الذراع الطويل: “ملحمة أم درمان” في الميزان

يوافي العاشر من مايو ٢٠١٣ الذكري الخامسة لملحمة الذراع الطويل أو “أم درمان”. هذه الذكري تحمل في مقاصدها معانٍ كثيرة وعديدة. غير أنها تجسد وفاءا وعرفانا يخلد ذكري أبطالها وتضحياتهم الباسلة، إلا أنها أيضاً، تحمل من الدلالات والقراءات ما يجعلها جديرة بالتأمل الواعي والدراسة المتأنية. من العسير جداً أن لم يكن من المتعذر أن ننظر الي هذه الملحمة نظرة عجلي بعيدا عن السياقات التاريخية للتطورات السياسية والاجتماعية والثقافية التي تشكل بنية الكيان السوداني ككل، دولة وجغرافيا وبشر. حتما لم يهدف هذا المقال أن يغوص او يوغل في ذلك المنحي، ولكن ربما توقف عند بعض المحطات بمباشرة تستدعيها المناسبة والظرف الراهن للفعل السياسي المتكلس لدي السلطة والموالاة والمعارضة علي حد سواء.

العملية في ذاتها ربما تبدو أشبه بالأسطورة او حكايات السندباد. للتداخل الواقعي فيها بالخيال والدهشة بالانفعال في حكاية عرضت فصولها حية علي مسرح أوسع من المكان وابعد من المسافة. ما جعل الكثير من الأسئلة حيري بلا إجابة، من قبيل، ما الذي دعي هؤلاء للاقدام علي مثل هذه الخطوة المتهورة غير محسوبة العواقب؟ وهل تمت هذه العملية بالاستفادة من تقنيات متقدمة في الاستطلاع والرصد والمناورة ام هي فقط المعرفة بالارض والشعاب والمسالك ام هو فقط العزم والارادة او ربما ركوب المخاطر! وبين من قال أنها جسدت البطولة والبسالة السودانية المعهودة تاريخا ضد ظلم السلطان أو الحاكم أجنبيا كان أو وطنيا. وعلي ضوء ما ذُكر، ربما لا تنجلي الصورة بكامل الوضوح، إلا من خلال نظرة سيسولوجية متعمقة أكثر منها عسكرية أو سياسية للديناميكا المحفزة لمثل هذا التحول في الفعل والنمط والأسلوب.

الذراع الطويل أو “أمد رمان” من أعظم دلالاتها أنها كانت توصية من توصيات المؤتمر العام الخامس للحركة تحت شعار “كل القوة الخرطوم جوه”. ما يدلل علي التزام الحركة بمرجعياتها المؤسسية التزاما جادا. وهذا الالتزام وهذه الجدية واحدة من أبرز السمات التي تميز الحركة التي جعلت لها مصداقية عالية لدي الشعب السوداني. ادارت الحركة هذه العملية بانضباط والتزام كامل ولم تتعرض فيها اروح المدنيين وممتلكاتهم واعراضهم للتعدي والانتهاك رغم زحام المدينة في ساعات النهار ورغم محاولات جهاز الامن تعطيل حركة ومسار الآليات بزج السيارات في الطرقات. والحركة فضلت ان تخسر المعركة علي ان تخسر سلامة المواطنين كما قال ناطقها الرسمي حينذاك الاستاذ احمد حسين.  وهذا ما أكده  قادة النظام نفسه حين قالوا: لو ارادت الحركة ان تنسف الخرطوم كلها بما لديها من سلاح لكان بامكانها ذلك. لم تستخدم الحركة المدفعية الثقيلة التي بحوزتها حتي لاستهداف المرافق العسكرية التي كانت تحت مرمي بصرها ونيرانها. فخاضت حربا نظيفة بكل المقاييس. وقد شهد أهل أمدرمان بذلك وانعكس في الطريقة التي تعاملوا بها معهم في تأكيد واضح لرمزية هذه المدينة وثورتها ووطنيتها.
قائد هذه الملحة كان رئيس الحركة وقائدها الاعلى الدكتور خليل إبراهيم محمد وعدد من القادة السياسيين والتنفيذيين الكبار كالأساتذ احمد ادم بخيت والمهندس ابو بكر حامد  والشهيد الجمالي حسن جلال الدين وآخرين. وهذا أيضاً ما جعل منها سابقة فريدة ومتفردة في تاريخ الكفاح الثوري وجعلت له سقفا شاهقا تتقاصر دونه الأماني ولا يدركه الطموح. صحيح أن هناك تجربة “تحالف الجبهة الوطنية” في ١٩٧٦ المكون من أحزاب الأمة والاتحادي الديمقراطي وجبهة الميثاق. وما يضفي أهمية لعملية الذراع الطويل عقد هذه المقارنة بين هاتين التجربتين:
فى يوليو ٧٦، لم تشارك الجبهة الوطنية برؤساء تنظيماتها أو قياداتها السياسية في الصف الأول. وكانت العملية ضعيفة من حيث الإعداد والاستعداد والتجهيز ما عرض أرواح العساكر للخطر الماحق .. علي الرغم من أن لمكونات هذه الجبهة عضوية منتشرة بطول حدود الوطن إلا أن تشكيلات المقاتلين ما كانت تعكس هذا الواقع مما يثير التساؤل حول الكيفية والظروف التي تم بها تجنيد هؤلاء المقاتلين وحقيقة المقولة المنقولة عن بعض القيادات ” قلنا ليهم مهدية عديل”؟!  للتدليل علي درجة اعداد الجنود نفسيا وبدنيا للاستبسال والتضحية؟! بعد فشل العملية تنصلت قيادة الجبهة من أي التزام، تنظيميا كان أو قانويا أو حتي إنسانيا عندما ارتكب نظام النميري في حقهم المجازر البشرية والإعدامات الجماعية التي تعد بقوانين اليوم جريمة ضد الإنسانية. والتي طالت حتي الذين أخذوهم بشبهة السحنة والجهة واللسان. ولم نسمع من قيادة تلك الجبهة أن كشفت أسماء منسوبيها من الشهداء أو المفقودين أو حتي المسجونين أو تعهدوا برعاية أسرهم وعائلاتهم أو خلدوا ذكراهم في سجل النضال الوطني بأي معني من المعاني. بل قضية كبيرة طويت صفحاتها بالتقادم ومسحت من الذاكرة بالنسيان المتعمد؟! ليس هذا فحسب، بل، صالحت الجبهة الوطنية نظام مايو في يوليو ١٩٧٧. ضحايا تلك العملية لم يكونوا جزءا من مصفوفة الاتفاق ولم تذكر لهم مكاسب أو حتي البحث عن من تبقي منهم منسيا في السجون؟! مع ذلك يصف قادة يوليو ٧٦ قادة عملية الذراع الطويل التي كان بعض آباءهم وأجدادهم وقود تلك العملية بالجهوية وقصر النظر؟!
بالمقابل، نجد في عملية الذراع الطويل، تحملت حركة العدل والمساواة المسئولية الأخلاقية والتنظيمية والقانونية والإنسانية تجاه منسوبي الحركة في قبضة النظام وحتي الذين أخذوهم علي الهوية بشكل خاص، وتجاه قضيتها المحورية بشكل عام. هاهي الحركة للسنة الخامسة تخلد ذكري شهدائها وأبطالها. وجعلت في كل جولات التفاوض من ملفات النازحين واللاجئين و التعويضات والعدالة اهم الملفات. ولم تصالح ….
عملية الذراع الطويل جعلت من الدكتور خليل زعيم وطني ومناضل ثوري كبير .. وكما قال دكتور الأفندي “أشبه بالأسطورة عند أعدائه وعند محبيه وأنصاره”.
 إذا غامرت في شرف مروم         فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمر حقير           كطعم الموت في أمر عظيم

