعات نتيجة لفكرة الدولة السودانية حول قيام المواطنة على الإنتماء الإثني القبلي والديني . وهكذا تاتي دوما سيناريوا المؤتمرات القبلية والاتفاقات والمصالحات الوهمية كعملية تضليلية لتغطية الابادة وصرف الأنظر عن موضوع الحقوق التاريخية والمدنية للسكان والخلل الهيكلي في بنية الدولة.ويمضى اتباع النظام او الاحزاب الخرطومية من المكونات القبائلية هذه الاتفاقات للمتاجرة بدماء شعبهم.
وتقع مثل هكذا الاتفاق صباحا وسرعان ما يعود الاقتتال مساء . وغدت مشاهد الاقتتال والمؤتمرات والتي و تصرف لها الملايين من الاموال ظاهرة يمارسها النظام فيما يستمر اللالف من المساكين في المعاناة و من المؤسف ان عواد هذه الحروبات العبثية الفاقد التربوي من ابناء جميع القبائل والذين هم ضحايا الدولة .

أزمة دارقمر الصعيد
فيما يتعلق بمسألة حرب التطهير التي جرت بداية العام المنصرم بولاية جنوب دارفور كان جوهره حملة دشنها النظام ومليشياته استهدفت طرد شعب دارقمر في كتيلة انتكينا من ارضهم وإستطان مجموعات مهجرة ينتمون الى عرقية الرعاة البني هلبة؛ قبيلة نائب رئيس النظام السابق الحاج ادم يوسف والذي اعتبر القائد الفعلي لمليشياته . ومثلت الحملة مواصلة لمسلسل الابادة الجماعية والتهجير القسري لشعوب اقليم دارفور ؛ تزامنت مع تدشين النظام لمشروع عنصري يقضي برسم خارطة ديمغرافية جديدة للاقليم يكون بموجبها الجزء الجنوبي الاقليم في ملكية نفوذ لصالح المجموعات السكانية التي (تعرف نفسها على انها قبائل عربية ) والتي تتحالف زعماءهم الاهليين وابناءهم مع النظام العنصري وفق المتصور عن الهوية الوطنية والثقافية للبلاد . وهي الخريطة الديمقرافية بالضرورة تقضي بإبادة او تهجير شعب القمر الصعيد إحدى الامم الزنجية ذات الجذور النوبية في غرب السودان .

وبخلاف حملات الابادة والتهجير القسري التي شنتها المليشيات الجمجويتية منذ عام 2003ف على شعوب اقليم دارفور ونجحت في تهجيرها ؛ مثل شعوب الداجو والفور والمساليت والزغاوة والتنجور الارنقا ؛فقد إدعى زعماء المليشيات في حملتها على دارقمر فرية ملكيتهم لدارقمر الصعيد؛ وضرورة طرد القمر كمهاجرين أو إبادتهم جميعا . وقد قادت المليشيات حملتها تحت شعار (كلبوس ؛ كلما او كفن) .وهو ما لم يحصل في من قبل وفي أي مرة سابقة أن اعلنت مليشيات جمجويتية أي يكن غرورها ودوافع اللصوصية لديها ان الادعاء بملكيتها لاحدى مناطق وادي صالح او قريضة ام ضل او امكردوس احدى ديارات القبائل الاصيلة في دارفور .

