خطوة لا وثبة يا سعادة المشير/نجم الدين موسي عبد الكريم

خطوة لا وثبة يا سعادة المشير
وخربانة البناية ام قش
                                                           
القضية السودانية بتعقيداتها المعروفة تاريخيا، والمعبر عنها من قوي سياسية وثورية ومراكز بحوث سودانية وأخري أقليمية ودولية عديدة، يمكن حصر توصيفاتها في بنية الدولة ومتعلقات قضايا الحكم. وبمعني اخر وبلا كثير تفاصيل يمكن تلخيصها في جملة واحدة بالقول انها تتمثل في حتمية الوصول لتفاهم سوداني شامل علي قضايا الحكم: الثروة والحريات والديمقراطية وتداول السلطة سلما والمواطنة المتساوية علي اساس دستوري راسخ بالمعني الضيق لكلمة دستوري، لتجاوز هذه الازمة. هذه القضايا علي بساطتها نظريا، إلا أنها استعصت علي الحل والوفاق حولها.
أما في راهن الحال وفي عهد حكم الإنقاذ فهناك عاملان استجداء وأضافا بعداً جديداً للقضية السودانية علي ما هي معروفة به تاريخيا. وهما أولا، الجرائم الكبيرة والواسعة النطاق التي ارتكبها  النظام ضد الشعب السوداني ما يستلزم النظر الي قضية العدالة الانتقالية كمحور اساسي لأية معالجة او تسوية سياسية شاملة. ثانيا، قضية الفساد الاقتصادي والإداري الواسع التي تستوجب النظر والمحاسبة لإعادة الاموال المنهوبة التي يمكن الاستفادة منها في اصلاح المشروعات الاقتصادية الوطنية التي عبثت بها أيادي الانقاذ المتعطشة للثراء السريع. بهذا المدخل يمكننا القول بان القضية السودانية في شمولها متفق علي تشخيصها وبالتالي فان الاصلاحات السياسية المطلوبة كمدخل للحل – والتي أسميناها في مقال سابق الحاجة الي بروستوريكا سودانية – حري بنا القول ان المدخل المناسب والمعقول لهكذا مبادرة، مع الوضع في الاعتبار انعدام الثقة الكامل بين الأطراف، علي المؤتمر الوطني أو البشير الذي تلاحقه اتهامات شخصيه، أن يبتدر إصلاحاته السياسية المزعومة بالاعتراف الصريح وعلي رؤوس الاشهاد بان هناك ازمة سياسية حقيقة تتعلق بقضايا الحكم تستوجب وفاقاً وطنياً وحلا سياسياً شاملاً بلا اية مكابرة أو مزايدة. ثانيا، أن يعلن اعترافه بكل الاطراف كشركاء أساسيين، أحزاب سياسيه وقوي ثوريه وتنظيمات وقطاعات مجتمع مدني وأقاليم سودانية. ثالثا، وفي ظل هيمنة المؤتمر الوطني علي كل مفاصل الدولة التنفيذية والتشريعية والاقتصادية والأمنية، عليه الشروع فورا في اجراءات حسن النية وبناء الثقة وتهيئة المناخ من طرف واحد ومن ذلك تعطيل القوانين المقيدة للحريات، كقانون الأمن الوطني، النظام العام، الصحافة والمطبوعات ومنظمات العمل الطوعي وما الي ذلك ووقف عملياته العسكرية التي يستخدم فيها الطيران ضد المواطنين العزل في كل من دارفور وكردفان والنيل الازرق.
من هنا يمكن للمؤتمر الوطني أو البشير أن يتقدم بالدعوة للآخرين بدعوة مفتوحة لكل الاطراف السودانية بلا استثناء وليست منتقاه ومحصورة أو مرتبة مع تيار سياسي محدد. علي أن تتفاهم هذه الاطراف علي تشكيل الية ذات طابع قومي من مهامها رسم خارطة للحوار الوطني بجداوله وأجنداته وتوقيتاته وكذلك ضماناته، علي أن تعلن الحكومة التزامها الكامل والفوري بكل مخرجات هذه الالية. وبالتالي يمكن أن يطلب من الجميع أن ينتظر النتائج من مخرجات العملية الشاملة ولا يستبقوا الاحداث. أما أن يأتي رأس النظام الذي أضل القوم حينا من الدهر ليلقي علي مسامع الدنيا وبحضور رموز القوي التقليدية مفاجأة ما اسموه وثيقة الاصلاح السياسي، تستدعي وقوفا عندها كثيرا. من بينها ما يؤكد زعمنا بان ضعف مواقف القوي السياسية السودانية حيال امهات القضايا لو احسنا الظن ينطوي علي ضعف هيكلي وبنيوي وفكري يكتنف هذه القوي. أما جموع السودانيين بالداخل والمهاجر فلم يدعوا الفرصة تفوت من غير استثمارها في التندر والسخرية والضحك مما رؤوا وسمعوا، ترويحا للذات التعبة من الاحباطات الكثيرة والكبيرة التي الفوها في عهد هذا النظام. “وشر البلية ما يضحك”. 
