سلطة المثقف وسطوة الإنقاذ .. نهاية السياسة

نجم الدين موسي عبد الكريم

 ان من ابرز ما يميز واقع الحياة السودانية اليوم هو حجم التناقضات واللامعقول الذي تتسع دائرته باطراد يوما بعد يوم. كنتيجة للصراع حول السلطة والنفوذ والمصالح وللنهج الذي انتهت عليه السلطة في اختيارها لنموذج إدارة الدولة وأسلوب الحكم، لتأكيد سيطرتها وبسط نفوذها. تتجلي آثار هذه التناقضات في أبعادها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وهذا الواقع هو حصيلة تجربة سياسية امتدت لسبع عقود من الحكم الوطني التي في رأينا أخذت مسارا للتطور في اتجاه سالب ومنحرف. وبمحاكمتنا للسلطة في أدائها لإدارة الدولة، علينا ان ننظر ايضا الي البنيات التنظيمية التي تحترف العمل السياسي بغرض الوصول للسلطة حتي تتمكن من إنجاز برامجها ومخططاتها السياسية. نعتقد ان درجة قوة او ضعف هذه التنظيمات بنيويا، هيكليا، وفكريا او أيديولوجيا هو محدد أساسي للكيفية التي تنتهي عليها السلطة في ممارستها لإدارة الدولة. ومن واقع الحالة التي نعيشها اليوم نعتقد ان الموقف السياسي والتفاعل الجماهيري المعلول لهذه القوي تجاه القضايا الكبيرة، المحورية والملحة ضعيفا ومتأخرا عن ملاحقة هذه القضايا وعاجزا عن الاستجابة لتطلعات الجماهير. نظرا للطبيعة البنيوية والمنهجية والفكرية التي لازمت نشأتها وتطورها. من هنا يبرز سؤال دور المثقف السوداني ومسؤوليته تجاه قضايا مجتمعه، من جهة وعلاقة هذا الدور بالأداء والنشاط  السياسي والتطور – المائل – للتجربة ككل وأثر ذلك في صياغة الأيديولوجيا والتصورات الاستراتيجية المستقبلية للسودان من جانب آخر.

 

للمثقف دور هام ومهام جسام يطلع بها تجاه مجتمعه باعتباره مشكلا ومطورا للوعي الجمعي لامته وفضائه البشري، ويكتسب مكانته من قوة أفكاره، وفعاليته في المجتمع، شجاعته، واستقلاليته ونقده للسلطة السياسية والمجتمعية، وللمثقف أيضا انشغالات عديدة، ومنها بحسب عباس النوري في تعريفه للمثقف للحوار المتمدن، ” تحصيل المعرفة ونشرها في المجتمع، ومنها الوصول لوعي ناتج من امتلاك هذه المعرفة، ويمارس بناءا علي هذا الوعي تأثيرا في المجتمع فضلا عن ممارسة الفعل ألاجتماعي. هنا استميح القارئ عذرا في أني مدركا للالتباسات والإشكالات التي تطرحها دلالة مفهوم المثقف ووظيفته ودوره في حياة المجتمع من تعدد توصيفاته وتعريفاته وجدلية علاقته بالسلطة. فسؤال من هو المثقف وما هي ووظيفته وكيف يتشكل ويتبلور دوره؟ خصوصا في ظل التغيرات الكبيرة لحركة الثقافة والفكر والأدب لما بعد الحداثة وتفجر ثورة المعلومات والاتصالات والتكنلوجيا الرقمية، ربما أخذتنا الإجابة علي هذه الاسئلة الي مسارب عديدة ومتداخلة، ولذا جنحنا للأخذ بمعيار علاقة المثقف بالسلطة مدخلا ومنهجا معقولا لغرض الموضوع. وبما ان هذه المحاولة ليست مبحثا يتقصي التحقق الأكاديمي وفق منهج علمي للدلالات المتعددة والمتجددة لمفهوم اصطلاح المثقف ودوره وانشغالاته،  لذلك ربما اتكأت هذه المحاولة علي بعض التعريفات التي لا تزال تحظي بالاهتمام والمقبولية مع إبداء بعض الملاحظات عليها مع أخذنا في الاعتبار تنبيهات الأستاذ كمال الجزولي حتي لا نقع في فخاخ استخدامات المصطلح بشكل مهتريء، علي حد وصفه، ودون أدني شك، فانه – اي كمال – وحالته كذات مثقف