وقد اثب شعب دارقمر الصعيد وهو مسلح بايمانه بحقوقه واليات بسيطة اثب قدرة جبارة في الصمود والمقاومة والدفاع عن نفسه وارضه وكرامته امام غطرسة وغرور المعتدين . ولاول مرة في تاريخ حروبات التهجير والقسري والابادة باقليم دارفور خلال عشر سنوات يفشل النظام ومليشياته في تهجير امة زنجية من ارضها الى معسكرات النازحين وتسليم ارضها للمستوطنين و مجموعات مهاجرة رغم خسارة القمر خسارة فادحة . و قدم شعب القمر خيرة ابناءه ؛ قاتلوا بشرف وكرامة متمثلين بمقولة الثائر السوداني الشهيد عبدالله السحيني في جهاده ضد المستعمر” نعيش بشرف او نموت بشرف “. وقتل في هذه الاحداث رئيس عشائر وعموديات شعب القمر الناظر أبكر محمد أبو راسين ؛ ومثل ثاني أرفع مسؤول قبلي يقتل في احداث دارفور بعد قتل الشرتاي المرضى محمد هارون كرسي شرتاي الفور في بلدة يارة في مارس 2006ف .
بالرغم من فشل منهج الحرب في تحقيق مشروع التهجير و الاستيطان الا ان النظام استمر في محور اخر لتحقيق خطة رسم الخريطة عبر سيناريوا ما اطلقوا عليه ” مفاوضات الصلح القبلي ” . ولما بات القادة الحقيقون لشعب القمر ورغم غياب الزعيم ابو راسين واعيون بحقوق شعبهم عمد النظام الى دعم أتباعه من قيادات فعلية في شعب القمر ؛وهي مجموعة سبق ان اعلن تحالفها مع النظام منذ بداية الصراع في الاقليم؛ وأعلنت هوية (عربية – جعلية) على شعب القمر وتجنيد بعض ابنائه كمجموعات جمجويتية تقاتل الى جانب النظام ؛ وهكذا عمد النظام الى تفريق بين ابناء الشعب ليحصل قتله وتهجيره .

نقاط أساسية في حقوق الضحايا
وقد سبق أن أشار مركز السودان المعاصر في تقارير سابقة على أن الاعمال الاجرامية التي تشنها مليشيات القبائل لا تعبرعنها بحرب بين قبيلتين ؛ وبالتالي فان مؤتمرات الصلح والمحاورات البنية لا تمثل الية حل ولا يمكنها خلق مصالحات او سلام لازمة التفتت في دارفور .وهي اعمال في الاساس ممنهجة وذات بعد جنائي يلزم اقامة العدالة على المعتدين واعادة الحقوق التاريخية للسكان ؛ وهكذا فان مثل هكذا المحاورات الفبائلية التي تتم تحت اشراف النظام ومنصة حوار تدار بامر من اجهزة الامن والمخابرات فإن النتيجة لن يكون في مصلحة شعب القمر كامة اصيلة صاحبة الحق ؛ وطرف معتدي عليه ومورس الاجرام في حقه في مشهد حرب التطهير . فان حقوقه ثابتة في النقاط التالية:

1.حق الارض : تثبيت حقوق شعب القمر في ارضه والتي تشمل الرقعة الممتدة من حرازة الى كتيلة وانتكينا وسهول سيسبان وفق الوثائق التاريخية ؛ والتي ادعى زعماء الرعاة في بلدة عد الغنم دون اي سند ملكيتهم لها . وشنت مليشيات الرعاة على اساس هذا الادعاء هجومات اجرامية على قرى دار قمر خلال اشهر السنوات الماضية .
واشرنا الى ان ما يعتبر مرجعية لهذا الحق هي الوثائق الادارية الاساسية لشعوب اقليم دارفور ونظمهم الاهلية التي ساهم شعب القمر ضمن الشعوب الاصيلة بالاقليم في صياغتها .وهي وثائق تثبت لشعب القمر ضمن الشعوب الاصيلة في الاقليم دارين وهما كلبوس بحدودها المعروفة لقمر دار ريح ؛ وكتيلة وانتكينا بحدودها المعروفة لقمر دارصعيد . وبما ان الوثائق التاريخية تثبت لشعوب الاصيلة كحالة شعب القمر انها تعيش حرة في كل نطاق السودان الا ان الدارين المذكورين تعدان اكبر مناطق لشعب القمر باقليم دارفور .

وفق الثقافة التقليدية لشعوب دارفور فإن ادعاء زعماء الرعاة البني هلبة على ملكية دارقمر دون مبرر يعد اعتداء على الكرامة الجمعية لشعب القمر جميعا في المقام الاولى . و الادعاء الكاذب جريمة في حد ذاته قبل ان يشكل اساس للاعتداء المسلح على المدنين الابرياء ؛ وبالتالي هو امر يلزم المعتدي الاعتذار للضحايا وهو يعلن خطأه في ممارساته المجردة من الاخلاق والقيم الانسانية. وهذا مثال يؤخذ به لحالات الشعوب الداجو والارنقا و الفور والمساليت والزغاوة الذين هجروا قسرا من قراهم في اقليم دارفور .

