صراع الإرادات السودانية..من هو المنتصر ومن هو الخاسر..؟!.

النظام يقتل ليبقى في الحُكم.. والشعب يصارع الظلم ليبقى على قيد الحياة..!!.
خالد ابواحمد

هذه الصورة التي يعجز المرء أن يعبر عنها للشهيدة حواء كوة من منطقة تارا بجبال النوبة التي احترقت داخل منزلها جراء القصف الجوي بسلاح الطيران السوداني يوم 13 أغسطس الجاري، أي قبل أقل من 10 ايام كانت حواء في منزلها مع أهلها وذويها الذين أرهقتهم المصيبة مع الغارات الجوية المتواصلة ودوي انفجارات القصف الجوي والجري للبحث عن مكان آمن للإختباء من موجات القصف اليومي الذي قتل الكثير من البشر في جبال النوبة، وقد رأينا في إحدى الأفلام التي صورها أجانب من داخل الكهوف في الجبال المعاناة التي يعيشها الذين بترت أطرافهم من الأطفال والنساء والرجال، ومشاهد مروعة للحد البعيد تفجر عشرات الأسئلة الصعبة وتضع الآلاف من علامات الإستفهام، ومعها عبارات الدهشة لا حولة ولا قوة إلا بالله، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

العصابة الحاكمة في الخرطوم والتي ترسل الطائرات لقتل المواطنين في مساكنهم لا ترى ألبتة أنها ستقف أمام رب العالمين للحساب، ولا تعتقد إلا بفكر تنظيم القاعدة الذي يرى بأن قتل الذين لا يتفقون معهم في الفكر يُوجب دخول الجنة وأرفع منازلها، لذلك هي ترى بأنها مؤيدة من الله سبحانه وتعالى، لذلك تحارب وتمارس الإقصاء لكل من اختلف معها في الرأي والفكر ، وأكثر كُرهها وبغضها للذين يطالبون بحقوقهم العادلة في التنمية وإعادة توزيع الثروة.

المتابع لموجات القتل شبه اليومي في مناطق مختلفة من السودان يدرك بحسن فطرته أن نظام القتلة ومصاصي الدماء يريق الدماء العزيزة لكي يبقى على سدة الحُكم، فأرواح عزيزة وأنفسٌ أبية كانت تطمح لمستقبل باهر يُغير الواقع المزري ويصنع مستقبلا جديداً تسوده الرفاهية التي حرموا منها زمنا طويلاً، شباب وشابات في عمر الزهور سقطوا مثل أوراق الخريف في ليل حالك السواد، رحلوا عن الدنيا بدم بارد بنيران حاقدة متجردة من كل انسانية، ومن قلوب لم تعرف يوماً قيمة الحياة ولا تعرف للرحمة معنى، باعوا أنفسهم للشياطين القتلة من وراء الستار.

نساء هُن أمهاتنا وخالاتنا وعماتنا وأخواتنا..ورجال بينهم مُسِنُون من أجدادنا وآبائنا وأعمامنا قُتلوا على يد قاتل محترف القتل أعتقد أنه كلما زاد في قتل الأنفس الزكية كلما ضمن لنفسه أعلى مراتب الجنان، وزيّن له تجار الدين هذا المعتقد العجيب، إن الشعوب السودانية دفعت ضريبة مطالبها المشروعة ديناً وشرعاً وعُرفاً وقتلاً وتمثيلاً بالجثث وذلك تنفيذاً للشعار (الانقاذي) المعروف – أكسح امسح ما تجيبوا حيّ- فكانت الصور البشعة التي تملأ فضاءات العالم وتعكس دموية النظام الحاكم في السودان، فإن العقلية التي تحكم بلادنا العزيزة تتعامل مع المطالب المشروعة بعقلية استقصائية وعقيمة وفيها تكبُر وتجبُر واستعلاء عرقي زائف وكبرياء من وهم.

إن عقليات النظام تتعامل مع الحركات المتمردة التي حملت السلاح ضد المركز نتيجة للظلم البائن وللجرائم الفظيعة بإقصائية وعنجهية تجبر الطرف الآخر على عدم إلقاء السلاح والجنوح إلى السلم والحوار، هذه العقلية هي التي أدت إلى هذه الوضعية الغريبة التي يعيشها رئيس البلاد المطارد وضعته ضمن المتهمين بجريمة الإبادة الجماعية وجرائم الحرب ومُطالب من محكمة الجنايات الدولية، وقد اعترف بنفسه بذلك عندما قال بأن الاسباب التي أدت لحرب دارفور (تافهة) وما كان لها أن تكون،..نعم تافهة لأنه استعلى واستكبر عندما جاءه من يخبره بان أبناء دارفور يريدون التحاور معه حول حقوق لهم يرون أنها منتهكة فقال قولته المشهورة “نحن لا نفاوض إلا حاملي السلاح، ومن أراد التفاوض فليحمل السلاح وبعد ذلك سنفاوضه”..!!.

الاعترافات البلهاء..!!