معياري منتجا ومشكلا للوعي الجماهيري، تعنينا وتلفت انتباهنا وتقع تحت دائرة ضوء هذا المبحث. من هذه التعريفات ما جاء به عالم الاجتماع والأكاديمي الإيطالي غرامشي بتصنيفه للمثقف كمثقف عضوي ومثقف تقليدي. فالأول هو “الذي يعمل علي إنجاح المشروع السياسي والمجتمعي الخاص بالكتلة التاريخية المشكلة من العمال والفلاحين والفقراء وهو الداعية والمحرض، صاحب الأيديولوجيا، المدافع عن قضايا الحقوق والحريات، الملتزم الدفاع عن قضية سياسية أو قيم ثقافية مجتمعية أو كونية”. أي منتميا سياسي أو عقائديا. والثاني، وبحسب غرامشي أيضاً، فهو المثقف الذي “يوظف أدواته الثقافية للعمل علي استمرار هيمنة الكتلة التاريخية السائدة المشكلة من الإقطاع والبرجوازية والفئة العليا من الإكليروس”. أي رجال الدين. ملاحظتنا ان مسالة الانتماء العضوي هنا لأيديولوجيا أو مجموعة أو طبقة ان صح التعبير – رغم اتفاق غرامشي مع ماركس بان ليس للمثقف طبقة – تثير الاهتمام وربما كان قد استوفي حاجتنا بقدر اشمل لو ان انتمائه كان ليس تنظيميا أو أيديولوجيا بل منحازا لقضايا الإنسانية والحرية والخير والفضيلة بشكل مطلق. ويعزز ملاحظتنا هنا ما أكده ادوارد سعيد بان المثقف العضوي الذي يعنيه غرامشي هو “المثقف العلماني والمستنير الذي يفند آراء ومواقف وطروحات المثقفين التقليديين والمحافظين والسلفيين المعادين للحركة التنويرية في المجتمع”. وادوارد سعيد نفسه يري ان المثقف هو “الشخص الذي يرهن وجوده كله بالإحساس النقدي وهو إحساس يشييء بعدم تقبل الصيغ السهلة، والأفكار الجاهزة أو البراهين الناعمة الملائمة تماما وبالتالي فان رسالته هي الحفاظ علي حالة التنبيه الدائم والسهر للحفاظ علي القيم المطلقة كالعدالة والحقيقة والعقل … ويزيد علي انه .. شخص منفرد قادر علي ان يقول كلمة الحق في وجه السلطة، فصيح اللسان وشجاع الي درجة لا تعقل وثائر لا يري ثمة سلطة دنيوية أكثر وأقوي من ان ينتقدها ويوجه اللوم إليها”. ولكنه يقول بان هنالك من النقّاد من يودون توسيع مفهوم او دلالة الكلمة لتشتمل علي كل من يتمتع بقدر من الوعي الاجتماعي والوعي السياسي مع اهتمامه بقضايا مجتمعه ومعرفة واقعه وهمومه وتصور أساليب تطويره وتنميته. ولكنا نقول هذا التوصيف ربما اندرج ضمن ما قال به جان بول سارتر بان المثقف هو من يدس انفه في كل شئ . ولكن المفكر العراقي هادي العلوي في كتابه الحاضر والمستقبل يصف المثقف العضوي علي انه “يتميز بعمق الوعي المعرفي والوعي الاجتماعي معا، وبعمق الروحانية التي تجعله قويا علي مطالب الجسد ومترفعا في تجربته الحياتية الشخصية، وبالتالي قادرا علي خوض النضال ضد سلطة الدولة وسلطة المال ومن أجل الشعب”. أما برهان غليون في بحثه “تهميش المثقفين ومسألة بناء النخبة القيادية” ينقلنا نقلة موضوعية وواقعية في ظل الظروف التي نعايشها الآن والتي تسهم بقدر وافر في تشكل وتخلق المثقف نفسه، إذ يقول – أي برهان غليون – ان المثقف فاعل اجتماعي، والمقصود بالمثقفين هنا، أنهم فاعل اجتماعي جمعي وليسوا أفراد يشتركون في نشاط مهني أو عملي أو ذهني واحد يقرب فيما بينهم” .. وبفاعل اجتماعي يشير .. “الي قوة محركة ودينامية اجتماعية لا الي مبدع فكري فرد ذي مهارة خاصة، بل الي مشارك فعال في شئون مجتمعه ومساهم في تطوير هذا المجتمع”. 

