خطاب الرئيس في شورى المؤتمر الوطني .. بقلم: الدكتور الطيب زين العابدين

خطاب الرئيس في شورى المؤتمر الوطني .. بقلم: الدكتور الطيب زين العابدين
افتتح المشير عمر البشير رئيس المؤتمر الوطني في صباح الجمعة (21/6) بمركز الشهيد الزبير اجتماع مجلس الشورى القومي (حوالي 600 عضوا) الذي طوّف في خطابه الشفاهي على العديد من القضايا التي تستحق النقاش الموضوعي الجاد ولكنها بدلاً من ذلك وجدت الصياح العاطفي من منصة رئاسة الاجتماع بأنهم لا يريدون غير البشير رئيساً للحزب وللبلاد، وذلك رغم ما ينص عليه دستور البلاد ولوائح المؤتمر الوطني بعدم التجديد لأكثر من فترة واحدة في المواقع القيادية. وردد الحاضرون بحماسة أقل مما اعتدنا عليه في الماضي صياح المنصة، وهل يستطيعون غير ذلك؟ وسبق للرئيس أن صرّح لوسائل الإعلام بأنه ينوي التنحي عن رئاسة البلاد وعدم الترشح مرة أخرى لأنه قضى فيها ما يكفي وصدق في ذلك، وقال في ذات الاجتماع إن الجهة التي ترشح الرئيس للانتخابات هي المؤتمر العام القادم للحزب أو مجلس شورى المؤتمر القادم، ومع ذلك استمع برضى ظاهر لصيحات المنصة ولترداد الحاضرين بإعادة ترشيحه! وكشف البشير أنهم بصدد مراجعة كاملة لنظام الحزب الأساسي وهياكله ليصبح أكثر فاعلية ونشاطاً، وقد سمعنا من قبل من ذات الرئيس بأن حزبهم هو نموذج يحتذى لكل الأحزاب في السودان وخارج السودان. فلماذا يحتاج هذا الحزب النموذج لمراجعة كاملة في نظمه وهياكله؟ وما هي عيوب النظم والهياكل الحالية التي حالت دون تمام فاعليته ونشاطه؟وأخشى أن يكون الرئيس يطمع في سلطات أكثر لنفسه بعد أن استفرغ سلطات الحكومة والبرلمان والحزب والحركة الإسلامية ليقلص بعد ذلك سلطات الولايات وأجهزتها الحزبية والتشريعية والتنفيذية. فقد قال بعضمة لسانه في ذات الجلسة إن الدولة فيدرالية ولكن الحزب مركزيوعلى قيادات الحزب بالولايات أن تلتزم بسياسات الحزب ولا تحيد عنها،وهذا يعني بوضوح أن رئيس الحزب يستطيع أن يصرف أوامره لكل أجهزة الحزب في المركز والولايات لتقوم بتنفيذ ما يوكل إليها من خلال أجهزة الدولة التشريعية والتنفيذية وكأنما المشير يريد أن يستنسخ تجربة الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي المنهار حتى تتنزل عليه الجلاسنوست الخروتشوفية من حيث لا يدري ويحتسب. وقال أيضاً إننا لا نريد عملاً في المساجد أو الصوالين لأننا حزب مفتوح وليس بيننا سر أو عصبية لرأي أو قرار، وهو يشير من طرف خفي إلى اجتماعات كتلة الإصلاح التي ما زالت متمسكة بأطروحاتها رغم فشلها في مؤتمر الحركة الإسلامية المختطف، وقد حاول من قبل تهديداً أكثر صرامة مع مجموعة “سائحون” ولم يجد تهديده فتيلا.
