عودة غرب كردفان .. ودواعى تعيين الولاة الثلاثة المكلفين !!بقلم / آدم جمال أحمد – سيدنى – استراليا

      أصبحت عودة ولاية غرب كردفان واقعاً بعد أن تم إلغائها بقرار غير مدروس ، وذوبت قرباناً لإتفاقية نيفاشا عام 2005 م ، حينما طالب أبناء جبال النوبة بالوحدة الجغرافية لجبال النوبة بحدودها وبطون قبائلها لكى تسهل لها عملية أجراء المشورة الشعبية كأحد مخرجات إتفاقية السلام الشامل ، وخاصة أن سكان الجبال الغربية (تلشى .. تيما .. طبق .. أبوجنوك .. كاشا .. طروج .. جبل الفرسان .. الحجيرات وبعض أراضى كاركو .. فندا .. كجورية .. والى) جزء أصيل من شعب جبال النوبة ، ولكن أخيراً بطلب وضغوط من أبناء وقيادات المسيرية تم إصدار قرار رئاسى بعودة ولاية غرب كردفان ومرسوم رئاسى إستثنائى بتكليف وتعين ثلاثة ولاة جدد لولايات كردفان الكبرى (إقليم كردفان) سابقاً التى كانت تُدار ــ رغم إتساع الرقعة الجغرافية والمساحة والتنوع والتباين ــ من مدينة الأبيض العاصمة الحالية لولاية شمال كردفان ، أعرق وأكبر مدن كردفان الكبرى ــ لأسباب موضوعية فرضت نفسها على مآلات الراهن السياسى فى السودان خلال الفترة الأخيرة ، منها أسباب سياسية وأمنية وديمغرافية فرضتها عمليات إعادة الهيكلة الإدارية ومراجعة علاقة المركز بالولايات والأقاليم ، لأجل تقصير الظل الإدارى ، والولاة هم أحمد محمد هارون لشمال كردفان ، والمهندس آدم الفكى الطيب لجنوب كردفان ، واللواء أحمد خميس لغرب كردفان ، فلذلك جاء قرار التقسيم وعودة ولاية غرب كردفان وتكليف الولاة الثلاثة نتيجة لتردى الأوضاع السياسية والتنظيمية بولاية جنوب كردفان ، والظروف المعقدة التى تعيشها ، بالإضافة للظروف الأمنية التى عاشتها ولاية شمال كردفان بعد الهجوم الأخير لقوات الجبهة الثورية ، وللخروج من المأزق الذى أدخل أحمد هارون فيها حزبه والمركز فكان خيار التعجيل بتقسيم ولاية جنوب كردفان وتكليف الولاة الجدد ، بعد أن بات هذا الخيار يتشكل فى رحم الغيب وعلى مستوى قيادة الحزب العليا وفى لجان شكلت خصيصاً لهذا الغرض بهدف إيقاف نزيف الإقتتال الذى تشهده ولاية جنوب كردفان ، ولحسم الإشكالات والإفرازات التى يشكل بقاء الوالى أحمد هارون وقوداً لإشتعالها وتجددها ، وللخروج من الورطة التى إنزلق لها الحزب هناك ، كان القرار بتقسيم الولاية وإصدار مرسوم رئاسى بتكليف غيره بالولاية الجديدة دون حرج (دستورى) من إقالته ، خاصة بعد الأمكانيات المادية والبشرية والسياسية التى أغدق بها حزب المؤتمر الوطنى على الولاية فى حملة الإنتخابات الأخيرة والتى ربما لم تحظى بها إنتخابات رئاسة الجمهورية نفسها من تركيز وإهتمام ، ولكنها ذهبت أدراج الرياح ولم تأتى بما يشتهى به الحزب سوى فرق ضئيل من الأصوات ، بالإضافة الى الصدود والممانعة وعدم القبول التى وجدها أحمد هارون فى المناطق الغربية التى يقطنها عرب المسيرية ، لولا التدخل الذى قام به أبناء المسيرية بالمركز المتمثلين فى عمر سليمان وعيسى بشرى وصباحى وغيرهم ولجان الدعم والإسناد التى شكلوها ، وزيارات عيسى بشرى التى ساهمت فى حث المسيرية على التدافع والتسابق نحو مراكز التصويت فى كل من الفولة ولقاوة وبابنوسة ووأبوزبد وغيرها ، وطمأنت المسيرية بعودة ولايتهم (غرب كردفان) وحل مشاكل المنطقة البسيطة التى عجزت