ومن تعريفات المثقف وفق العلاقة مع السلطة، فهناك المثقف الناقد، المثقف التبريري  والمثقف الانتهازي الخ .. فالمثقف الناقد، هو من يستخدم العقل النقدي البناء ويوظفه في النظر الي الأشياء والقضايا ويمارسه إزاء سلطة الدولة أو سلطة المجتمع أو تنظيمه المنتمي اليه. فالنقد وسيلته ومعوله في تحسين الشرط الاجتماعي والسياسي والثقافي للمجموعة التي ينتمي إليها. اما المثقف التبريري، بحسب نصر حامد ابو زيد، هو الذي يتصالح مع الواقع وبالتالي مع السلطة السياسية التي تنتج الواقع، ولكنه منبوذا من المجتمع ويعيش حالة اغتراب مع الحقيقة الموضوعية لانه يرمز للوعي الزائف ولا ينتج إلا معرفة مزيفة تكرس خطاب السلطة وتباركه. أما المثقف المتواطيء، فهو الذي يشحذ كل همته لتمجيد السلطة الي الدرجة التي تجعله متوطا في أفعالها. سعينا من وراء كل ذلك هو حرصنا علي الوصول لتوصيف معقول للمثقف الذي يرتبط غياب الدور المنوط به وعلاقة ذلك بمالات المشهد السياسي المتكلس في حالتنا الراهنة والماثلة الآن.

بنظرة واقعية فاحصة ومجردة لتطور التجربة السياسية السودانية منهجا وسلوكا نجد ان تجربتنا قد تطورت في اتجاه سالب ومنحرف ونجد ذلك مجسدا في واقع الحال الذي نعايشه الآن ومالات الامور المفتوحة علي أية احتمال. وتجدر الإشارة هنا الي أهمية الكيفية والممارسة السياسية التي نال بها السودان استقلاله إذ كانت فعلا سياسيا وتشريعيا متقدما – تقرير المصير من داخل البرلمان – أنجز فعلا ذا أثرا مفصليا في تاريخ السودان. وإذا ما انبنت توقعاتنا الواقعية والمنطقية لتطور تجربتنا السياسية بناءا علي هذه المرجعية لكانت النتيجة فاجعة لا يقبلها عقل ولايتمناها شامت. إذ كانت التطورات اللاحقة في كل العهود متأخرة ومتراجعة عَنْ هذا السقف المتقدم في الفعل والممارسة. اذ فشل الرعيل الأول من الحركة الوطنية في وضع معالجة سياسية مقبولة لمشكلة الجنوب بل ساهموا في تعقيداتها حتي تطورت في عهود لاحقة لحرب أهلية واسعة مع تطور واضح في بنياتها وتكنيكاتها وأهدافها وأساليب عملها. ومع هذا التطور اتسعت دائرة الخسائر البشرية والمادية وزادت أزمة الثقة بين مكونات الشعب الواحد. ان التطورات السياسية اللاحقة، للأسف لم تسر في ذات الاتجاه فحسب وإنما أفرزت نمطا مشوها وفاقدا القدرة علي تجاوز معضلاته ومشكلاته. وبالوقوف علي تجربة الإنقاذ كنموزج نجدها تمثل ذلك الاتجاه في أوضح تجلياته، إذ قطعت الطريق علي تطلعات ورغبات السودانيين في الديمقراطية، الحرية، الوحدة، السلام والتطور والتقدم. فضيقت علي الحريات العامة وحاصرت حركة الابداع والثقافة وقيدت العملية السياسية مدعية في ذلك حقها الالهي في الشرعية وتمثيل رغبات وأشواق السودانيين من خلال شعاراتها الزائفة. ان السلطة الحاكمة في طبيعتها تسعي لكسب المثقف لإعطائها الشرعية والترويج لبرامجها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتبرير ممارساتها والتغطية علي فسادها وتجاوزاتها وكثيرا ما تنجح في توظيف المثقفين الانتهازيين. وبذلك تكون قد سلبتهم حريتهم ودجنتهم ووضعتهم في خدمة أجندتها. فالإنقاذ استطاعت ان