في السنوات الآخيرة أصبحت قيادات النظام تُدهش السودانيين باعترافات ظلت مكان نفي طيلة عقدين من الزمان وأكثر، ودفعت فيها العصابة الحاكمة الاموال الطائلة لتفنيدها، واليوم أصبحت حقائق بلهاء جعلت المرء يفتح فاهه غير مصدق، وهو ما يشير بوضوح لإختلاجات النفس البشرية لدى القتلة وصراعات الذات والاحساس أحياناً بالذنب، وكانت أول الاعترافات للرئيس عمر البشير عندما اعترف بوجود بيوت الأشباح وحقيقتها والواقع الذي كانت فيه،والأمر الغريب والمؤلم أنه في ذات الايام التي اعترف فيها الرئيس كانت الاجهزة الامنية تشهد اغتصاب المعتقلين والمعتقلات والتنكيل بالشرفاء، وقد حسب الناس بأن اعترافات الرئيس لها ما بعدها ومنهم من قال أن الرئيس يريد أن يُكفر عن ذنوب النظام وسيمنع التعذيب في معتقلات الأمن وسيوقف التنكيل بالمرأة السودانية في السجون والمعتقلات..لكنه لم يحدث حتى الآن ولم يحدث..!!.

وكان الاعتراف الثاني عبر صحيفة (الشرق الأوسط) عندما اعترف صلاح قوش أيام قوته ومنعته وترسانته الأمنية القبلية منها والرسمية بأنهم كانوا قد سلحوا القبائل العربية ومدّوُها بالسلاح لحرب القبائل الآخرى، وطمئن السودانيين بأن قال أنهم “سوف لا يفعلوا ذلك مرة أخرى”..!!.

علي عثمان محمد طه صاحب أكبر رصيد من الاعترافات البلهاء..!!.

الكثير من مؤيدي الحزب الحاكم في السودان يعتبرون بأن علي عثمان محمد طه (حكيم الأمة) كما قال د. محمد وقيع الله في واحدة من تجلياته في مدحه لعلي عثمان،  فإذا كان وقيع الله أحد منظري ومفكري النظام يعتقد في علي عثمان الحكمة فإن القاعدة الجوفاء للحزب تعتبره فريد عصره، وقبل حوالي 10 أيام من الآن اعترف علي عثمان محمد طه بقوله ” اكتبوا على لساني لقد فشلنا في الحكومة والحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني في صناعة صحافة وإعلام ناجحين” ليس هذا فحسب بل شن هجوماً شديداً على الصحافة السودانية واصفاً إياها بـ”قصر النظر وتغليب المصلحة الخاصة على مصلحة الوطن وعدم الاهتمام بقضايا البلاد الإستراتيجية”، وهو في ذلك لم يأتي بجديد لكن الجديد هو اعترافه شخصياً بأمر معروف للجميع منذ مجئ العصابة للحُكم ولذلك أقول انها اعترافات بلهاء وليس لها قيمة.

وفي يوم 15 سبتمبر 2006م اعترف علي عثمان محمد طه في المؤتمر الصحفي الذي انعقد بمجلس الوزراء بوجود رقابة أمنية على الصحف وكان رؤساء التحرير الموالين للنظام والحكومة نفسها تنفي وجود رقابة من هذا النوع، وعندما أمطر بالأسئلة من الصحفيين قال” ان الرقاية الامنية على الصحف هذه الايام أمر استثنائي”.

في يوم 17 اكتوبر 2012م اعترف علي عثمان محمد طه نائب رئيس الجمهورية بفشل خطة حكومته الخمسية وعزا ذلك لضعف الكادر البشري وضعف التمويل- في اعتراف صريح بفشل سياسات التمكين التي أقصت آلاف الكوادر الوطنية المؤهلة وأبدلتها بكوادر من (الحركة الإسلامية) مما ساهم في اصابة البلاد كلها بالفشل.

وفي يوم 13 اكتوبر 2009م اثناء مخاطبته لدورة الانعقاد التاسعه للمجلس القومي للتنمية العمرانية بالخرطوم اعترف علي عثمان محمد طه “بخطأ ارتكبه المفاوضون فى نيفاشا بعدم جعل سلطة التصرف في الأراضى شاناً قومياً يعالج بمنهجية خاصة، مثله مثل الموارد التى في باطنها، قائلاً  “خسرنا من الشراكة المتشاكسة” سُلطة التصرف في الأراضي، فنفّرنا الإستثمار العربي والأجنبي بسبب التضارب في الإختصاصات والسلطات حتى على المستوى الواحد”، وكان هذا الاعتراف من أخطر الاعترافات التي سجلها التاريخ وتؤكد بأن النظام فرّض في الأرض.

وتعليقاً على اعتراف علي عثمان قال د الطيب سليمان ابنعوف هذا “حديث ينم عن أن الرجل وبعد اكثر من ثلاثه عقود في السياسة السودانية، لم يستوعب أس الداء الذي تتأصل منه قضية عدم الاستقرار في السودان”.

وخاتمة القول أقول أن نتيجة صراع الإرادات في السودان سينتهي بانتصار الشعوب المُطالِبة بحقها في العيش الكريم لانها قدمت الأرواح الزكية ولم تبخل بها وقدمتها قرباناً للهدف السامي النبيل، أما الخاسر الكبير الذي ستلعنه الأجيال على مر العصور المقبلة هو الظالم المستبد الذي استباح الحرمات وقتل الناس شر القتل، سيجدوا أضعاف العذاب الذي أذاقوه لأهلنا عذاب من الله العزيز الجبار الحكم العدل الذي لا يظلم عنده أحد لكن أكثر الناس لا يعلمون.

22 أغسطس 2013م

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار, أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.