مثقفون ركبوا موجة المظاهرات الأخيرة ثم قفزوا منها

صلاح شعيب

إبان التظاهرات الأخيرة التي كادت أن تطيح بالنظام القائم في البلاد قرأنا العديد من المقالات الواضحة المعنى والمبنى لكتاب كانوا يحتفظون بسلامة أوضاعهم في المنطقة الرمادية. في تلك المقالات قرر هؤلاء الكرام أن يلحقوا بثورة الشباب بعد لجلجلتهم في البيان والتبيين التي امتدت إلى عقدين ونيف. في مقالاتهم لعنوا سنسفيل الإنقاذيين، هذه عينة واحدة. الأخرى فحواها أن بطولات الشباب أجبرت الكثير من الصامتين على الخروج من جحورهم ليعبروا عن كرههم للنظام. بل إن هؤلاء أرفقوا مقالاتهم بصور تجملها ربطات عنق قرمزية اللون. ولقد تزامن هذا التحول الجديد مع بعض مواقف متشددة لكوادر أحزابنا التقليدية. ولعل أكبر علامة فارقة في ذلك هو تحرك نخبة اتحادية قررت ضرورة انسحاب الحزب الاتحادي الأصل من الحكومة ورفع الأمر لمولانا. ولقد سررنا جدا لهذه التحولات الجديدة لتيروميتر ضمير هؤلاء الوطنيين. ولكن لم تطل فرحتنا. فبعد مرور أسبوعين من المظاهرات قطع مولانا قول كل خطيب وقرر الاستمرار في الحلف. واختفى الصامتون، وتنكب الكتاب الرماديون الطريق مرة أخرى. لقد بدا الأمر بالنسبة لهؤلاء الأخيرين وكأن حليمة عادت إلى قديمها: غض البصر عن المستبد المستوطن وتعييب المستضعف في المهجر. وعلي أي حال لم يسقط النظام. ولكن الذي حدث هو أن الذين ركبوا الموجة قد قفزوا منها، أو بالأحرى فارقوها، وهي لما تتكسر جملة وتفصيلا، “فراق الطريفي لجملو”.

في تاريخنا السياسي هناك حالة شبيهة وإن اختلفت الأزمان، والدعاوي، والحيثيات. فالذين أيدوا انقلاب هاشم العطا من المثقفين عاد بعضهم للتنكر على مواقفه في صبيحة عودة نميري إلى السلطة. ولقد ساهم هياج نميري الكاسر بعد الانقلاب الفاشل في ملاحقة الكثير من المثقفين الذين كشفوا عن كرههم له خلال أيام التغيير المؤقت. الآن النظام القائم مشغول بأولويات إعادة الثقة إلى ذاته التي يظن أنها لا تهزم. ومن حظ الكثيرين الذين لاذوا مرة أخرى إلى الصمت، أو تواءم عملهم مع ما لا يضر بوجودهم أن “يتنفسوا أكثر من صعداء” حتى تأتيهم الموجة البينة، أو قد لا تأتي في القريب العاجل.

بيد أنه من غير الحكمة التركيز على الضعف الشخصي والوطني لهؤلاء الذين قفزوا من الموجة. أو أولئك الذين عادوا إلى صمتهم بذات السرعة التي خرجوا بها للعلن، مبشرين بالخلاص من النظام. فمسألة أن هناك مثقفا أشبه بـ” صَبَرَة أم بيتين” مما لا شك فيه. وللذين لا يعرفون الصَبَرَة فهي حيوان يعيش في الخلاء. أو هو السنجاب بعينه. ومن دون الكائنات التي تحوز على ملك تحت الأرض فبيت الصَبَرَة إنما بيتان. يفتح كل واحد على مدخلين متباعدين في الرقعة الواسعة من القفر. فإن حاصرناها في صغرنا عبر بيتها الذي اندست فيه نفد جلدها، عبر نفاج، بباب بيتها الثاني، ومن هناك تنسل هربا. وهكذا تسقطها في أيدينا. وهذا النوع من المثقف الذي يقفز للحاق بالموجة ويقفز ثانية إلى الأرض بعد تكسرها يملك بيتين في عقله. بيت للاحتراز الانتهازي المقيت، وآخر للإقدام البطولي الزائف. ولكن الأمر في المبتدأ والمنتهى أمر نخبة، مرآة عملها هو سودان اليوم.!

