الرهان على زعامة الرئيس، والشيخ، والأمام

 بقلم: صلاح شعيب
ما يزال تجذر مكانة الزعامة الفردية على حساب الجماعية أمرا محسوسا بشدة في مجتمعنا. ولم تسعفنا شواهد دالة بأن الزمن قد تغير لنعلي من قيمة التحالف الجماعي عوضا عن الذوبان في صورة الحاكم، أو الزعيم، أو الرئيس، أو الشيخ، أو الإمام. فالذوبان في وهج هذه الكاريزمات يكاد يؤلهها أو يضعها في مراتب القداسة. ورغم أن تاريخنا نفسه قد دل على أن الشخصية العامة دائما زائلة بقدراتها الاستثنائية المفيدة والمضرة إلا أن الرهان الاجتماعي ما يزال يشكك في البدائل الكاريزمية التي تقف في الصف لتكون أسلافا لمن تخلفهم. والحال هكذا فإن الزمن وحده يصبح هو الكفيل بإحراج مجتمعنا أمام الواقع، وحمله على القبول ـ طوعا أو كرها ـ بمن يخلفون كاريزماته في المجالات الدينية، والعلمية، والفكرية، والسياسية، والثقافية، والرياضية، والفنية، إلخ.
كثيرا ما تناول الناس بالحديث غياب أسس التجديد في زعاماتنا السياسية وفقهها. ونحا أصحاب الرؤيا ـ لا الرؤية ـ من الكتاب مناح شتى في تفسير هذه الظاهرة القبيحة التي ألقت بظلالها السالبة على النتاج العام. والواقع أن هذا الأمر ليس بدعا في الساحة السياسية، وإنما ملحوظ في استدامة كاريزمات أخرى في مجالات الحياة العامة أكثر مما ينبغي. إنهم لا يستقيلون ولا يقالون، وليس هناك من شئ يقمع سيطرتهم على حقول الإنتاج إلا الموت. وسلطان الموت أحيانا يتخطاهم، ولم يتخط بالطبع المهدي الكبير، أو معاوية نور، أو حسين الهندي، أو جون قرنق، أو التيجاني يوسف بشير، أو ليلى المغربي، أو العميري، أو سامي عز الدين، أو مجدي النور، أو محمود عبد العزيز، أو محجوب عبيد، وغيرهم من الذين رحلوا دون أن يكملوا صورة مشاريعهم الوطنية في أذهاننا.
الشاهد أن السياسة تمثل أكثر المجالات التي شهدت ضمورا بسبب رتابة الرهان على قيادات أرهقها طول المسير. وليس هناك حجة أدل على ذلك أكثر من نظرة خاطفة على وجوه زعامات أحزابنا السياسية جميعها. ولعل المعروف أن طول فترة هذه الزعامات عزز من فرص ثأراتها تجاه بعضها بعضا. وكذلك شهدنا أن هذا المكوث الطويل في كرسي الزعامة أنسى الجالسون عليه الإحساس بجروحات المجتمع المنشغل عنه كلما زادت سنين المسؤولية القيادية. وطول الجرح يغري بالتناسي.
قد يقول قائل إن ظاهرة “التماهي” مع “الفرد الكاريزما” مسألة عالمية ولا منجاة منها. ربما يكون ذلك صحيحا في بعض من أقاليم العالم، ولكن لماذا ننتظر العالم ليفكر حتى نتبعه؟. ألم يقل المهدي: هم رجال ونحن رجال؟.
الشاهد الثاني أن للزعامة في العالم أهميتها، وضرورتها، لبناء التصورات الجديدة الملهمة للمربعات الاجتماعية. فنماذج أوباما، وجيفز، ومانديلا، وكريستينا فرنانديز، بارك جيون، مثالا، كانت ضرورية لحشد الطاقات نحو التغيير في الفهم والسلوك السياسيين. وكذلك ساهمت هذه الكاريزمات في إلهام القواعد وتشجيعها لتعزيز حيويتها في المشاركة السياسية عبر القضايا المطروحة.
إذن، ما الذي يمنع السودانيين من تقفي أثر هذه الكاريزمات ما دام أن هناك ألف سبب يحرض على بروزها في الواقع. أغلب الظن أن المثالب في مواريثنا الثقافية والعقدية هي المسؤولة عن هذا الشح في تحديث الكاريزمات السياسية، ومسؤولة أيضا عن عدم الاعتماد على قيادات أخرى غير التي سيطرت على نصف قرن مضى، وما يزال شبقهم إزاء البقاء يزيد. وهذه المواريث التي يتجاهلها الناشطون سياسيا بحلمهم الدافق بالتغيير هي التي تكبل خطوهم المحتج أمام ساحة البيت الأبيض، أو هايد بارك، أو ميدان جاكسون.