والحقيقة أننا من خارج الحزب لا نرى فيه نموذجاً يحتذى بحال من الأحوال. فهو حزب يندر ما يحدث فيه تصويت داخل مكتبه القيادي الذي يمثل أعلى أجهزته التنظيمية إلى درجة قاطع بعض أعضائه جلساته المكررة غير المفيدة لأن القرارات فيه جاهزة يدلي بها الرئيس في نهاية الجلسة دون أن يجرؤ أحد على التعقيب، وهو لا يستشار في أهم أمور الدولة وقراراتها المصيرية مثل اتفاقية نيفاشا ورفض اتفاقية نافع-عقار وعقد اتفاقيات التعاون التسع مع حكومة الجنوب أو قفل أنبوب بترول الجنوب في المرة الأولى والثانية، وهو حزب يخلع رئيس هيئته البرلمانية ويفرض عليها رئيساً آخر دون إستشارتها رغم أنف اللوائح التنظيمية. وهو حزب ليس في قيادته العليا شخص منتخب سوى الرئيس (عن طريق التهليل والتكبير) فكل البقية نواب له يختارهم الرئيس كما يشاء وبالعدد الذي يحدده وبالتكليف الذي يمنحه لكل منهم وكأنهم موظفون في البلاط الملكي، وهو الحزب الذي يقيل الولاة المنتخبين كما يشاء ويعين غيرهم، وهو الحزب الذي يحتفظ بقيادته العليا في الحكومة لربع قرن من الزمان دون إحلال أو تجديد! والحقيقة أن حزب المؤتمر الوطني حزب فوقي بكل ما تعنيه الكلمة من معنى صنعته الحكومة القابضة بنفوذها الشمولي ومناصبها العديدة وأموالها الميري ودورها الفسيحة وهو لا يصلح إلا لتلقي التنوير من قيادته عند الملمات، والتأييد والتصفيق والتحشيد لخطابات القيادة العليا، والتهليل والتكبير بديلاً عن الانتخابات التي تستغرق وقتاً لا لزوم له. ولا أحسب أن عضوية المؤتمر الوطني ترغب في تغيير النظم والهياكل بقدر ما ترغب في تداول السلطة وتعاقب الأجيال داخل أروقة المؤتمر الوطني العميقة، فقد نشفت عظام الشلة المتنفذة على كراسي السلطة الحزبية والحكومية! وكأني بالشباب والكهول يقولون بلسان المتنبي (أبا المسك هل في الكأس فضل أناله فإني أغني منذ حين وتشرب) وقد بلغ ذلك “الحين” أضعاف ما بلغه “حين”أبي الطيب المتنبي مع كافور الإخشيدي!
وتعرض الرئيس بصراحة مغلظة لقضية الدعم للمحروقات والدقيق والقمح والكهرباء وقال إنه يكلف الدولة 14 مليار جنيه (جديد) أي أكثر من نصف ميزانية الدولة، وقال إن الفصل الأول (تعويضات العاملين) يستغرق نصف الميزانية، وسمعنا من وزراء المالية السابقين أن القوات النظامية (الأمن والجيش والبوليس) تأخذ حوالي 70% من الميزانية، فكيف نوفق بين هذه النسب المئوية المرتبكة التي تفوق جملة الميزانية مرة ونصف دون أن يضاف إليها الصرف الرئاسي والسياسي البازخ ودعم الولايات بالإضافة إلى النذر اليسير الذي يصرف على خدمات التعليم والصحة. وهناك شك كبير في أن الكهرباء تحتاج لدعم فقد قام رؤساء شركات الكهرباء بدراسة في العام الماضي أو الذي قبله حول تسعيرة الكهرباء وقالوا إنها تربح بنسبة 54% وأوصوا بتخفيض السعر بنسبة 30% ولكن السيد وزير الكهرباء والسدود رفع السعر بنسبة 250%! وقد ذكر تقرير لجان المجلس الوطني حول تقرير المراجع العام لأداء ميزانية 2011م أن كلاً من وزارة النفط والكهرباء والسدود والمشاريع المتعثرة سجلت وفراً في تعويضات العاملين بنسبة 100% دون أن ترد الوفر لوزارة المالية التي لا تمارس رقابة على هذه الوحدات المتنفذة بقوة وزرائها المقربين من الرئاسة. ويعترف الرئيس بأن المرتبات ضعيفة ومع ذلك يريد أن يرفع الدعم مما سيزيد أسعار السلع والخدمات التي زادت بثلاث أضعاف في السنتين الماضيتين. والسؤال الساخن هو: إلى متى يتحمل الناس هذا الغبن الفاحش في المعاش في حين يلغف آخرون من مال الميري دون حساب؟ ولماذا لا تلجأ الحكومة لسد العجز المالي بمعالجة المفارقات الأخرى التي تحفل بها الموزانة ويوردها المراجع العام كل سنة في تقريره مثل: الإعفاء الجمركي السائب الذي بلغ 913 مليون جنيه في 2011، إيرادات مخالفات الجمارك التي بلغت 127 مليون جنيه ويذهب نصفها لأفراد شرطة الجمارك حقوقاً مكتسبة لا تمس، عائدات استثمارات الحكومة التي سجلت 12% فقط من الربط المقدر لها وهو 200 مليون ولم تحقق أي تحصيل لوزارة المالية، فلماذا تبقى إذن؟ وقد زاد إنفاق الحكومة القومية خلال 2011 عن المبلغ المعتمد لها في الموازنة بنسبة 10% أي حوالي 2,5 مليار جنيه، وزادت إيرادات التخلص من الفائض بنسبة 300% من الربط المحدد لأن وحدة التخلص من الفائض وضعت رسوماً إضافية دون سند قانوني ولا يتم توريد تلك العائدات لوزارة المالية، تجنيب الوزارات الاتحادية لبعض إيراداتها التي بلغت في 2011 حوالي 472 مليون جنيه. هذا بالإضافة إلى المخالفات المالية الأخرى التي تبلغ مئات الملايين وترقى لمستوى جرائم الفساد ولا يسترد منها إلا القليل، ولا تفعل الحكومة حيالها شيئا لأن معظم المخالفين من أهل الثقة المقربين (وحدة تنفيذ السدود وصندوق دعم الطلاب نموذجا). في هذه الجبانة الهايصة من الخمج والفساد المالي، لماذا تلتفت الحكومة فقط لرفع الدعم عن بعض السلع الأساسية الذي اكتشفت فجأة أنه لا يذهب لجيوب الفقراء ولكن يستفيد منه الأغنياء. وأين الأغنياء؟ إنهم جميعاً داخل حزب المؤتمر الوطني! قال لي أحد رؤساء التحرير الذي شهد احتفال إرتريا بعيد استقلالها أن أسياس أفورقي جاء للحفل بعربة بي إم دبليو موديل 2000 في حين جاء حكام  شرق السودان من البحر الأحمر وكسلا بعربتين أو ثلاث فارهة من الماركات إياها وجديدة لنج.
