هكذا يجب وينبغي ان يكون الامر في السودان

محمد علي طه الشايقي
wadashigi@gmail.com
حكم عدم دستورية تمييز أبناء القوات المسلحة و أبناء الشهداء المدنيين في مجال التعليم
الرجوع إلى قائمة المقالات
 
رغم القيمة الكبرى التي نُكنّها جميعاً لكل من ساهم في ثورة 25 يناير2011 في مصر، لا سيما الشهداء و المصابين منهم ، و رغم ضرورة تقديم الرعاية الكاملة و الممكنة لأسر هؤلاء الشهداء و أولئك المصابين ، فإن ذلك التكريم و تلك الرعاية لا تتجاوز حدودها الطبيعية ، بحيث لا يجوز المساس بحقوق الآخرين من أبناء الوطن ، مساساً من شأنه إهدارالحقوق الدستورية أو الانتقاص منها ، فالكل يخصع  لسيادة القانون ،  والدستورهو القانون الأعلى ،  و قد عُرض على المحكمة الدستورية طعن بعدم دستورية ما تضمنه القرارالصادرمن المجلس الأعلى للجامعات بتاريخ 20 سبتمبرسنة 1984  من زيادة مجموع الدرجات الكلي بنسبة 5% للطلبة من أبناء بعض الفئات ،  و بمعنى آخرفيما تضمنه  من قبول تلك الفئات في الكليات  والمعاهد العالية ، بمجموع يقل عن الحد الأدنى للقبول العادي في كل كلية بما لا يجاوز 5% من مجموع الدرجات في شهاد الثانوية العامة أو ما يعادلها ( و الفئات المستثناة هم  :  أبناء القوات المسلحة ، أبناء الشهداء المدنيين ، أبناء أعضاء هيئة التدريس بالجامعات ، و أبناء العاملين بها ، أبناء العاملين بالتعليم العالي ، أبناء رجال التعليم ، أبناء سيناء ، ومطروح و الوادي الجديد و البحر الأحمرو الواحات البحرية و وداي النطرون ، و أبناء و زوجات الحاصلين على وسام نجمة الشرف العسكرية ) .
 
 
و قد قضت المحكمة الدستورية العليا في هذا الطعن بعدم دستورية هذا التمييرغيرالمبرر بين أبناء الوطن الواحد في مجال التعليم ، رغم وحدة الأسس و الضوابط التي خضعوا لها جميعاً في هذا الشأن ، و لو كان التمييز لصالح أبناء الشهداء ،  و هو حكم من شأنه وضع الأمورفي نصابها الصحيح في شأن المعاملة مع شهداء و مصابي الثورة و أبنائهم .
 
و لأهمية هذا الحكم ، نورده كاملاً ، و ذلك على النحو التالي :
 
 
باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة في يوم السبت أول فبراير1992 ، الموافق 27 رجب 1412 هـ.
برئاسة السيد المستشارالدكتور/ عوض محمد عوض المر…رئيس المحكمة
و عضوية السادة المستشارين : الدكتور/ محمد إبراهيم أبو العينين ، و محمد ولي الدين جلال ، و فاروق عبد الرحيم غنيم ، و حمدي محمد على ، و سامح فرج يوسف ، و الدكتور/ عبد المجيد فياض .
و حضورالسيد المستشار/ السيد عبد الحميد عمارة       (لمفوض )
و حضورالسيد/ رأفت محمد عبدالواحد                     ( أمين السر)
 
أصدرت الحكم الآتي
في القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 41 لسنة 7 ق ” دستورية ” ، بعد أن أحالت محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة ملف الدعوى رقم 7353 لسنة 38 قضائية .
 
المرفوعة من :
السيد/ أحمد محمد مرسال بصفته الولي الطبيعي لكريمته فاطمة أحمد محمد مرسال .
ضــــد:
1-   السيد/ نائب رئيس الوزراء و وزيرالتعليم العالي .
2-   السيد/ رئيس المجلس الأعلى للجامعات .
 
الإجراءات :
بتاريخ 27 مايو سنة 1985 ورد إلى قلم كتاب المحكمة ملف الدعوى رقم 7353 لسنة 38 ق بعد أن قضت محكمة القضاء الإداري في 5 مارس سنة 1985 بوقف الدعوى و إحالة الأوراق إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في مدى دستورية القرارالصادر من المجلس الأعلى للجامعات بتاريخ 20 سبتمبرسنة 1984 فيما تضمنه من زيادة مجموع الدرجات الكلي بنسبة 5% للطلبة من أبناء الفئات المستثناة .
 
و قدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى .
و بعد تحضير الدعوى ، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها .
و نظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة ، و قررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم .
 
المحكمة :
بعد الإطلاع على الأوراق و سماع المداولة .
حيث إن الوقائع – على ما يبين من قرارالإحالة و سائر الأوراق – تتحصل في أن المدعي بصفته ولياً طبيعياً على ابنته القاصر، كان قد أقام الدعوى رقم 7353 لسنة 38 قضائية أمام محكمة القضاء الإداري طالباً الحكم بوقف تنفيذ القرار القاضي بإلحاق ابنته بكلية الطب البيطري جامعة أسيوط فيما تضمنه من عدم قبولها بكلية الصيدلة ، و في الموضوع بإلغاء هذا القرارمع ما يترتب على ذلك من آثار، و إذ تراءى للمحكمة عدم دستورية القرارالصادرمن المجلس الأعلى للجامعات بتاريخ 20 سبتمبرسنة 1984 استناداً إلى أن ما تضمنه من زيادة مجموع الدرجات الكلي بنسبة 5% للطلبة من أبناء الفئات المستثناة يشكل مخالفة للمادتين 8 ، 40 من الدستور، فقد قضت بجلسة 5 مارس سنة 1984 بوقف الدعوى و إحالة الأوراق إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في مدى دستورية القرارالمشارإليه .
 
و حيث إن القرارالمذكورنص على أن ” … يكون قبول الفئات المستثناة في الجامعات  والمعاهد العليا في العام الجامعي 84 /1985 بترتيب المجموع في كل كلية إلا بما لا يجاوز 5% من مجموع الدرجات ” .
 
و حيث إن الفئات المستثناة التي انصرف إليها القرارالمطعون فيه – حسبما ثبت من الأوراق – هي ، أبناء القوات المسلحة ، أبناء الشهداء المدنيين ، أبناء أعضاء هيئة التدريس بالجامعات ، و أبناء العاملين بها ، أبناء العاملين بالتعليم العالي ، أبناء رجال التعليم ، أبناء سيناء ، ومطروح و الوادي الجديد و البحر الأحمرو الواحات البحرية و وداي النطرون ، و أبناء و زوجات الحاصلين على وسام نجمة الشرف العسكرية .
 
و حيث إن مبنى الطعن يقوم على تعارض القرارالمطعون فيه مع كل من مبدأ تكافؤ الفرص و مبدأ المساواة لدى القانون في حق التعليم بما يخالف المواد 8، 18 ، 40 من الدستور.
 
و حيث إن المادة 18 من الدستورتنص على أن ( التعليم حق تكفله الدولة ، و هو إلزامي في المرحلة الابتدائية ، وتعمل الدولة على مد الإلزام إلى مراحل أخرى ، و تشرف على التعليم كله ، وتكفل استقلال الجامعات و مراكز البحث العلمي ، و ذلك كله بما يحقق الربط بينه و بين حاجات المجتمع و الإنتاج ) .
 
و كفالة الدستورلحق التعليم إنما جاءت انطلاقاً من حقيقة أن التعليم يعد من أهم وظائف الدولة و أكثرها خطراً ، و أنه أداتها الرئيسية التي تنمي في النشئ القيم الخلقية و التربوية و الثقافية ، و تعده لحياة أفضل يتوافق فيها مع بيئته و مقتضيات انتمائه لوطنه ، و يتمكن في كنفها من اقتحام الطريق إلى آفاق المعرفة و ألوانها المختلفة ، و الحق في التعليم – الذي أرسى الدستورأصله – فحواه أن يكون لكل مواطن الحق في أن يتلقى قدراً من التعليم يتناسب مع مواهبه و قدراته و أن يختارنوع التعليم الذي يراه أكثراتفاقاً مع ميوله وملكاته ، و ذلك كله وفق القواعد التي يتولى المشرع وضعها تنظيماً لهذا الحق بما لا يؤدي إلى مصادرته أو الانتقاص منه ، و على ألا تخل القيود التي يفرضها المشرع في مجال هذا التنظيم بمبدأي تكافؤ الفرص و المساواة لدى القانون اللذين تضمنهما الدستوربما نص عليه في المادة 8 من أن ( تكفل الدولة تكافؤ الفرص لجميع المواطنين ) ، و في المادة 40 من أن ( المواطنون لدى القانون سواء ، وهم متساوون في الحقوق و الواجبات العامة لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة ).
 