الملاحظ، أيضا، أن البدائل السياسية للإنقاذ محرومة من الوعي بأهمية نقد ظاهرة حيازة الزعيم لكرسي القيادة إلى مرحلة الموت. فإذا كان الانجذاب إلى الشيخ، أو الإمام، أو الرئيس، هو الذي جعلنا مرغمين لدفع ثمن غياب الديموقراطية، فما الذي يجعل معارضتنا غافلة عن نقد استدامة الزعامة القيادية، ذلك كبحا لاستئساد الفرد على كل شئ حزبي، واتقاء لشرور نفسه، وسيئات أعماله؟
إذا عذرنا مولانا المنشغل كثيرا بالخاص، فلا عذر للإمام المنظر، وكذلك لا عذر للقاعدة الشيوعية التي صومتنا على تمطيط زعامة نقد وأفطرتنا على بصلة المعمر الخطيب، أمد الله في أيامه. ولكن الثابت أن نخبتنا الوسيطة برغم كفاءة تعليمها إلا أنها متحدرة من بيوتات ومجالات الطاعة، إذ فيها تغيب الديموقراطية داخل الأسرة، وداخل المناخ المجتمعي الذي فيه نشأت وتسربلت بإيجابياته وسلبياته.
لا ندري إلى أي مدى يهتم الناشطون الجدد في السياسة بمعالجة خلل الزعامة الموطدة على حساب الجماعية في تقرير المصير السياسي لأجيال الحاضر والمستقبل. ولكنا ندري، حقا، أن ضمور التعاطي الديموقراطي في العمل السياسي ليس سببا كافيا لعدم “تقليم” أفكار الزعيم التي يكون حافزها الاهتمام بالمصلحة الفردية لا الجماعية. فكثير من هذه الأفكار مقدور عليها بوجود الرغبة في تحجيمها إذا كانت تبني السند المقدس للكاريزمات السياسية. ولكن هل من أحد ليبادر لمجابهة قدسية الزعيم؟.
ولأن ذلك لا يحدث تتخلق جماعات قيادية داخل التنظيم، ولا يكون دورها إلا تبادل المصالح مع الزعيم. فهو من جهة يمنح هذه الجماعات المكانة، وتبادله هي بالإيحاء للآخرين بأن لا أحد مؤهل هو على قيد الحياة خلاف “صقر البيدا القاطع شمسا بإيدا”. وهكذا تنبثق ثقافة تقديس الفرد وتنغلق الأبواب أمام الأجيال الوسيطة، والجديدة، والمقبلة. ولولا هذه الثقافة المميتة لما بقي سحر زعامتنا السياسية نافذا في المشهد السياسي طوال هذا الزمن، ذلك على رغم تكلس خلايا تفكير الكثير منهم.
بالنسبة لكاريزمات المجالات الأخرى فإن تنافسها مع الجيل الناهض كان نسبيا يحرمها من كامل الهيمنة على المشهد الذي تنتج فيه أعمالها. ومع ذلك لم يكن سهلا حتى مطلع الألفية أن تجد الأصوات الجديدة فرصة لإثبات وجودها في مجالات الفكر، والثقافة، والفن، والإعلام. ومع اكتمال الانفجار الإعلامي الذي جلب لنا الفضائيات، والإنترنت، ولوازم الميديا الحديثة، صرنا نشهد خامات إبداعية متمكنة في الرواية، والقصة، والتحرير الصحفي والغناء، والكتابة السياسية، والتشكيل، والغناء، والنقد، والعمل الإذاعي، والكاريكاتير، وغير ذلك من ضروب الفنون.
هذا الانفجار الرقمي هزم حراس القديم الفكري والإبداعي، والذين كانوا يساعدون في استدامة وهج كاريزمات ثقافية دون الاعتراف بتجارب جديدة لجيل معاصر. ومع تقدم الأيام سنشهد تيارات إبداعية محدثة تلون حقول الإبداع بتعدد مواهبها الفنية ومرجعياتها الثقافية، وسيستشري الوعي بأهمية الديموقراطية. والأهم من كل هذا أنه ستتفتح منافذ في الذهن لتقبر تلك المواريث الثقافية والعقدية التي ارتكزت عليها الزعامات الطائفية والأصولية لسلب عقول الناس واستدامة تفكيرها الطفيلي ومصالحها النفعية لا غير.

 salshua7@hotmail.com    

هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أخبار, أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.