-2-
إن غالب النخبة السودانية لم يدمن الفشل فحسب، وإنما هو الفشل نفسه. فإذا قرأنا سطح العمل السياسي نجد أن هناك قلة تسجل المواقف من هذه النخبة الأقلية. أما كثير هذه القلة فآثر السلامة. إذا حسبنا عدد الأكاديميين الذين تخرجوا في جامعات السودان وخارجه في الفترة بين النصف الثاني من الستينات والنصف الثاني من الثمانينات فلا نجد الذين يكتبون بانتظام في الشأن السوداني سوى بعض وطنيين لا يتجاوزون المئات. وهناك بعضهم الذي يدبج المقالات الثقافية والأدبية الجيدة، ولكنهم لا يقتربون من الجدل السياسي إلا في جلساتهم الخاصة. وبالتالي يحاول هؤلاء أن يصبحوا رموزا ثقافية وطنية يشار إليها بالبنان، مثلهم مثل خليل فرح، ومثقفين يحوزون على قدرة عالية على حذاقة الحرف، وصك الجملة، بينما إذا سألتهم عن مواقفهم السياسية مما يجري داخل وطنهم لحاضروك كيف أنهم يجهلون السياسي، ولا يطيقون منعرجات اللوى فيه. ولكن الحقيقة أن هؤلاء ليسوا هم أجهل بما يدور في بلادهم من طلاب الثانوية الذين يخرجون إلى الشارع للتعبير عن موقف كان أحرى أن يقوم به هذا الأكاديمي، أو ذاك الناقد الذي يدبج الدراسات عن مدرسة الحوليات، ويمطرنا بمعارفه حول أدب تشيكوف، أو مسرح بريخت، إلى آخر معارفه عن ما أنتجته المطبعة الغربية من كتب لتشومسكي.

إن ما قيل عن فشل المثقف السوداني كثير. والدراسات التي تناولته “على قفا من يشيل”. والمؤتمرات التي ناقشت دور المثقف، أو هروبه، لا يمكن حصرها. وهنا لا نريد إعادة أنتاج الجدل حول خلاصات هذه المجهودات المدرسية القيمة في ذاتها. ولكننا بصدد بحث الجذور الأساسية التي تمنع مثقفا عالما بتخصصه من التعبير عن موقف تجاه وطنه بينما يتوجه الروائي النيجيري وولي شوينكا الحائز على نوبل في الآداب إلى نيويورك ليعقد محاكمة أدبية للبشير تضامنا مع شعب السودان.
لابد أن هناك عاملا عميقا لم تتطرق إليه تلك المجهودات الدراسية حول مغزى صمت المثقفين في غالبهم إزاء ما يجري في البلاد. ولعل هذا الصمت ليس هو وليد اليوم، وإنما هو غائص في تاريخنا، وحسبنا أن نقرأ السفر القيم للدكتور النور حمد عن هروب المثقفين. فالذين يتخذون مواقف أيدولوجية معفيون عن هذا الصمت مافتئوا يدعمون أحزابهم بأفكارهم. ولكن كثيرهم تلحقهم اللعنة، بأن حبذوا صمتا آخر تجاه ما تضخه منظوماتهم السياسية من أفكار وممارسات تتعارض مع الواقع ومصالح المجتمع. بل إنهم يعجزون عن تسجيل مواقف تسهم في الإصلاح الحزبي وتقوم مسار العمل السياسي. واعتقد أن هذا الصمت الذي يحسنه المثقف الأيدولوجي أو التقليدي الحزبي هو السبب في ضمور ناتج مساهمة القيادات الحزبية وافسادها لهذه الممارسة الاجتماعية. ومن هنا تخلقت “الزعامات المطلقة” التي لم تجد مثقفين يراجعونها ما دام أن أعين أغلب المثقفين الأيدولوجيين ترنو إلى السفارة، أو الوزارة، أو الوضع الاجتماعي الذي يوفره الحزب في حال وصوله إلى السلطة. وما دام أن غاية غالبية المثقفين هي إرضاء الزعيم للحفاظ على مستقبل وضعيتهم فإن الزعماء أدركوا غريزة حلم المثقفين الذين يزحف بعضهم زحفا مقدسا للوصول إلى سلطة التوظيف. وإذا طالت سنين النضال فإن أقصر الطرق هو الاختلاف مع الزعامة الحزبية واللحاق بالأنظمة الشمولية التي تجد ضالتها في هذا الانتماء الجديد إليها. وعليه تتوفر للمثقفين المنشقين السفارة، أو الوزارة، والرخيص منهم يرضى بأن يكون مديرا لمعهد القرش الصناعي، مع أهمية ما يقدمه هذا المعهد من تطوير للحرفية السودانية.

