أيتام دارفور .. حين تحرق الحرب الأخضر واليابس

هذه قصة طويلة “ما عايزة أتذكر تلك الأيام وما تجيب لي سيرة الحرب في دارفور” بهذا أجابتني “حواء” المنحدرة من إقليم دارفور غرب السودان عندما طلبت منها أن تروي لي كيفية وصولها إلى العاصمة الخرطوم بعد اشتعال الحرب في منطقتها وحرق قريتها.. السابع والعشرون من يونيو من العام 2004 ليس كسائر الأيام عند حواء، بل تاريخ اسود تحفظه عن ظهر قلب، تقول حواء إنها خرجت من منطقتها وادي صالح بوسط دارفور في العام 2004 ومعها مجموعة من نساء المنطقة وكان بصحبتها طفلاها هرباً من سعير الحرب التي حولت حياتهم إلى جحيم، ولا تدري حواء ورفيقاتها إلى أين الوجهة بعد أن أظلمت الدنيا في عيونهن، تضيف: “تخلف زوجي بالقرية حتى يستطيع إخراج ما لديهم من “بهائم”، غير أنه لم يستطع ذلك، وتم قتله ومعه ثلاثون رجلاً بعد ان أطلق عليهم المسلحون النار”، وكان ذلك اليوم هو التاريخ الذي لا تستطيع نسيانه، وتضيف حواء: “مات أبو عيالي وترك لي طفلين”، وتشير إلى أنها وصلت إلى مدينة زالنجي عاصمة ولاية وسط دارفور حاليا وفيها فقدت أحد طفليها بسبب المرض، ومنها هجرت الإقليم واتجهت بصحبة طفلها الأكبر إلى مدينة كنانة وسط السودان لتقيم مع أحد أقاربها عدة شهور وتكمل رحلتها إلى العاصمة الخرطوم، حيث مكثت بحي “مايو” جنوب الخرطوم، ولكن العاصمة استقبلتها بطلبات المعيشة الصعبة، فاضطرت حواء إلى البحث عن عمل لإعالة ابنها اليتيم، وتسرد حواء قائلة: “أنا أمية لا أقرأ ولا أكتب.. لو كنت متعلمة لاشتغلت في المنظمات.. الحياة هنا في الخرطوم صعبة لذلك فكرت في البحث عن عمل حتي أربي ولدي”، وتضيف: “وأخيراً والحمد لله اشتغلت ست شاي”؛ أي بائعة شاي في إحدى عمارات الخرطوم، “والحمد لله الحال مستور”.

حكاية عايشة

أما “عايشة ” فتحكي قصتها وتقول: “توفي زوجي مع بداية الحرب في دارفور في العام 2003م، وصلت من منطقة لبدو إلى معسكر عطاش للنازحين بجنوب دارفور ومعي أطفالي الثلاثة، ترك اكبرهم المدرسة لمساعدتي في توفير مصاريف المعيشة، فالحياة في معسكرات النزوح لا تطاق ولكن ما باليد حيلة”، لذلك قررت عائشة الانتقال إلى أحد أحياء مدينة نيالا حتى تجد عملاً توفر من خلاله قوت أيتامها الثلاثة، تقضي عائشة سحابة يومها كله كعاملة في المنازل لتعود مربية لأطفالها في المساء وكل ما تطمع فيه من نعيم الدنيا وسيلة لكسب العيش حتي تقيها وأيتامها شر سؤال الناس”. ما هذه إلا نماذج لعشرات الآلاف من الأطفال في دارفور تفتحت أعينهم على الحياة وهم لا يرون غير الأشلاء والدمار والحريق، وأول ما طرق أسماعهم صوت الرصاص، وقبل أن يدركوا ماهية الحياة اصطدموا بواقع اليتم القاسي، وكذا حال عشرات الأمهات اللواتي ترملن، وعشرات الأسر التي فقدت العائل والسند، وأصبح هؤلاء البسطاء ضحية حرب لم تخلف إلا الهلاك والدمار، وما هذه إلا نماذج فقدت بين ليلة وضحاها كل شيء، وأصبحت تحت رحمة منظمات الإغاثة بمعسكرات تفتقد لأبسط مقومات الحياة.

البيان الامارتية

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.