الصادق المهدي يحتاج الى عالم نفساني‎

صلاح شعيب
خلافا لكل القادة السياسيين فإن طبيعة فكر الصادق المهدي بحاجة إلى فحص بواسطة عالم نفساني لدراسته بشكل مميز لتفكيك هذه الذهنية الطوطمية. هذا القول تمليه ممارسات كثيرة مرتبطة بالرجل الذي ما يزال هدفه في هذه الدنيا بغير تحقق بعد ليثبت أنه حقا زعيم أمة. للأسف كلما زادت السنين تلاشت قدرة الصادق المهدي على اقناع الناس بصدقه. أو حتى إقناع الناس بأنه قارئ حصيف للتحولات السياسية التي حدثت في الخمسين سنة الماضية. ولذلك ليس غريبا أن ينتهي كسفير لنظام مستبد كي يبيض وجهه، أو يفك كربه العديدة والقاتلة، أو يكون موظفا لهزيمة الخصوم السياسيين للنظام. هذا الكلام يكتبه الفرد وهو متحل بأقصى درجات الموضوعية. وما هي الموضوعية إن لم تنور الناس بسلبية رجل على المشهد السياسي، هو الصادق.؟
طبعا طوال جهده السياسي لم يعترف الصادق أصلا بأخطائه لتكون له فضيلة في هذا الجانب. بل ولم يبد أي شكل من أشكال المراجعة لمرجعيته السياسية التي اعتمدها. طبعا هي كلها نثارات من منثورات الايدلوجيات المتعارضة. فهو مقتنع بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية فوقيا وليس على مستوى القاعدة كما ينادي سلفيون تدرجا مع الفرد. كذلك هو مع العلمانية في استنارتها الفكرية وإيمانها بأهمية الفصل بين السلطات. ومن ناحية أخرى فهو متعلق بحداثة كلود ليفي شتراوس، والتوسير في آن واحد. يحاول الإمام إذن أن يكون تنويريا محليا ودوليا عبر كتاباته التي تدعو للحفاظ على البيئة، والرفق بالفقراء عند تطبيق اتفاقية التجارة التفضيلية، وتقليل الاحتباس الحراري، وجعل الحضارات متحاورة بدلا عن القول بصراعها. أيضا كان رئيس الوزراء السابق لا يني من الإكثار من السفر حول العالم لتحقيق تحالف راسخ مع ماليزيا، ومع القذافي والاستزادة بدعمه في ذات الوقت، وتمتين جسور الصلة مع إيران الحاكمة شيعيا. ومن جانب تجده “سودانويا جديدا” يتبنى بعض الرؤى التي يطرحها الخارجون على الدولة للحفاظ على وحدة البلاد. ومع ذلك كان يبدي حساسية، وتخوفات من تحقيق العدالة التي تجعل من الجنوبيين – سابقا ـ مع بقية أهل الهامش أقوياء سياسيا لفرض معادلة جديدة في المشهد السياسي.
الغيرة إزاء قرنق ومشروعه كادت تقتله يوما. ولذلك ظل يهاجم اتفاقية السلام الشامل كونها تخطته. والغيرة المعنية بدأت منذ أيام وجوده في مصر. وحين فشل في أن يلوي يد الحركة الشعبية المتحالفة مع “مولانا” واليسار أهال التراب على أعضاء التجمع وتذكر صهره الذي سعى ليستنجد به. وبالتالي رأي أن الطريق إلى الخرطوم يبدأ بجيبوتي أو فرنسا لا “قرورة” التي دعا أبناء الانصار إلى السفر إليها ليتبعوا هدايته هناك، أو ليهتدون.
ولا تنتهي بانوراما المهدي عند هذا الحد فهو يبدو سودانويا ينظر في مسائل “الحنة، والدخان” وتزيين منزله بفن تشكيلي أقرب لتيار مدرسة الخرطوم. بل ويبدو الرجل “استايلست” حين ينتقد الجيل الجديد المتخم من النساء ويدعوه إلى التخلص من الشحم الذي ربما هو ورم أغاني الحقيبة. وعروبية الرجل تتمثل في قدرته على تسويق نفسه من خلال الخطاب الفكري الذي يؤسس لعروبة السودان فيحاول الإيماء بأن من ينادون بالأفريقانية ـ لمجرد أنه ينادي بالعروبية ـ يحققون معارض لذبح العرب لاحقا. أما إسلامويته فتتجسد في قناعته بربط الدين بالدولة بدلا عن ربط الدين بالفرد، والذي إن صلح صلحت الدولة وتأسلمت، أو تهودت، أو تمسحت دون الحاجة إلى القول بإسلاميتها، مثالا.