عنها المليارات التى رصدها المؤتمر الوطنى لأحمد هارون فى حلها ، فكانت نقطة فارقة فى ترجيح الكفة فى لحظاتها الأخيرة لصالح مرشح المؤتمر الوطنى. فلذلك أن أمر تقسيم ولاية جنوب كردفان لم يكن مفاجأة فهو أحد وعود حكومة المؤتمر الوطنى لمواطنى القطاع الغربى فى حملتهم الإنتخابية السابقة والتى كان طابعها سوء الأداء الذى تجسد فى الإستقطاب الأثنى والعرقى والسياسى بين المكونات السكانية المختلفة فى المنطقة (نوبة – عرب) .. (مؤتمر وطنى – حركة شعبية) ، مما ساهم فى إندلاع الحرب الأخيرة ، وبموجبها تمددت الحرب الى القطاع الغربى بعد دخول لاعبين جدد على الساحة المتمثلة فى قوات (الجبهة الثورية) ، وتهديدها لموارد النفط والثروة الحيوانية ، فشعور المسيرية بالأستهداف دفعهم للتململ والمطالبة بولايتهم التى نحرت قرباناً وطمعاً فى السلام والتنمية ، بينما لم تجلب لهم غيرمزيداً من التمزق والتنافر والإقتتال ، فلذلك أصدرت رئاسة الجمهورية قراراً جمهورياً رقم (103) لعام 2012 م بتكوين  لجنة برئاسة اللواء حقوقى معاش حاتم الوسيلة الشيخ السمانى  وعمر جماع مقرراً  لها وعضوية كل من البروفسير على الكرسنى والدكتور إبراهيم بن عوف والدكتور أمبيلى العجب والدكتور محمد أحمد سالم وعلى جماع عبدالله وعلى جريقندى النعيم والأستاذ دلدوم الختيم أشقر ، وقامت اللجنة بلقاءات واسعة مع حكومتى شمال وجنوب كردفان وومختلف قيادات القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدنى فى المنطقة ، مع دراسة كل الأوضاع القانونية والإجتماعية والإدارية والأمنية ، ورفعت نتائج توصياتها وإقتراحاتها لرئاسة الجمهورية للبت فيها ، ولكن تأخر القرار لتمسك أهالى شمال كردفان بمناطق النهود وغبيش ورفضهم ضمها لغرب كردفان وإصرار الحمر بأن تكون النهود العاصمة ، ولكن الآن وبعودة ولاية غرب كردفان لقد تم نسف إتفاقية نيفاشا ، والتى نحرت وتلاشت بمجرد إنفصال الجنوب ، وبذلك قطع الطريق على مطلوبات التسوية السياسية الممثلة فى المشورة الشعبية وقفل الطريق أمام الحركة الشعبية ومشروعها فى إنتظار تشيع جنازة من يتحدثون عن (المشورة الشعبية) ، وهذا يعنى لا بد لأبناء النوبة البحث عن مخرجات حوار للسلام بأسس جديدة تضمن لهم حقوقهم.إزاحة أحمد هارون وتعيينه والياً لشمال كردفان؟؟تعالت فى الأونة الأخيرة الكثير من الأصوات المطالبة بإقالة أحمد هارون والى جنوب كردفان ، لأنه سبب أزمة الولاية ، وإنطلقت بذلك صفارات الإنذار برحيله ، وتجددت إرتفاع هذه الأصوات مرة أخرى عقب تعرض مدينة كادوقلى حاضرة الولاية لمرات عديدةً ولهجوم مسلح من الحركة الشعبية ، تبرهن عن فشله السياسى والأمنى والعسكرى ، وبرزت هذا المطالب الى العلن فى خواتيم العام الماضى وذلك حينما طالب عدد من قيادات ولاية جنوب كردفان بإقالة أحمد هارون مستندة على دواعى مختلفة تعضد من مطلبها ، ودفعت بمذكرة الى مركزية الحزب الحاكم طالبت فيها بإبعاد الوالى وإزاحته بسبب سياساته الآحادية الفاشلة ، ومواقفه الإقصائية وطموحات أحلامه الزائفة ، لأن الولاية فى عهده لقد أنهكتها الحرب وعجز فى معالجة ذلك ، رغم أن الولاية مرّ عليها فى حقبة حكومة الإنقاذ عدد من الولاة منهم حبيب مختوم ، المرحوم اللواء (م) باب الله بريمة .. مولانا سومى زيدان عطية.. المرحوم الأستاذ مجذوب