واضح من دهشة الحاضرين أن مضامين الخطاب الذي القي علي مسامعهم غير تلك التي لديهم او التي أتفق عليها قبل تلاوة الخطاب. فكانوا شهداء زور لخطاب مقروء تنعدم فيه الطلاقة والحيوية ويختفي فيه المضمون. وليس واضحا كذلك بالقدر الكافي ما اذا كان البشير يريد بالإصلاحات السياسية اصلاح سياسات المؤتمر الوطني في ادارته للدولة أو اصلاحات سياسية شاملة تخاطب القضية السودانية بتعقيداتها المعروفة ككل. ولكن باستطاعتنا القول، بأن البشير، أقدم علي هذه الخطوة مدفوعا بجملة تحديات يمكن تلخيصها في الاتي:
1- نتاج الحملة العسكرية الصيفية الموجهة ضد الجبهة الثورية المبشرة بالقضاء عليها نهائيا المخيبة لأمال النظام والتي اكدت له بان الجبهة الثورية بعد هذه الانتصارات الكاسحة لو استبدلت استرايجيتها القائمة علي الدفاع عن النفس للهجوم لكان بإمكانها دك حصون النظام في مركز صنع القرار.
2- صراعات النظام الداخلية مع ذاته.
3- الازمة الاقتصادية التي تحاصر النظام والتي انعكست علي المواطن العادي في معاشه وحياته اليومية.
4- الاحتقان السياسي وانسداد الافق امام الحلول والوفاق الوطني الشامل مع تصاعد الغضب الشعبي المتزايد.
5- العزلة الاقليمية والدولية للنظام مقرونة بسقوط مشروعات القوي التي برزت عقب ثورات الربيع العربي وخصوصا تداعيات الاوضاع في مصر والمالات التي تعانيها الحركة الاسلامية الان.  ويمكن قراءة ذلك مصحوبا بالدور القطري في اطار علاقته بالسودان وما يجري في مصر.
6- شغل الرأي العام الداخلي والإقليمي والدولي بملهاة لا طائل ورائها، في ثناياها يتلمس البشير الخطي، في سعيه الحثيث للحصول علي ضمانات لوقف ملاحقات المحكمة الجنائية له.
7- جر الاحزاب وخصوصا تلك التي لها شراكة ما او تفاهمات مع المؤتمر الوطني للمشاركة في تهيئة الأوضاع للانتخابات القادمة والمشاركة فيها. وايا كانت شراكة هذه الاحزاب في عملية الاعداد هذه ومهما كانت ضماناتها فان المؤتمر الوطني يعرف ماذا يفعل والآن يعد العدة لكسب هذه الانتخابات بكل ألاعيبه المعروفة. والدليل علي ذلك خروج نافع وربما طه من الجهاز التنفيذي للإعداد من خلف الكواليس تنظيميا وسياسيا وتعبويا لهذه الانتخابات التي أكد قيامها في مواعيدها، بقصد اكتساحها لكسب شرعية متوهمة لدورة جديدة. وبالتالي يكون قد تهرب الي الامام من التزام الوفاق الوطني الشامل والتحول الديمقراطي الكامل. وكذلك انفاذ تخطيطه لقطع الطريق علي الجبهة الثورية وقوي الاجماع الوطني للتراجع عن سياسة اسقاط النظام وإضعاف مشروعهما السياسي المعلن بشان الاصلاحات المطلوبة والتسوية الشاملة.
علي المؤتمر الوطني ان يدرك جيدا ليس باستطاعته تحقيق أي مكاسب او رصيد سياسي يضاهي او يبيض به سجله الاسود الطويل الحافل بكل صنوف التلبيس والمراوغة والانتهاكات وليس باستطاعته كذلك فرض الحلول الاحادية وشروط التسوية. وان كان هنالك شيء واحد يمكن ان يفعله هو فضيلة الاعتراف الصريح بأخطاء سياساته والاعتراف بطبيعة المشكلة وأبعادها المتداخلة بلا مكابرة أو مزايدة والإقبال علي المعالجات الجريئة والكبيرة المطلوبة برغبة اكيدة وإرادة صادقة علي كل المكونات السياسية من قوي سياسية وجبهة ثورية وقطاعات مجتمع مدني و أقاليم للاتفاق علي خارطة طريق تفضي الي حل سياسي شامل ومستدام يتم تنفيذه بضمانات واسعة اقليمية ودوليه. عندها فقط يمكن تجاوز الماضي والإقبال علي المستقيل بطموح وعشم اجيال وشعوب السودان المتلاحقة. المطلوب خطوة جريئة وئيدة واحدة – وأنت عسكري بالأساس وليك فهم في الخطوات – وليست الوثبات – كان صقرية أو العاب رياضية، ما ليك فيها –  وهي أن تجرب الصدق مرة واحدة. وأغتنم فيها الفرصة لتضع نهاية لمتلازمة حكموا فظلموا وفسدوا وافسدوا وحرقوا وقتلوا وانتهكوا الاعراض وأضاعوا الاوطان والأديان. أسعي للحل مع أهلة وما هو متاح امامك الآن ليس بالضرورة متاحا غدا وخربانة البناية أم قش.

نجم الدين موسي عبد الكريم

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.