تفرض هيمنتها وسيطرتها علي المجتمع الاهلي والمدني وعلي المؤسسات الثقافية والاجتماعية وكذلك أنشطتها وفعالياتها، وأيضاً علي دور النشر والتوزيع  واتحادات ونقابات المثقفين وكل وسائط الانتاج الاعلامية والخدمات الصحافية. وبالتالي احتكرت الثقافة والمثقفين الانتهازيين والمدلسين ووظفتهم في تثبيت دعائم حكمها وتسويق شرعيتها من خلال اللعب بعقول المواطنين ووعيهم بترويجهم لشعارات مهترية وخطابات دوغماجوية مقابل امتيازات وظيفية في هيكل الدولة وتقريبهم من السلطة والحاكم تلبية لطموحاتهم البائسة. استفادت الإنقاذ أيما استفادة من تقدم وتطور وسائل الإعلام الحديثة وأساليب عملها وتكاليف تشغيلها الباهظة وكذلك تأثيرها في وعي الناس وكسب ألتأييد. فشجعها ذلك من متلاك واحتكار هذه الصناعة، فوظفت ارتالا من الصحفيين للعب هذا الدور، فتهيأت الفرص لأصحاب الولاء علي حساب أهل الكفاءة والقدرات من المثقفين التقليديين والحقيقيين. وبالتالي قام هؤلاء الصحافيين بلعب دور المثقف من خلال ثقافة إعلامية مسطحة ومتعجلة ومضللة، مسوغة بها ومبررة خططها وسياساتها. اما المثقفين الناقدين فلاقوا عسفا وبطشا شديدا، فعزلتهم من الخدمة العامه وضيقت عليهم سبل عيشهم وأدخلتهم الزنازين والسجون وهجرتهم من ديارهم، مستخدمة في ذلك أساليب التشكيك في وطنيتهم وتلفيق التهم كالاتصال بالاجنبي بصورة “مكارثية” مبتذلة. تمظهر البعد السالب لتجربة الانقاذ في آخر تجلياته عند الحد الذي ارتكبت فيه جرائم الابادة ضد ومواطنيها وضد الكرامة الانسانية و فصلت فيه البلاد ووزعت مستويات الحكم الولائي والمحلي علي أساس اثني وقبلي إمعانا في أحداث المزيد من التناقضات.

تجربة سبعة عقود من الحكم الوطني والتي ان جاز الوصف نجدها تراوحت بين اليمين ويمين الوسط، الشيء الذي أتاح المجال بقدر أكبر لقوي اليسار واليسار المعتدل ان تستوعب هذا التناقض الذي اكتسي الحياة السودانية كلها بأن تستولد أو تستنسخ رؤية خلاقة توائم وتتوافق مع الواقع السوداني تقارب به المسافة بين ما هو ثابت في عقائد الناس وبين ما هو متوهم وتمﱠ تنميطه علي انه نقيضا ومجافيا لهذه العقائد في اطار صراع السلطة والنفوذ والكسب السياسي، مستفيدة في ذلك أولا، من رصيدها النظري والفكري المتراكم. ثانيا، شيوع فكرة التهميش والعدالة الاجتماعية وسط الجماهير – الهامش – ما يتيح لها فرص توسيع قاعدتها الجماهيرية. ثالثا، فشل تجربة العقود السابقة وتمظهر تجلياتها في تجربة الإنقاذ. والانقاذ بغض النظر عن مرجعيتها الفكرية، نجدها علي مستوي الممارسة أفرزت نموذجا شائها خصما علي اليمين بشكل أعم والإسلام السياسي بشكل أخص، ويتجلى ذلك في مظاهر الظلم والفساد وبعث وثنية القبيلة والانحياز آت الإثنية البغيضة. ولكن الملاحظ، يبدو ان قوي اليسار أضاعت علي نفسها فرصتين، فرصة الإجهاز علي اليمين التقليدي وتعرية تجربته في الحكم بخطاب وموقف سياسي لا حيادي وباين، وكذلك فرصة الانحياز لا نقول الي طبقة ولكن الي قطاع ما اصطلح عليه بلفظ المهمشين، فتكسبه قاعدة جديدة خارج نطاق قواعده التقليدية. وفي ظننا، لربما كان ذلك موقفا مدركا في