أما رياضة المهدي فتديم علاقاته العامة مع البرجوازية السودانية التي تمثلت في الرأسمالية الرثة وبعض اصدقائه الجوكية الذين أدخلهم إلى الحزب من خانة مواهبهم في إدارة اتحاد الفروسية. الرجل أيضا اثبت ديكتاتورية مؤصلة ونتائجها انفضاض سامر الناس القياديين عنه. أنانيته تتمثل في أنه يجأر مبتزا بالشكوى إن لم يكن القرار في تحالف يقوده هو قراره. وإذا تمادى سعى لـ”فرتقة اللعبة”. هكذا هو الرجل الفاخر الذي ربما نجح هنا وهناك كأنسان حقق ذاته من بعد حراكات ظنها نبيلة. ولكن الشئ الذي لم ينجح فيه المهدي هو توظيف كل هذا الإرث لأن يكون رجل دولة حقيقي في بلد كانت تحتاج لصدقه، ومبدأيته. ونحن كما نعلم أن رجال الدولة الناجحين هم الذين يستثمرون الوقت للتأمل والخروج بمهتديات سياسية معقولة وعملية.
تقريرنا، أعلاه، بحراك المهدي النشط لا يهدف إلى تبخيسه أو تتفيهه. فقد حقق رغباته في كثير منها. ولكن فإن أكثر شئ نجح فيه هو الإكثار من الحديث غير المثمر عن موقف واضح وحازم، أو الكتابة التي تجد فيها إتساق الموقف. إنه يجيد زخرف القول والاستناد على إرث البلاغة العربية، والاقتباس من القرآن، والشعر الجهلي بما يتماشى مع أهدافه وليس الحقيقة. ولكن، عمليا، الثمرات التي جناها السودان، أو العالم العربي، أو افريقيا والإنسانية جمعاء، ضئيلة إزاء إهداره للجمل المفيدة. وبصرف النظر عن كونه مفكرا أو كاتبا ذي توظيف ماهر للغة الأزهر، أو القيروان، أو المعهد العلمي الامدرماني، فإن الصادق لا يصحح الذين يغدقون أمامه لقب المفكر. ومن الناحية العلمية أن قيمة المفكر هي في تأثير انتاجه على إحداث التحولات المجتمعية، أو في امتلاك فكرته لتصورات واضحة لم تجد حظها من التوظيف.
برغم نصف قرن من التجارب وتسويق نفسه كزعيم للأمة، المجتمع والحزب معا، وكأمام للأنصار فإنه ظل يلدغ من جحر النظام عشرات المرات ومع ذلك لا يرعوي من تجنب الوقوع في الفخاخ. إنه جلس مئات المرات مع النافذين الإسلاميين بحسن نية ولكن في كل مرة كان يوظف لقتل أفكاره وتحجيم حراك أمته. مئات الإساءات والشتائم في الصحف وما قيل في الغرف الخاصة عن الصادق لم تثنه من “تعشم الخير” في الإخوان المسلمين.
وإذ إن فكرهم الذي قسمهم ثم قسم البلاد ودمرها، وجلب محنة دارفور وبقية الأمصار، وهجر كوادر البلاد، إلخ، ما يزال يسم سلوكهم فإن الصادق المهدي يهمل امكانية أخذ الحكمة حتى لا يثق أن الأخوان سيشاركونه والآخرين في مسائل إعداد الدستور، لا تطبيقه. فضلا عن ذلك فالحكمة إن أعملها فإنه لن يتوسم نهائيا قومية في توجه النظام في المرحلة القادمة.
لا أدري ما الذي شغل الصادق لينسى موضوع تذكرته القومية التي دعا الناس إلى التوقيع عليها لإسقاط النظام حتى يجدد ثقته في البشير وإجمالي النظام من خلال جلسة واحدة لا من خلال تجربة على الأرض؟
ألم يكن هو ذات الرجل الذي أرغى، وأزبد، وهدد، ودعا أنصاره إلى إحالة البلاد كلها إلى ساحات اعتصام إن لم يستجب البشير الذي دعاه إلى الرحيل؟.
إحساسي الكبير الذي قلته لبعض الأصدقاء إن ذلك اللقاء الذي جمع الصادق بالبشير لم يكن أصلا مهموما بالشأن الداخلي. إنها واحدة من تجليات أفكار النخبة الإسلاموية الحاكمة ـ بالتنسيق مع من يهمهم الأمر خارجيا ـ لحمل الرجل على إنقاذهم من ورطة فقد الإسلاميين لحكم في مصر. ولذلك جاء بيان الصادق وقد رقد موضوع الاهتمام بما يجري في مصر بين السطور بريئا. عودا إلى بدء: من يلتقظ القفاز لتحليل الرجل نفسيا لدواع تتصل بمصلحته ومصلحتنا معا.

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار, أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.