ايادي قطر القذرة في صراعات السودان

: بقلم آن بارتليت، ترجمة، تاج الدين عبدالله آدم

هناك حالة من الاستعصاء يتعلق بشكل اساسي بالصراعات التي تدور في السودان هذه الأيام، استعصاء يتحدى المنطق أوحتي أي مسؤولية أخلاقية علي ما يبدو. ان عدم القدرة على تحريك المجتمع الدولي عن مساره الحالي المتمثل في إرضاء مصالح الخرطوم يبدو غير منطقي وغير معقول على حد سواء، نظرا للتصاعد الكبير في العنف في دارفور والحالة الحرجة التي تواجه السكان في النيل الأزرق وجنوب كردفان الآن.
لك ان تتخيل ما يمكن أن يحدث في حال قيام أي حكومة في أي مكان آخر من العالم (دعنا نذكر كوريا الشمالية، على سبيل المثال)، لو ان تلك الدولة قامت من فرط تهورها بعبور حدودها، واسقطت القنابل على الأبرياء، أغلقت بشكل صارخ امدادات النفط، ورعت المليشيات لخلق عدم الاستقرار في بلد مجاور. في هذه الحالة، يقفز العالم برمته وتسترسل الهواتف الدبلوماسية الآمنة في الطنين بسرعة فائقة تليها إدانة سريعة وحاسمة.
ولكن مع ذلك، عندما يتعلق الأمر بجنوب السودان وحقوق المهمشين داخل السودان، يصبح كل شيء مباح. بامكان الحكومة السودانية أن تعيث في الارض فسادا، تحمل الناس للعمل كما العبيد في مناجم الذهب في دارفور، تجوع المجتمعات المحلية التي يحتشد سكانها الآن في المخيمات، وتشرف هي على تقديم الخدمات الصحية المنعدمة اصلا، الامر الذي أدى إلى اندلاع أسوأ حالات للحمى الصفراء علي نطاق العالم منذ عقود، هذا بالاضافة الي ترويع الناس في جبل مرة ووضعهم علي حافة الموت..
ان مجرم الحرب، علي كوشيب، يمكنه التحرك بحرية كقائد لقوات الاحتياطي المركزي (المعروفة باسم أبو طيرة) في جنوب دارفور في افلات كامل من اي عقوبة. في جنوب كردفان والنيل الأزرق، يمكن للحكومة منع وصول المساعدات الإنسانية، وقصف السكان المحليين والتمركز عمدا في مواقع قريبة من السكان المدنيين في مدن مثل كادوقلي وذلك لخلق أقصى قدر من الخسائر في صفوف المدنيين. ونسبة لضلوع جميع اركانها في ممارسة جرائم الحرب علي نهج متساو، قامت الحكومة بتعيين أحمد هارون في منصب حاكم ولاية جنوب كردفان، حيث ينشغل حاليا باستضافة بطولات كرة القدم [سيكافا]، ويشرف في الوقت ذاته على قتل الأبرياء.
السؤال المهم الذي يطرح نفسه هو لماذا هذا الصمت؟ لماذا اصبح المجتمع الدولي متوافق مع الحكومة السودانية برغم كل هذا الرعب الذي يفوق الوصف؟ لماذا نجد المجتمع الدولي علي كامل يقظته حيال ما يجري في أماكن أخرى من العالم، في حين يبدو أعمى البصر تجاه حقوق شعب السودان؟ لماذا يمكن لأوباما أن يقف في برلين ويتحدث عن الحرية والفظائع التي ارتكبها ستاسي [جهاز امن الدولة في المانيا الشرقية]، غير مبال بفظائع جهاز الأمن الوطني السوداني والمتهمين بارتكاب جرائم حرب؟ لماذا بعض الحكام المستبدين يثيرون اهتمام الولايات المتحدة دون غيرهم؟
الجواب بالطبع يكمن في ايادي قطر القذرة في التأثير علي الجغرافيا السياسية في العالم. فهذه الدولة  مشغولة الآن  علي امتداد العالم في استخدام اموالها للتأثير في الشؤون العالمية، حيث استطاعت بذلك ان تضع المصداقية الدبلوماسية للولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة والكثير من دول أوروبا وشمال أفريقيا علي المحك. قطر تقوم بكل ذلك في هدوء باستخدام علاقاتها مع أمثال يوسف القرضاوي بهدف تلميع سمعتها عبر امتلاك بعض السيطرة على جماعة الإخوان المسلمين وتأثيرهم المتنامي بسرعة في جميع أنحاء منطقة الساحل. انها تمارس كل هذا علي حساب جيرانها في الخليج، لا سيما الإمارات العربية المتحدة والكويت والمملكة العربية السعودية، وأيضا على حساب البشر الذين يعانون داخل السودان، فهؤلاء ليس لديهم حقوق على الإطلاق فيما يبدو.