تلافيف الوعي وغير مدرجا في مقولة الايديولوجيا. يعتقد الناشط السياسي والكاتب والباحث الأكاديمي الدكتور محمد جلال هاشم في سفره القيم “منهج التحليل الثقافي” ان نظام الإنقاذ “يخدم في مالاته النهائية هيمنة الأيديولوجيا الاسلاموعروبية في السودان. وما الحركة الإسلامية التي أتت بهذا النظام سوي قطاع صغير ضمن التيار العام لهذه الأيديولوجيا في السودان” . الي ان يؤكد ذلك في تعليله علي تهافت المثقفين علي نظام الانقاذ ممن كان يعتقد أنهم مناوئون له،  قائلا، “ان الوظيفة الأيديولوجية لنظام الإنقاذ (أكان ذلك بوعي منه أو بغير وعي) هو توسيع دائرة الأسلمة والاستعراب بحيث تصبح الأيديولوجيا الاسلاموعروبية هي الثابت في التحولات الدينامكية داخل السياق الوطني السوداني”، التي يري فيها نموزجا للنكوص عن دولة “المواطنة الي دولة القبيلة المتمثلة في نموزج الدولة المشيخية”.  في مجالات الفكر والأيديولوجيا هناك دوما اتجاهات متباينة ومتعارضة كذلك. ولكن الفكر السائد دائماً هو الفكر الملائم للظروف المادية والحياتية التي يعيشها الناس. فالدعوة للليبرالية مثلا، نشأت منذ اماد بعيدة ولكن لم تتبلور إلا مع ظهور “الطبقة الثالثة”. فالفلاحون والحرفيون في فرنسا اسقطوا الباستيل والملكية الإقطاعية من اجل مصالحهم المادية. وكذلك بالنسبة للدعوة الاشتراكية فإنها قد استمرت قرونا، ولكن لم يحدثنا التاريخ بان الطبقة السائدة أو الحاكمة، قد انتفضت وثارت من اجل تطبيق الاشتراكية، ولكن من يفعل ذلك هم “العمال”، فقط لان ذلك يتفق ويحقق مصالحهم. ولم نسمع بان طبقة إقطاعية ما قامت بالتخلي عن حيازة الأرض وقامت بتوزيعها علي الفلاحين من واقع مبدأ “الأرض لمن يفلحها”، ولكن الفلاحون هم من قاموا بثورات تنزع الأرض “بالعنف” من السادة والإقطاعيين، ولم نري أو نسمع بأن دكتاتورا تخلي عن سلطته طواعية لصالح الديمقراطية والحرية، ولكن “الشعوب” هي التي تفرض اراداتها لتحسين الشروط السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يعيشون فيها. 

المثقف تاريخيا وثيق الصلة بالسياسة ويمكن ان يكون سياسيا محترفا، منتميا، منظرا وسياسيا ممارسا للسلطة مع ان ابن خلدون قال بتمانع الجمع بين الرياسة العلمية والسياسية، اذ لكل منهما اسبابها ووسائلها وأغراضها. وبما ان احزابنا وتنظيماتنا التقليدية، قد نشأت كمتشكلا من تحالف البيوتات الطائفية مع الزعامات القبلية والعشائرية، فان هذه المرجعية قد اثرت علي بنيتها التنظمية وصياغة رؤيتها ومواقفها الفكرية، وكذلك تشكل مسار تطورها التاريخي، اذ انها عادة لا تطرح قيادات خارج نظمها وتراكيبها القديمة ونسق تحالفاتها القائمة علي توارث القيادة الحزبية بحكر حصري علي الزعامة التاريخية وإعادة انتاجها في المستوي الراسي والافقي. ما لا شك فيه انه ومن غير القيود والنظم والتعاليم الحزبية والتنظيمية، وكذلك البني التنظيمية، نجد ان العقل الذي يدير هذه التنظيمات يعي جيدا ضرورة الاحتفاظ بديمومة هذه القوالب مع الاحتفاظ بالمسافات باقية، علي الاقل لاستدامة هذه الهيمنة عبر آلية اعادة اختراع الماكينة، والتي في جوهرها