الثورة السودانية نجحت قبل ان تنجح

بقلم = بحرالدين ادم كرامة

يُسَجل للشعب السوداني ، وشبابه المذهل، أنه سينجز أنظف ثورة شعبية يمكن للمرء أن يتخيلها. قطرة دمٍ واحدة لم يسفكها شبابه الذي سُفِك دَمُه في الساحات العامة. وإن كان الأمن لم يتوقف عن إلقاء حمم الموت على المتظاهرين. رابط الشباب حيث رابط ، في حشود بشرية أسطورية متمسكاً بحقه في صنع مستقبل مشرف يليق بوطن تاريخي صنع شعباً تاريخياً، لم يفعل أكثر من أن قال لرئيسه ارحل، وبمطلبه هذا تمسّك ولم يتنازل.

عزيمته قُدت من صخر، ومن صبر طويل نُسجت خيوط إرادته. حاول تيئيسه مَنْ حاول، لكن أمره اعْتَاص على من راهن على تعبه. وحده في الميدان، لا أحد معه، لا أمريكا ولا أوروبا ولا أهل ولا جوار. لكن إرادته والتصميم وحدهما كانا يكفيانه كي يبقى حيث هو : يرعى نبتة الثورة ويرويها بعرقه ودمه إلى أن تحين لحظة الحصاد القريبة.

تقتضي الأمانة اعترافاً بأن الثورتين التونسية والمصرية تشبهان رفيقتهما السودانية في النظافة والروح المدنية السلمية. غير أن الفارق، الذي يلقي الضوء على مثالية الحالة السودانية، أن الحظ الطيّب ساق للثورتين التونسية والمصرية نهاية سريعة من مسلسل المواجهة مع الطغاة وأجهزتهم، وفرت عليهما احتمال أن تسلكا دروباً أخرى متعرجة، بينما كان قدر الثورة في السودان أن تنتظر مثل تلك الخاتمة الطيبة،

نجحت الثورة السودانية قبل أن تنجح. نجاحها الأخير أن تطوي صفحة هذه اللحظة العبثية التي يوجد فيها رئيس ليس موجوداً، ويستمر فيها نظام لم يعد يحكم، ويتمسك فيها عهد بما لم يعد يملكه. نجاحها الأخير في أن تنتقل من هذه الحالة الخرافية إلى بناء النظام السياسي المطابق لأهداف الثورة. لكنها أحرزت نجاحات كثيرة قبل هذا النجاح الأخير. نجحت – ابتداءً – في أن تحقق تحقيقاً مادياً معنى الثورة، الثورة تكثيف للإرادة العامة، والإرادة هذه – في التجربة السودانية – إرادة شعب بفئاته وقواه كافة في التغيير. لم يكن مفاجئاً، إذاً، أن توفر هذه الثورة كل هذا
النصاب
الشعبي في مسيراتها واعتصاماتها في المحافظات والمدن كافة، وأن تلقى التأييد والمساندة في الداخل والخارج من ابناء وبنات السودان، وأن تصل صيحتها ورسالتها إلى داخل النظام نفسه فتستصرخ الضمائر الحية فيه وفي أجهزته ومؤسساته )جيشاً وبرلماناً وجهازاً دبلوماسياً) فتحملها على فك الارتباط مع عهد أجمع الشعب على طيّ ذكراه.

والثورة فعلٌ اجتماعي وتاريخي ينهض به شعب لا نخبة تنوب منابه أو تدعي تمثيله في معنى ذلك. ولذلك ما كان الفاعل في هذه الثورة، وهو الشعب، في حاجة إلى أن يتصرف في مواجهة النظام وأجهزته تصرّف أقلية ضعيفة تعوض عن ضعفها بقوة السلاح، إذ هو يملك قوته التي تكفيه – كأكثرية في المجتمع – وتغنيه عن سلاح أو عن العنف

والثورة وطنية المضمون والمحتوى بالضرورة، وقرارها مستقل استقلال إرادتها، وليس من ثورة تندلع فتنتظر من أحد أن يستكمل ما بدأته أو يشاركها شرف التغيير، لذلك ما سمعنا أحداً في ثوار السودان يلتمس عوناً من مجلس الأمن أو من عاصمة دولية أو من حلف عسكري عالمي

إن كلّ رأسمال مصداقية الثورة السودانية يكمن في وطنيتها واستقلالية قرارها واستعصائها على الاختراق الخارجي : الأجنبي وحتى العربي، وهذا ما يفسر لماذا وحدها لم تتمتع بالعناية الدولية الفائقة، وبكرم التصريحات والقرارات المساندة، فلم تصدر في حقه بيانات إدانة عالمية ولا مسّته عقوبات أمريكية وأوروبية، ولا لاحقته إدارة أوباما ووصيفاتها الأوروبية
نجحت الثورة السودانية قبل أن تنجح، نجحت في أن تعيد إلى وعينا المعنى الحقيقي للثورة : موارد الثورة تصنع ولا تستورد، وفعل الثورة فعل بالأصالة لا بالنيابة ولا بالشراكة. ونجحت في أن تكون ثورة نظيفة : نظيفة في الشكل بحيث لا يستدرجها القمع إلى تلويث صورتها المدنية بالعنف، ونظيفة في الهوية والمضمون بحيث لا لبس ولا شَوْبَ في وطنيتها وقرارها المستقل. وهي – وإن أصابها من العالم تجاهل وإنكار ومن العرب والمسلمين إجحاف – تبقى دُرة التاج في هذا الربيع العربي والترمومتر الذي يقاس به معنى الثورة في دم الحراك الاحتجاجي

لله درك يا ثورة السودان ويا احرار وحرائر السودان لقد اثبتم وستثبتون للدنيا ان الارادة هي اساس النجاح والصمود هو اساس وبداية النصر والثورة هي التي تربي وتخرج الاحرار

 

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار, أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.