سعيا لشراء طريقها الى قلوب الحكومات في جميع أنحاء العالم، صوبت قطر أنظارها الي آفاق بعيدة. في المملكة المتحدة وحدها وافقت قطر على استثمار أكثر من 10 مليار جنيه إسترليني في بناء مشاريع البنية التحتية التي تشمل محطات الطاقة والطرق ومشاريع السكك الحديدية بالاضافة لمشروع ‘الصرف الصحي الفاخر’ الجديد المزمع بناءه تحت العاصمة، لندن. في اماكن آخري في لندن، استثمرت قطر مؤخرا في كل من محلات هارودز التجارية، وبناء ناطحة سحاب تسمي شارد ومطار هيثرو. اما خارج العاصمة، تجري حاليا مناقشات لتمويل بناء مفاعل نووي بقيمة 14 مليار جنيه استرليني بمنطقة هينكلي بوينت في سومرست، بتخطيط وتشغليل من شركة اي دي اف الفرنسية العملاقة للطاقة.
رغبة منها في ان لا يفوتها هذا السخاء القطري، وافقت فرنسا أيضا للسماح للإمارة لاستثمار الملايين في ‘الضواحي’ البائسة- حلقات الضواحي الفقيرة ذات الكثافة السكانية العالية من المهاجرين التي تحيط باريس. فهذا المشروع الذي قصد في الاصل ان يكون قطريا حصرا، لم يتم الموافقة عليه من قبل ساركوزي بسبب ضغط الانتخابات التي كانت علي الابواب. ولكن تم تكييفه في وقت لاحق من قبل فرانسوا هولاند لتكون خطة مشتركة بين الحكومة الفرنسية والقطاع الخاص الفرنسي والحكومة القطرية لدرء شر اتهامات قالت بأن السماح بتطبيق الخطة قد يشكل “حصان طروادة الإسلامية ‘ في عمق المناطق البائسة التي يقطنها المسلمين.علي كل مضي القطريون قدما في مواصلة انفاذ الخطة لا يردعهم في ذلك رادع وقاموا بتكوين صندوق ب 65 مليون دولار بهدف دعم رجال الاعمال  الشباب من هذه المناطق. كذلك قاموا بشراء أندية كرة القدم، والفنادق، ومباني المكاتب والشركات العامة.