لا توفر المناخ والبيئة الحاضنة المناسبة – التي تستوعب اجتهاداته الفكرية والأيديولوجية  ونزوعه للحرية والكرامة الإنسانية – ضمن تراتيبها الموضوعة أصلا، وأيضاً أنها تدرك ان المثقف يتمتع بموهبة خاصة تؤهله لكسر الدائرة المغلقة لإعادة إنتاج التخلف والعقائد والمفاهيم البدائية البالية وغير الملائمة لعملية التحول والممارسة الديمقراطية. كما ان هذه الخواص تأهله من مزاحة القيادة وهذا ما لم تكن هذه القوي الحزبية وزعاماتها التقليدية مستعدة وجاهزة له علي اقل تقدير الآن. رغم جهود التطوير والتجديد التي اطلعت بها بعض هذه الاحزاب إلا ان جهودها لم تفلح في الخروج من هذه المعادلة باتجاه تفعيل النهج والتفاعل المؤسسي الحقيقي المطلوب. يري الدكتور محمد جلال هاشم في المرجع السابق بخصوص الممارسة الديمقراطية، ن الاحزاب اليمينية الكلاسيكية تقوم مؤسساتها في جانب منها علي التوريث ومفهوم العرق النبيل … – وكذلك الاحزاب اليسارية الكلاسيكية ،علي حد سواء – لم تتعامل مع الديمقراطية باعتبارها وسيلة مثلي للحكم ولا بالديمقراطية مبدأ، بالتالي غيابها في مؤسساتها الداخلية. وإنما يذهب اكثر من ذلك بتحميلها مسئولية التجارب الديكتاتورية وإنعاش التيار الثقافي النازع نحو الديكتاتورية. الي هنا ربما تبادر الي الذهن تساؤلاً اخر هو، هل المثقف الناقد او العضوي علي النحو الذي ورد، متواجدا بالأساس داخل ابنية وصروح وهياكل هذه التنظيمات الحزبية؟ – ام ان شبهة التناقض شاخصة من كون سلوك هذه الاحزاب بيروقراطي، وتبريري، وتقليدي، تكتيكي، بينما نشاط المثقف برهاني، فكري وحرا طالقا الخيال فهو استراتيجي؟ وهذا قطعا لا يعني التناقض او التضاد ولكن الفصل بين الفكر كفاعلية تسعي لإبراز الحقيقة وبين السياسة كغاية لتحقيق الممكن، وفق مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، وهل هذا في حد ذاته منطقا صالحا لإنتاج الوعي؟! وهل نلمح اي اثرا لغياب لهذا المثقف ودوره في عملية انتاج الفكر والابتكار والمعرفة داخل هذه التنظيات؟! أم ان من مصلحة المجتمع وجود المثقف خارج هذا النسق محتفظا باستقلاليته وحريته حتي يقوم بوظيفة التوعية، التنوير والتأطير؟! ربما جاز الزعم بان وجود المثقف خارج أطر هذه التنظيمات، يعد في حد ذاته عاملا أساسيا في ضعف الطروحات السياسية وغياب الاجتهادات الفكرية والأيديولوجية لدي هذه الأحزاب. وهذا ربما يفسر ايضا ضعف بنياتها التنظيمية وبالتالي اتساع البون بين القاعدة الجماهيرية والقيادة التنظيمية ما أضعف سندها الشعبي. غياب دور المثقف تجسده حالة التوهان والاغتراب ان جاز المعني التي يعشها الشارع السوداني بأسره والتي تستدعي حضور وظيفة المثقف في عملية التنوير ونشر الوعي بالإجابة علي الأسئلة الحائرة والمرتبكة والملتبسة وتفكيك منظومة المفاهيم الخاطئة وإبطال مفعول ترسانة الرسائل المفخخة والمضللة التي أنتجتها وضختها ماكينة الإعلام الرسمية وجماعات الحرص القديم لمصادرة الوعي الجماهيري وتعميته عن الحقيقة مستخدمة في ذلك ارتالا من المثقفين والصحفيين الانتهازيين وبعض الاحزاب الديكورية للعب هذا الدور الرخيص.