يوسف بابكر .. اللواء (م) محمد مركزو .. عمر سليمان .. وأخيراً أحمد هارون الذى جاء به المركز مفروضاً على أهل الولاية وأغدق عليه من النعم والدعم والرعاية التى حُرم منها الذين سبقوه ، هذه الإستثنائية والإنتقائية جعلت منه شخصية متعالية ومستبدة ومغرورة ، ينطح الجميع وخاصّة أبناء الولاية الذين لا يروقهم وقام بإبعادهم ، بالإضافة الى الضوء الأخضر الذى وجده من بعض قيادات المؤتمر الوطنى بالمركز ، والتى ليس فى مصلحتها وقف الحرب بالولاية ، مما جعله يدير حواراً سيئاً مع الحركة الشعبية ، التى إستفادت من تلك الأجواء الأريحية فأعادت توازنها على مستوى التدريب والتسليح والتجميع لشتاتها والتمركز وبناء منظومة معلومات ، بل تحولت إلى حركة إستقطاب حادة بين صفوف أبناء الولاية ونجحت فى ذلك ، رغم إصرار الوالى على الشراكة الذكية والتواصل الحميم مع قيادة الحركة ، مما منحها القوة الدافعة لتمضى أبعد مما كانت تتخيله وتتوقعه ، فى وجود مجلس تشريعى مغيب لا يجرؤ على إستدعاء الوالى أو حتى مساءلته عما يجرى من عبث أمنى وتردى سياسى فى الولاية.كيف تم تعيين المهندس آدم الفكي محمد الطيب والياً لجنوب كردفان ؟؟المهندس آدم الفكى محمد الطيب هو إبن قبيلة الكواهلة بالمنطقة الشرقية شخصية سياسية وله إسهامات وبصمات ، وعلى معرفة دقيقة بمشكلات الولاية ، لذلك أن قرار تعيينه جاء مفاجئاً لكثيرين كانوا يتوقعون بأن يذهب المنصب الى اللواء (م) أبراهيم نايل أو اللواء أحمد زايد أو الفريق جلال تاور أو اللواء (م) محمد مركزو أو الدكتور على محمد موسى ، دخل الفكى البرلمان عام 1996 م عن دائرة كالوقى ، ولكنه ذهب مع الترابى شان كثيرين بعد المفاصلة بين الإسلاميين فى الرابع من رمضان ، ولكنه عاد الى صف المؤتمر الوطنى مع عمر سليمان وحاج ماجد سوار وخيرى القديل أرباب وعيسى بشرى ، وأسند اليه منصب نائب رئيس المؤتمر الوطنى ، ولكنه سرعان ما إختلف مع عيسى بشرى ، ليعود الى الى مدينة الأبيض حيث يملك الرجل ثروة مالية وحيوانية ضخمة ، ولكن حينما أصبح أحمد هارون والياً لجنوب كردفان جاء به وأسند اليه منصب الأمين العام لمجلس الحكماء فى حقبة الشراكة مع الحركة الشعبية ، وبرزت مواهبه وقدراته ، وتم بموجب ذلك تعيينه معتمداً لمحلية قدير ، ولكن تعيين الفكى كوالى جاء لموازنات بقفل الباب أمام أهالى المنطقة الشرقية فى المطالبة بولاية جديدة ، ولا سيما صار الوالى منهم ، ولكن الوالى الجديد مواجه بحزمة من المصائب الشائكة والدروب الوعرة ، فالحرب ما زالت تدور فى كل أرجاء الولاية ، تمتص مقدرات ولايته المالية ، فالرجل يحتاج لمعجزة إلهية ، فهل يحظى بما حظى به أحمد هارون من سند وثقة القيادة السياسية والعسكرية فى المركز وهل تفتح له الخرطوم ووزارة المالية خزائنها ، حتى يتمكن من تحقيق السلام المفقود فى الولاية وجلب الأمن ووإحداث التنمية والتعمير لمواطنى المنطقة. تعين اللواء أحمد خميس والياً لغرب كردفان ومخاوف النوبة فى الجبال الغربية؟؟  