و حيث إن التعليم العالي – بجميع كلياته و معاهده- يشكل الركيزة الأساسية لتزويد المجتمع بالمتخصصين و الفنيين و الخبراء الذين تقع على عاتقهم مسئولية العمل في مختلف مجالاته ، فيتعين أن يرتبط في أهدافه و أسس تنظيمه بحاجات هذا المجتمع و إنتاجه ، و هو ما تطلبته صراحة المادة (18) من الدستورالمشارإليها ،  رددته المادة الأولى من قانون تنظيم الجامعات الصادر بالقانون رقم 49 لسنة 1972 عند تحديدها لرسالة الجامعات بأن يكون التعليم فيها موجهاً لخدمة المجتمع و الارتقاء به حضارياً ، و الاسهام في رقي الفكرو تقدم العلم و تنمية العلوم الإنسانية و إعداد الانسان المزود بأصول المعرفة و طرائق البحث المتقدمة و القيم الرفيعة لضمان تقدم الوطن و تنمية ثروته البشرية و العمل على بعث الحضارة العربية و التراث التاريخي للشعب المصري و تقاليده الأصيلة ، و ذلك كله بما يحقق الربط بين التعليم الجامعي و حاجات المجتمع و الانتاج .
 
لما كان ذلك ، و كانت الدولة مسئولة عن كفالة هذا التعليم الذي يخضع لإشرافها حسبما نصت عليه المادة (18) من الدستور، و كانت الفرص التي تلتزم بأن تتيحها للراغبين في الالتحاق بالتعليم العالي مقيدة بإمكانياتها الفعلية التي قد تقصرعن استيعابهم جميعاً بكلياته و معاهده المختلفة ، فإن السبيل إلى فض تزاحمهم و تنافسهم على هذه الفرص المحدودة ، لا يتأتى إلا بتحديد مستحقيها و ترتبيهم فيما بينهم وفق شروط موضوعية ترتد في أساسها إلى طبيعة هذا التعليم و أهدافه ومتطلبات الدراسة فيه، و يتحقق بها و من خلالها التكافؤ في الفرص و المساواة لدى القانون بما يتولد عن تلك الشروط في ذاتها من مراكز قانونية متماثلة تتحدد على ضوئها ضوابط الأحقية و التفضيل بين المتزاحمين في الانتفاع بهذه الفرص ، بحيث إذا استقرلأي منهم الحق في الالتحاق بإحدى الكليات أو المعاهد العالية العالية وفق هذه الشروط ، فلا يحل من بعد أن  يفضل عليه من لم تتوافرفيه ، و إلا كان ذلك مساساً بحق قرره الدستور.
 
و حيث إنه بناء على ما تضمنته المادة (196 ) من قانون تنظيم الجامعات الصادر بالقراربقانون رقم 49 لسنة 1972 من تخويل رئيس الجمهورية بإصدارلائحة تنفيذية لهذا القانون تتضمن وضع الإطارالعام لتنفيذ أحكامه ، و من بينها شروط قبول الطلاب و قيدهم و رسوم الخدمات التي تؤدى إليهم ، فقد أصدررئيس الجمهورية القراررقم 809 لسنة 1975 بالائحة التنفيذية للقراربقانون سالف البيان التي تنص المادة (74) منها على أن ( يحد المجلس الإعلى للجامعات في نهاية كل عام جامعي بناء على اقتراح مجالس الجامعات بعد أخذ رأي مجالس الكليات المختلفة عدد الطلاب من أبناء جمهورية مصر العربية الذين يقبلون في كل كلية أو معهد في العام الجامعي التالي من بين الحاصلين على شهادة الثانوية العامة أو على الشهادات المعادلة ) ، كما نصت المادة 75 من هذه اللائحة على أنه ( يشترط في قيد الطالب في الجامعة للحصول على درجة الليسانس أو البكالوريوس ، أن يكون حاصلاً على شهادة الدراسة الثانوية العامة أو ما يعادلها و يكون القبول بترتيب درجات النجاح مع مراعاة التوزيع الجغرافي وفقاً لما يقرره المجلس الأعلى للجامعات ،  و بعد أخذ رأي مجالس الجامعات و مجالس الكليات ) ، و مؤدى هذين النصين أن فرص الالتحاق بالتعليم الجامعي – وهو يمثل الجانب الرئيسي للتعليم العالي – لا تتهيأ لجميع الناجحين في شهادة الثانوية العامة أو ما يعادلها ، و إنما تتوافرهذه الفرض لأعداد منهم يحددها المجلس الأعلى للجامعات في نهاية كل عام جامعي ، الأمرالذي من شأنه تزاحم الناجحين في تلك الشهادة على الفرص المتاحة لهم للالتحاق بالتعليم الجامعي ، و قد تكفلت المادة 75 من اللائحة المشارإليها ببيان ما ارتأته من شروط موضوعية محققة لتكافؤ الفرص بين الحاصلين على شهادة الثانوية العامة أو ما يعادلها و لتساويهم لدى القانون ، حيث ربطت القبول في التعليم الجامعي بترتيب درجات النجاح بينهم في امتحان تلك الشهادة باعتبارأن هذا الامتحان يتم في إطارمسابقة عامة تجريها الدولة تتاح فيها الفرص المتكافئة لجميع المتقدمين إليها للحصول على تلك الشهادة بما يجعل معيار المفاضلة بينهم عند تقدمهم للالتحاق بالتعليم الجامعي مرتبطاً بالتفوق و الجدارة التي يمتاز بها بعضهم على بعض ، و هي النتيجة الحتمية للتفاوت القائم بينهم في الملكات و القدرات الذاتية .
 