أما الحركات المسلحة، كقوي سياسية حديثة ناهضه يرجى لها ان تلعب دورا متقدما في الحياة السياسية السودانية في مستقبل الأيام تنتظرها أعباء جسام حتى تستفيد من الفرصة التي أمامها لترفد الحياة السياسية السودانية بتيار جديد يعيد لها الحياة  ويحيى الامال فيها لأجل بناء نهضة هذا الوطن. فهي تمثل نظريا قطاعا عريضا من الشعب السوداني وتعبر عنه وكذلك تجد منه الدعم والقبول السياسي. وبتجرد تام، هذا يطرح أسئلة علي شاكلة قدرتها علي تجاوز اخفاقات القوي السياسية التقليدية – هيكليا، مؤسسيا وفكريا- بافساح المجال وتهيئة الفرص لقطاعات عريضة من المثقفين السودانيين للاسهام في تطور هذه التجربة، وكذلك قدرتها علي تجاوز ذاتها، بمعنى قدرتها علي صياغة تحالفاتها التنظيمية، وصولا الي وحدة تنظيمية تقوم علي بني هيكلية مرتبطة بالقاعدة الجماهيرية ومستوعبة لها وفق رؤية سياسية وفكرية تستجيب لمعالجة الإشكالات والقضايا المحورية في اطار نظري ومنهجي واضح له القدرة علي التطور والابتكار. الشيء الذي يضمن  توسيع قاعدتها علي الاقل في نطاق كتلها البشرية والإقليمية وبالتالي يؤهلها لحجز مقعدها كحزب للأغلبية في  في العقدين القادمين. فلهذه القوي نجاح مدون تشهده قدرتها علي إدارة الحرب لعقود من الزمان وكذلك المناورة السياسية عبر مسارات السلام و جولات التفاوض المتعددة. وعلي الاقل يمكننا القول أنها من المؤكد في مستقبل الأيام سوف تحدث واقعا سياسيا واجتماعيا أفضل للشعوب التي تناضل من اجل قضاياها. والعمل الثوري المسلح، كوسيلة نضال ودرجة وعي متقدمة، اخذ مسار تطوره في النوع والكيف والأثر، كنتاج لواقع متأزم تحددت به هذه الخيارات نفسها، لتحقيق أهداف سياسية مشروعة أكسبته في ذاته مشروعية تنازع وسائل النضال الأخري المكانة والفاعلية، وان شئت حتي ألجاذبية كنتيجة لموات الحياة السياسية الذي املته احادية النظرة ورفض التعدد والتحاور وحرية الاختيار وتضييق مساحات العمل السياسي المفتوح الذي ينتج فعلا وأثرا في حياة الناس السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية باتجاه موجب تتطور معه الممارسة الديمقراطية والسياسية نفسها وصولا لغايات الاستقرار السياسي الشامل بأبعاده كلها. فاتساع دائرة التناقض  واللامعقول علي المستوي السياسي الاجتماعي والاقتصادي ضيقت من هامش المناورة وجعلت الخيارات محدوة ومحتومة. وإذا توافقنا في الرأي علي ان هذا التدافع وهذا الصراع المتعلق بإدارة الدولة وقضايا الحكم لا يخرج من دائرة الطموح لتحقيق العدالة الاجتماعية وتحقيق التنمية البشرية والاقتصادية في ظل نظام مدني، تتحقق فيه المواطنة علي اساس الحقوق والواجبات ويسود فيه حكم القانون وتعلو فيه قيم الديمقراطية والعدالة والمساواة  ويشاع الأمن الاجتماعي بين الناس وتنداح الحريات والحقوق الانسانية ويتبادل فيه السلطة سلميا وديمقراطيا، لزادت حيرة المراقب وربما تقافز للأذهان سؤال  ما الذي يستعصي علي عقلنا السياسي في ان ينتج فكرا يتوصل عبره الي صيغة من صيغ المعادلات والتسويات التي تحيل هذا الحلم المشروع من دائرة الاستحالة الي دائرة الممكن؟! وعلينا في ذلك ان نقول لشعبنا بصراحة وبشكل دارج، كم من الأجيال نريدها ان تنتظر حتي تري هذا التحول المامول ماثلا عيانا دون كلفة بشرية أو خراب للديار.