بدأت سيناريوهات وإرهاصات عديدة من يتولى إدارة ولاية غرب كردفان ، فقد دفع قيادات الحمر بأبنهم المهندس عبدالواحد يوسف وقيادات المسيرية بالقيادى الإسلامى أحمد صالح صلوحة وحسن صباحى والأمير إسماعيل حامدين ، ولكن إستقر رأيهم ووقع إختيارهم وتزكيتهم لأحمد صلوحة لتولى منصب الوالى وهو الصديق الشخصى للرئيس عمر البشير ومنزله بالخرطوم قبلة لطبخ ومعالجة الكثير من القضايا الإستراتيجية فى الدولة ، ولكن أستاذ الإسلاميين وشيخهم عمر سليمان الذى تدرب على يديه وتخرج من صفوف مدرسته كل من أحمد هرون وآدم الفكى وحسين كرشوم والنور أحمد ياسين وعبدالباقى ضوينا وأحمد صلوحة وعيسى بشرهم وغيرهم الكثير من أبناء كردفان الكبرى ، كان له رأى أخر ومعه الدكتور عيسى بشرى النافذ والمؤثر فى صناعة القرار بالمركز ، أقنعوا أهلهم الحمر والمسيرية بأن يقع الإختيار لأبن النوبة وقبيلة الأجانق اللواء أحمد خميس ، رغم أن النوبة أقلية فى ولاية غرب كردفان ويأتون فى المرتبة الثالثة بعد المسيرية والحمر ، لتؤكد رفض دعاوى الأثنية والعنصرية وهزيمتها ، وهذا ليس بجديد على أهلنا المسيرية حينما إنتخبوا فى دائرة أبوزبد للبرلمان الأستاذ دلدوم الختيم أشقر إبن الأجانق من النوبة وفضلوه على إبن ناظرهم الحريكة عزالدين القيادى بحزب الأمة والذى أصبح فيما بعد ناظراً للقبيلة ، لتبرهن إسترتيجية المسيرية وأدبياتها فى إحترام رأى قياداتها وكبار القبيلة وتقبلهم للطرف الآخر ولا وجود للعنصرية والأثنية مكاناً بينهم ، واللواء أحمد خميس ضابط إستخبارات لا ينقصه الذكاء وشجاعته فى مواجهة التمرد ، ونجح سياسياً وتنفيذياً حينما أصبح نائباً للوالى فى جنوب كردفان ، ولكن نجاحه فى منصب الوالى مرهون بدعم أبناء النوبة له أولاً فى محليات لقاوة بالمنطقة الغربية وقيادات المسيرية له ثانياً ، وإن من أولويات الوالى المكلف وحكومته المرتقبة إعادة بناء النسيج الإجتماعى ورأب الصدع بين أبناء الولاية بعيداً عن سياسة فرق تسد التى مارستها حكومات المركز ، ويتطلب ذلك إختيار حكومته بعناية فائقة و بدون محاباة يكون المعيار فيها هى الكفاءة وليس الولاء وخاصة المسيرية تزخر بقيادات شبابية فى قامة رجال دولة بعضهم كانوا زملاء لنا فى جامعة الخرطوم أمثال الدكتور عبيدالله عبدالله وموسى أحمد المهدى وموسى إبراهيم سعيد ومحمد النور كبر وغيرهم الكثير لا حصر لهم ، وكذلك يجب أن يضع أهلنا المسيرية وقياداتهم فى إعتبارهم بأن النوبة بمنطقة لقاوة الكبرى لهم أراء واضحة وصريحة فى مسألة ضمهم للولاية الجديدة وتمسكهم بالبقاء فى ولاية جنوب كردفان ، ولم تكن دوافعهم فى ذلك النزعة العرقية ، ولكن نتيجة للمرارات التى عايشوها فى كنف ولاية غرب كردفان فى ظل إنعدام الإندماج الإجتماعى والإستعلاء العرقى والتهميش السياسى والإقتصادى فى مناطق النوبة وتكريس أغلب المشاريع التنموية فى مناطق المسيرية والحمر، بالإضافة الى ضعف أشراك النوبة فى الأجهزة التشريعية والتنفيذية ، مما خلق نوع من الغبن فى نفوس النوبة مما جعلهم يعيدون حساباتهم تجاه عودة الولاية ، وقبول بعضهم أطروحات الحركة الشعبية ، وبل أصبح اليوم بعضهم يقاتلون مع الحركة الشعبية ضد الحكومة ؟؟!! وهذا يتطلب من المسيرية تضحيات جسام بمشاركة فاعلة للنوبة فى كل الأجهزة وتنمية حقيقية لمناطقهم المتاثرة بالحرب والإهتمام بالتعليم وإجراء حوار بين النوبة والمسيرية ومصالحة بين مكونات سكان الولاية.                                         ولنا عودة …….آدم جمال أحمد       –  سيدنى  –   استراليا   –  22 يوليو 2013 م
 

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.