و حيث إنه يبين من الأوراق و القرارالمطعون عليه أن المعاملة الاستثنائية التي خصت بها فئات من الحاصلين على شهادة الثانوية العامة أو ما يعادلها لقبولهم بالتعليم العالي دون التقيد بمجموع درجاتهم في هذه الشهادة ، إنما يرتكز في واقعها على أسس منبتة الصلة بطبيعة هذا التعليم و أهدافه و متطلبات الدراسة فيه ، إذ تقوم هذه المعاملة في أساسها و دوافعها على تقريرمزية استثنائية للطلبة المستفيدين منها قوامها إما مجرد الانتماء الأسري إلى من كان شاغلاً لوظيفة بعينها ، أو قائماً بأعبائها في جهة بذاتها ، أو متولياً مسئوليتها في تاريخ معين ، أو من كان قد استشهد بسبب أداء مهامها ، أو من كان حاملاً لوسامها ، و إما أن يكون مناطها الانتماء إلى المناطق النائية بسبب الميلاد أو الإقامة أو الحصول منها على شهادة الثانوية العامة .
 
 
لما كان ذلك ، و كانت المعاملة الاستثنائية في القبول بالتعليم العالي التي تضمنها القرارالمطعون فيه – و أياً كان وجه الرأي في الاعتبارات التي دعت إلى تقريرها – تستتبع أن يحل أفراد الفئات المستثناة محل من يتقدمونهم في درجات النجاح في شهادة الثانوية العامة أو ما يعادلها ، في الانتفاع بحق التعليم في مرحلته العالية المحدود فرصها ، بعد أن كانت قد انتظمتهم جميعاً الأسس الموحدة التي تقررت لإجراء تلك المسابقة ، و رغم ما أسفرت عنه نتيجتها من أولويتهم دون المستثنين في التمتع بذلك الحق ، الأمر الذي يتعارض مع طبيعة التعليم العالي و أهدافه و متطلبات الدراسة فيه على ما سلف بيانه ، و ينطوي على مساس بحق المتقدمين في درجات النجاح في هذا التعليم و الإخلال بمبدأي تكافؤ الفرص و المساواة لدى القانون ، و من ثم يشكل مخالفة للمواد ( 8 ، 18، 40 ) من الدستور.
 
و حيث إنه لما تقدم ، يتعين الحكم بعدم دستورية القرار المطعون فيه فيما تضمنه من قبول أفراد الفئات المشارإليها فيه و المبينة بالأوراق ، في الكليات  والمعاهد العالية ، بمجموع يقل عن الحد الأدنى للقبول العادي في كل كلية بما لا يجاوز 5% من مجموع الدرجات في شهاد الثانوية العامة أو ما يعادلها .
 
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بعدم دستورية القرار الصادرمن المجلس الأعلى للجامعات بتاريخ 20 سبتمبرسنة 1984 و ذلك فيما تضمنه من قبول أبناء القوات المسلحة ، و أبناء الشهداء المدنيين ، و أبناء اعضاء هيئة التدريس بالجامعات ، و أبناء العاملين بها ، و أبناء العاملين بالتعليم العالي ، و أبناء رجال التعليم ، و أبناء سيناء و مطروح و الوداي الجديد و البحرالأحمرو الواحات البحرية و وادي النطرون ، و أبناء و زوجات الحاصلين على وسام نجمة الشرف العسكرية ، في الجامعات و المعاهد العليا عن العام الجامعي 84/1985 بمجموع يقل عن الحد الأدنى للقبول العادي في كل كلية بما لا يجاوز 5% من مجموع الدرجات في شهادة الثانوية العامة أو ما يعادلها ” .

أشرف سعد الدين المحامي بالإسكندرية
المصدر: المحكمة الدستورية العليا

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.