بالنظر الي التشوهات التي لازمت الحركة السياسية السودانية، وتمثلاتها المختلفة من أزمة في الحكم، و ضياع للمسار الديمقراطي وضعف للعملية السياسية، نكون اكثر قدرة علي تصوير قراءتنا ورسم تخيلاتنا للمستقبل من واقع هذا التطور المائل والمنحرف. ومن ذلك نتوقع ثلاثة احتمالات ربما انتهي اليها هذا ألتطور نتمني ان نكون علي أقل تقدير متشائلين وليس متشائمين، فالأول، ان يتحول نمط الاغتيالات – سياسيه، معنوية او تصفيات جسدية – الذي تمارسه أجهزة الدولة الأمنية بأساليب مختلفة ضد الخصوم السياسيين الي نمط اغتيالات نوعية ضد رموز العمل السياسي من قيادات السلطة الحاكمة أو المعارضة علي حد سواء بشكل متبادل علي النحو الذي تشهده العراق، باكستان، أفغانستان وتونس والي آخره. والاحتمال الثاني ان تقوم مجموعة او مجموعات من الواجهات الناهضة والنازعة نحو التطرف التي انتجها النظام من واقع سعيه لتضليل الرأي الاقليمي والدولي – بان التغيير الراديكالي لنظام الحكم سينتج فوضي شاملة ليس في السودان فحسب بل في كل المنطقة باعتبار ان التغيير يستهدف هوية وثقافة محددة كما يروج دائماً – ومن داخل الخرطوم مركز العصب الحي للدولة السودانية بمحاولة مراهقة وبائسة للسيطرة علي مقاليد الأمور بالقوة حرصا منها للحفاظ علي المكاسب المتوهمة التي في ظنهم ان الإنقاذ قد أنجزتها. وبذلك نكون قد قضينا علي كل أمل يدغدغ اشواقنا ويلامس عقولنا لعودة راشدة للمسار الديمقراطي وحيوية فاعلة وملهمة للحياة السياسية وعندها تكون نهاية السياسة. أما الاحتمال الثالث فهو ذا صلة بالاحتمال الثاني، فإذا ما استمر الحال علي تكلسه هذا وفشلت المعارضة بشقيها في الوصول لموقف سياسي وفاقي شامل ومعلن يعطي هذا الشعب أملا، فتقدم الجبهة الثورية لإنجاز عملية التغيير ربما حفز تلك المجموعات – في الاحتمال الثاني – ان تتدخل في تصرف استباقي لتغيير معادلة الحكم مع احتمالية توسيع دائرة تحالفاتها بذات الأسباب المذكورة. عندها ستكون نقطة الالتقاء الفاصلة والحاسمة لكل قوي الصراع في مواجهة شاملة مسرحها الخرطوم، تقفل بها مزادات المناورة السياسية المتعنجهة. وعندها منطق القوة هو الذي يحدد الخيارات المستقبلية، بشكل قطعي وحاسم تنتهي به كل اشكال التفاوتات والتناقضات الموجودة الآن.   

الحالة الراهنة تستدعي نهضة سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية شاملة، أي بروسترويكا سودانية، تعبر عن حاجتنا لروية جديدة، تتغير فيها زوايا نظرتنا للأمور بشكل اكثر واقعية وعقلانية. تاسس لحوار حضاري وطني يذيب التناقضات الحاصلة بين مكوناتنا السياسية والاجتماعية والثقافية بفعل نزعة السيطرة والتمركز وربما عقلية التفوق بغرض إنتاج الآخر وفق رؤيتها. يسهم في هذه النهضة المثقف بقدر كبير لتحريك كل قطاعات المجتمع السوداني لتحقيق مستويات أعلي من التسامح والتعاون المشترك في الهم والمصير الواحد، بخطي يقينية واثقة ومتزنة، تفضي الي واقع أكثر سلما وأمنا واستقرارا وتشفي النفوس من التمزقات والإحن التي أفرزتها الحروب المتطاولة وسياسات الانحياز الماكرة. عندها سيتغير كل شيء حولنا، أولوياتنا، منظومتنا القيمية، خياراتنا، أحكامنا، وحتي مطالبنا ورؤيتنا للمستقبل.

نجم الدين موسي عبد الكريم

نائب الأمين السياسي لحركة العدل والمساواة السودانية

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار, أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.