2.نظارة عموم عشائر شعب القمر : من حق شعب القمر الصعيد في كتيلة وانتكينا اقامة ادارة اهلية لهم مستقلة منفصل من ادارة رعاة بلدة عد الغنم؛ وهو حق تاريخي لشعب القمر تم سلبها منهم كعقوبة على زعيم قمر الصعيد الناظر محمد حسين راس التور بعد ثورة المحارب عبد الله السحيني على الادارة الااستعمارية قبل نحو مئة عام كما هو معروف في تاريخ دارفور الحديث. وعليه فان استمرار حرمان شعب القمر من حقوقهم و إجبار تبعية عشائرهم الأهلية للرعاة في ظل الوضعية المختلة للدولة العنصرية يعد إذلال لشعب القمر واستمرار في تنفيذ قرارات المستعمر الانكليزي المستهدف اذلال الامم الزنجية بالسودان .
ولهذا فان لشعب القمر الحق في اعلان ناظر عموم عشائرهم ال21 في دارهم في الصعيد كما ظلوا يطالبون به . وكما هو معروف في ادبيات نظام الادارة الاهلية فان سلطة الناظر الاهلية اقل من سلطة السلطان. وهذا لا يهضم الحق التاريخي لشعب القمر ان لهم سلطنة في دارهم الاخر في كلبوس في الشطر الغربي لاقليم دارفور .

3.العدالة الإنتقالية : يجب تقديم المعتدين على دارقمر خلال العام المنصرم و بكافة مستوياتهم لمحاكمة عادلة . ويلزم الطرف المعتدي تقديم تعويض ماديا ومعنويا للضحايا من شعب القمر. وقد رتبت لجنة شعب القمر الخسائر الفادحة التي ارتكبها المعتدون على الارواح والممتلكات بلغت 200 شهيد ونحو35قرية ونهب الأموال وتهجير العديد من ارضهم الى بلدة تلس ومدينة نيالا . والقادة الحقيقيون لشعب القمر وحدهم من لهم الحق في تصنيف تقدير خسارتهم .
ونسبة لتورط الدولة بكافة مؤسساته الامنية والعسكرية في الجريمة في دارفور ؛و ونسبة لعجز النظام القانوني والقضائي في السودان فان المحكمة الجنائية الدولية تبقى هي الجهة الوحيدة والاكثر جدارة بالثقة في تطبيق العدالة في الجرائم التي ترتكب في السودان . وتقع قضية دارقمر الصعيد ضمن ملف إقليم دارفور بمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي.
ينبغي ان لا تشمل مسألة التعويض في اي مفاوضات بينية مسألة تعويض متبادل بين الضحايا والمعتدين ؛ فالشعب القمر غير ملزم بدفع اي شئ للطرف الثاني المعتدي بكون الاعتداء تم عليه وفي ارضه وانتهكت حقوقه .
ويجب تاكيده أنه في جميع جرائم اقليم دارفور المستمرة منذ 2003ف لا يمكن ان يتحقق الحلول ؛ ولا يمكن ان يقع صلح ولا يتحقق سلام دون المرور بمنصة العدالة كحق اصيل للضحايا ومحاكمة المجرمين . وانه من المؤنب للضمير الانساني ان يشاهد الضحايا الذين قتل ذويهم ببشاعة وحرقت قراهم ومنازلهم ان يشاهدوا القتلة بكامل حريتهم يتجولون امام اعينهم في كل يوم .

4. ضمان عدم تكرار الاعتداءات على دارقمر : وهو ضمان لا يمكن تحقيقه كاملا دون ازالة الاسباب الاساسية الدافعة لارتكاب الجرائم . وانه لضمان عدم تكرار الاعتداء على كرامة والارض والممتلكات لشعب القمر وفي ارضهم و تحقيقا للنقاط اعلاه مع التزام كامل للمعتدين بالمستوى الادنى من عدم تكررار فعلتهم و؛ يلزم توثيقهم ويتحقق عبر تجريد مليشيات الجمجويت من سلاحهم .وما سوى ذلك يبقي الحق لشعب القمر كطرف معتدي عليه في اتخاذ كافة الاساليب التي يضمن به امنه وسلامته وبكافة الوسائل اللازمة .