وقال البشير في خطابه إنهم دعوا الأحزاب السياسية إلى المشاركة في وضع الدستور الجديد وقد سبق أن مد دعوته حتى للحركات المسلحة ولمنظمات المجتمع المدني حتى يجد الدستور مشاركة واسعة من أجل وثيقة يتوافق عليها الجميع وتمثل الشعب السوداني، ولكنها أشبه بدعوة مراكبية حين يدعون الآخرين للأكل وهم يمخرون بعيدا في عباب البحر لا يستطيع أحد أن يصل إليهم. كيف يشارك حملة السلاح في حوار حول الدستور والحرب تدور في مناطقهم في جنوب كردفان وفي النيل الأزرق وفي بعض أجزاء دارفور ورؤسهم مطلوبة للسلطة لأنهم خونة ومرتزقة وعملاء؟ وكيف تشارك الأحزاب السياسية وهي تمنع البتة من إقامة ندوات خارج دورها وأحيانا داخل دورها؟ وكذلك منظمات المجتمع المدني التي تلاحق في بعض الولايات كما يلاحق بائعي المخدرات، وتقفل بعض مراكز الدراسات البحثية، وتوقف الجرائد وبعض كتابها ويحظر على رؤساء التحرير مزاولة عملهم، وتصادر الجرائد صباحا بعد أن تكلف أصحابها مبالغ كبيرة، ويلقى القبض على المشاركين في مناقشة ميثاق كمبالا بمجرد وصولهم مطار الخرطوم دون تهم محددة ضدهم، إلى غير ذلك من الممارسات التعسفية التي تكشف عن استبداد وقمع لا يشجع على الحوار وتبادل الرأي.
وانتقل الرئيس إلى لب المشاكل التي استشرت في عهده بصورة غير مسبوقة وهي مشكلة الصراع القبلي التي أصبحت الحكومة تقف أمامه مكتوفة اليدين، فقد ذكر إنها من أكبر القضايا التي تشغلهم كاشفاً عن وجود أيادي وعناصر داخل القبائل تعمل على إشعال النار بينهم، وحرض عضوية المؤتمر الوطني للتصدي لهذه الظاهرة القبيحة لأن الأجهزة الحكومية وحدها لا تستطيع حل الصراعات القبلية. ولكن معظم الدراسات والرسائل الجامعية التي كتبت عن الصراع القبلي في دارفور تقول إن الحكومة هي من أجج تلك الصراعات بممارسات غير مدروسة وغير مسئولة جرياً وراء مكاسب سياسية عاجلة للحزب الحاكم مثل: تسييس الإدارة الأهلية التي كانت تلعب دوراً إيجابيا في حلحلة المشاكل القبلية قبل أن تصبح نزاعاً تزهق فيه الأرواح،وإعطاء مناصب إدارية لقبائل وافدة على حاكورات قبائل أخرى في مخالفة للعرف السائد، وتسليح مليشيات قبلية عربية لتحارب قبائل يتهم بأنها تأوي المتمردين الزرقة،  وهذه القبائل العربية تحمل اليوم سلاح الحكومة وتلبس الزي الحكومي لتحارب بعضها بعضاً في ولايتي جنوب وشمال دارفور. وقد أصبحت القبيلة هي العصبية الوحيدة التي يلوذ بها الناس بعد أن حوربت الأحزاب السياسية والطوائف الدينية ومنظمات الشباب المدنية وكل كيانات المجتمع غير المنضوية تحت لواء الحزب الحاكم أو المنافسة له. لقد جاءت الشكوى متأخرة طويلاً بعد أن سبق السيف العزل وخربت مالطة على يد حكومة الإنقاذ!

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.