-3-
نعتقد بناء على معطيات الحراك السوداني، ومع بروز أقلام جريئة، وشجاعة، ومبدئية ـ في الميديا الحديثة، أن المثقف ـ المؤلف التقليدي قد غيبه الموت. هذا قبل أن يعلن النقاد البنيويون موته. فهذا الجيل لا يجد أمامه إلا قلة من مثقفين تنويريين لا يفصلون روحيا بين السياسة والأدب، ذلك في وقت صار هذا الجيل مرتبطا بالسياسي أكثر من الثقافي، إذا فصلنا إجرائيا بينهما. فالأجيال الماضية التي نشأت في الستينات، والسبعينات، وهي ما تزال فاعلة ونشطة في احتلال مواقع هذا الجيل لم تكن أوضاعها السياسية بالقتامة التي تصرفها عن الاهتمام بشؤون التثقيف، والتعليم، والتدريب، ولكن هذا الجيل الجديد بمعاصرته للخيبات السياسية لا فكاك له من رمي الدلو في البئر السياسي. فالسياسة قضت على كثير من أحلامه، واستقراره، وهدوء باله. ولذلك يصعب عليه أن يكون هناك شاعر بلا هدف سياسي، أو فنان تشكيلي بلا ثيمات أو إيماءات ثقافية حول الهوية، أو ناقد للمجذوب وشكسبير معا دون أن يستخدم رمزا ضد الجبروت والتسلط، او مغن دون أن يستعين بتراث “أغنية الوطن الحبيبة”، أو صحافي غيور دون أن يستهجن “البرود الوطني” لصحافيي سونا، أو الإذاعة، أو التلفزيون، أو روائي مجيد دون أن يتناول تفاصيل الخراب الذي أوجده الاستبداد المتجذر على أفكار سلفية، أو أصولية، أو توتاليتارية.

وبطبيعة الحال فإن هناك صوتا نوعيا لشريحة من هذا الجيل صار مسموعا عبر الموصلات الإعلامية. ونرى أن هؤلاء خلقوا لأنفسهم مبادرات للتواصل مع الجمهور بينما تنوعت مصادر ثقافتهم ونهلهم. وربما هم يبزون في هذا الجانب الأجيال السابقة التي كانت محصورة في تلقيها، حيث تكتب وتترجم القاهرة وتطبع بيروت. ولكن اختلفت الأحوال الآن. فهذا الجيل يقرأ الآداب، والأفكار، والسجالات الإنسانية بلغاتها، ولا أحد ينتخب له القراءة والمترجمات. بل إن المبرزين فيه صاروا يكتبون بلغات الدنيا جميعها، ويترجمون أعمالهم الروائية، ودواوينهم، بأنفسهم أو عن طريق أصدقائهم في البلاد الجديدة. وستكون وراثة النابغين من هذا الجيل لمناحي العمل السياسي، والفكري، والإعلامي والثقافي، والفني، مسألة وقت، آخذين في الاعتبار سنة التجديد التي يفرضها الزمن مهما توطن تعويق الأفكار الجديدة. فهؤلاء الذين يهيمنون على المناشط العامة في بلادنا أصغرهم قد تجاوز الستين، وما هؤلاء الذين دون أعمارهم إلا مجرد تابعين مقموعين، أو محاصرين بهالة القداسة التي صنعها التبع.
صحيح أن هذا الجيل الذي خلق موجة التظاهر قد تعرض إلى أكبر حملة تشويه لذهنيته، وغيبت عنده حقائق بلاده، كما أن الإنقاذ الاستبدادية ـ ومن أجل طمس التحديث ـ ضربت أهداف الجيل بشريحة منه تعجلت الوصول. ولكن ما نراه من ملاحم لشباب السودان التي تجلت في انتفاضته الأخيرة أعطانا الأمل بأن هذا الجيل الذي وسمنا فكره بالضائع قدم شهداء بينما ركب موجة تفكيره ونط منها من نفترض فيهم أن يكونوا نبراسا يضيئ الطريق أمام الجيل.
salshua7@hotmail.com

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار, أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.