5. لجنة دولية محايدة لتقصى الحقائق : تاكيدا لسلامة مسار العدالة وانصافا للضحايا وعدم الجنوح اكثر مما يلزم على اي طرف ؛ فان الضحايا من شعب القمر طالما تمسكوا ومن حقهم التمسك بلجنة محايدة دولية لتقصي الحقائق حول جريمة الاعتداء على ارضهم وشعبهم وقتل وتدمير ممتلكاتهم . وانه يجب الموافقة على لجنة اخرى للتحقيق في ظروف قتل الزعيم القبلي ابكر محمد ابو ديلي .

لم يتضمن الاتفاق الموقع في 18 مارس النقاط اعلاه ؛ واستنادا لصيغة الخاطئة في تعريف الأزمة ؛ واتجاه وشكل الحوار ؛وتلبس القاتل لباس الحكم في المنصة كل ذلك في ظل نظام عنصري متوحش فانه لا يمكن ان يسترد الضحايا حقوقهم كاملة . وبالتالي فان اقل ما يقوم به الضحايا و كي لا يخسروا مرة اخرى بعد خسارتهم الارواح والكرامة والممتلكات جراء الاعتداء فبادروا الى رفض الاتفاق وهو حقهم . بل ان مثل هذا الاتفاق من شانه ان يعزز فرية ملكية الارض والزام السكان الاصيلة على ترك ارضهم عن رضى وقناعة . وانه من حقهم رفض الاتفاق واتهام الموقعين بالمؤامرة.
يشار الى ان حسبو محمد عبد الرحمن النائب الجديد للديكتاتور البشير وهو رجل سئ الصيت لدوره في جرائم دارفور ؛ والذي أشير إلى انه أشرف على إتفاق المصالحة أمس ؛ ويندرج أسمه في القائم الأولى لمرتكبي الجرائم في إقليم دارفور ؛ وهناك وثائق تؤكد إشراف حسبو عبد الرحمن على تجنيد المليشيات وتزويدها والتخطيط لمهاجمة الاهالي في جنوب دارفور . ويعتبر السيد حسبو عبد الرحمن -وهو مسؤول أسبق لفرع جهاز الامن بجنوب دارفور – المسؤول المباشر في عمليات تعذيب أطفال دارفور بالخرطوم في مايو سنة 2008ف عقب مهاجمة حركة العدل والمساواة النظام في الخرطوم.

الإعتداء على بلدة سرف عمرة في سياق الأزمة
فيما كان التوقيع على الاتفاق يجري في نيالا كان النظام ومليشياته يدشن حرب تطهير واعتداء جديد على قسم معتبر من شعب القمر يسكن في بلدة سرف عمرة الواقعة بوسط شمال اقليم دارفور . وقتل خلال الاحداث نحو 18 مدني من سكان المنطقة وهجر فوق 16 الف من العائلات الى مخيم لليوناميد ؛ وحرقت ممتلكاتهم ومنازلهم . وتسلم مركز دراسات السودان نسخة من تقرير اليوناميد حول الحادثة الاخيرة. و ياتي الهجوم على المدنين في بلدة سرف عمرة في سياق الإستهداف المنظم الذي يشنه النظام العنصري على شعب القمر كمجموعة زنجية تتعرض الابادة والتطيهير اليوم.
تاتي تطورات قضية شعب القمر في اقليم دارفور حلقة مأسوية اضافية للازمة طويلة الامد في اقليم دارفور استمرت لاحد عشر سنوات ؛ هي مسؤولية انسانية واخلاقية ووطنية ؛ يجب العمل على وقف الاعتداءات الاجرامية عليه ؛ والسعي لاصال الاغاثة العاجلة للضحايا المتضررين؛ وكما يجب الاستمرار على ملاحقة المجرمين والمطالبة بتحقيق انصاف للضحايا .

مركز دراسات السودان المعاصر
قسم الدراسات والأبحاث
23.مارس 2014ف

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.