هذا النمط في الترويج للنفوذ واستخدام القوة الناعمة يمتد الي جزء كبير من أوروبا، بما في ذلك عمليات الإنقاذ المالية للحكومة اليونانية، بالاضافة للاتجاه في خصخصة شركة أنظمة الدفاع الهيلينية العملاقة وشراء ستة من جزرها. في ألمانيا وقعت شركة آمال،واحدة من أسرع الشركات متعددة الخدمات نموا في منطقة الخليج،  اتفاقا مع فيفانتس الطبية الدولية التي تضم اكبر مجموعة مستشفيات في ألمانيا بهدف إنشاء مركز طبي للمرضى الزائرين في  الدوحة . ولمقابلة المعاملة بالمثل، قررت قطر ان تستثمر أيضا في قطاع العقارات وصناعة الترفيه في برلين
 في الولايات المتحدة، طور أمير قطر علاقات قوية بحكم اتفاقية للتعاون الدفاعي، التي تم بموجبها نقل مركز العمليات الجوية القتالية الامريكية لمنطقة الشرق الأوسط من قاعدة الأمير سلطان الجوية في المملكة العربية السعودية إلى قاعدة العيديد الجوية جنوب الدوحة. ويتم استخدام هذه المرافق وغيرها في قطر كنقاط لوجستية، ومحاور ارتكاز للقيادة (قيادة المنطقة الوسطى) لادارة العمليات في مناطق من ضمنها العراق وأفغانستان. بالاضافة لهذا، تستضيف الدوحة الآن ستة من كبريات الجامعات الأمريكية: جورج تاون، وكارنيجي ميلون، فرجينيا كومنولث، جامعة نورث وسترن، كورنيل وتكساس ايي اند ايم. كما اتخذت بعض المراكز البحثية الامريكية مثل معهد بروكينز من الدوحة مقرا لها.  وتسعي الولايات المتحدة أيضا الي تطوير علاقات دبلوماسية قوية مع إلامارة بشكل افضل من خلال العمل بشكل وثيق مع قطر بشأن الأزمة الراهنة في سوريا.
ان النفوذ القطري الاشبه بنسيج العنكبوت يتمدد بوتيرة سريعة وآخذ في الانتشار في جميع أنحاء العالم. في الواقع هناك آذان ترق السمع لما تقوله قطر، حيث قامت هذه الدولة  بغرس علاقات متينة مع العديد من الحكومات الغربية، وهي علاقات لا غني لتلك الدول عنها. هذا الامر يعني  بدوره أن لدي قطر الكثير من النفوذ في قضية دارفور، ليس فقط من خلال دعم عملية سلام الدوحة التي تعتبرها اللعبة الوحيدة في المدينة، ولكن أيضا لضمان استمرار الدعم للحكومة السودانية وما تمارسها من عمليات.  من الناحية الاخري تستطيع قطر الضغط على حكومة جنوب السودان وعلى ما يسمى “بالحركات المتمردة” مثل الجبهة الثورية السودانية التي تنشط في المناطق الحدودية ، فيما تغض الطرف عن رعاية السودان نفسه للميليشيات داخل جنوب السودان.
السؤال هو الي اي مدي يمكن ان يكون المجتمع الدولي مخطئا في فهمه للامور  ومدفوعا بسياسة المصلحة الذاتية في تعاملاته. هل رسالة قطر الموجهة لهم سلبت البابهم للدرجة التي اخفقوا فيها ادراك حقيقية  أن الإمارة تتكلم من كلا جانبي فمها؟ هل يعتقدون حقا أنه بمجرد شراءهم للنفوذ القطري على الإخوان المسلمين فان الامور تقف عند ذاك الحد؟ ام هم كسلاء بحيث لا يستطيعون النظر قليلا إلى أسفل الطريق لرؤية ما يمكن ان يأتي نحوهم من الاتجاه الآخر؟ نعم، من السهل ضرب الأهداف السهلة مثل جنوب السودان والشعوب التي تم سحقها اصلا بدارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق. ومن السهل ايضا بيع الناس الأبرياء في مقابل مزايا اقتصادية والدخول في صفقات القطط السمان. ولكن  مع ذلك، فان الايغال في التعاطي مع مثل هذه الحكومة، يمكن أن ياتي بنتائج غير متوقعة كما سينكشف في القريب العاجل. وكما هو سائد في الكثير من الحالات حيث يصطحب فيها الناس الشيطان الي  السرير، علي المجتمع الدولي أن يولي اهتماما اكبر لمن سيستيقظ معه في الصباح التالي

الدكتورة آن بارتليت أستاذ علم الاجتماع ومدير برنامج الدراسات العليا في الدراسات الدولية في جامعة سان فرانسيسكو. يمكن التواصل عبر
albartlett@usfca.edu.

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.