عملية الذراع الطويل كشفت أن هذه الحكومة لا تحكم سيطرتها إلا علي القيادة العامة والتخويف بالقبضة الأمنية  و التضليل من خلال الاذاعة والتلفزيون، فبغير ذلك هي نمر من ورق. هذه العملية اجبرت المجتمع الدولي إلى الاستماع الي الحركة وتفهم قضيتها ومواقفها السياسية كما استطاعت ان تعيد قضية دار فور الي دائرة  الاضواء من جديد. ولو لا أمدرمان لما صدر طلب المحكمة الجنائية للبشير في جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. ولو لا الذراع الطويل لما كانت الدوحة ومن سار مسارها أو جني ثمارها. ولما كان منصب نائب رئيس الجمهورية ولا جملة الوزراء الاتحاديين من أبناء دارفور.  رحم الله كمال ناصر الذي قال”سيأتي يوما تكون فيه الخيانة وجهة نظر”.
الذراع الطويل شكلت حصانة للحركة ضد الانكسار، مرت الحركة بمنعرجات كبيرة وخطيرة في مسارات الحرب والسلام، فلم تنكسر ولم تساوم ولم تتراجع عن سقوف قضيتها العادلة في إطارها القومي. فكم هددوها وكم ساوموها وكم وكم اغروها. ولكن كان الدكتور خليل يقول دائماً “نكون سفهاء لو ساومنا أو استسلمنا اوضيعنا حقوق الناس”.  حاشاك السفاهة … دفعت روحك مهرا لايمانك بعدالة  قضيتك. وكأن الحاردلو قال فيك حين قال: ده يوم ولدوه غاب الخوف، ويوم ربوه خاف الخوف، ويوم شافوه مات الخوف ..
نستطيع القول بان الحركة بعد الذراع الطويل لم تكن كما كانت قبل ذلك، ولم تكن في المستقبل في ذات المكان الذي تحتله اليوم ما دام رفضت قبول الامر الواقع باختلالاته وتشوهاته الماثلة، وزاد إيمانها بعدالة قضيتها. سجلت الحركة نفسها وتعاظم سندها الشعبي كمشروع جاد للتغيير من اجل العدالة الاجتماعية  والتنمية البشرية والاقتصادية والإصلاحات السياسية وكفالة الحريات والحقوق والتحول الديمقراطي. وحتما سيكون نجاحها السياسي مرهونا ومحكوما عليه بالقدر الذي تتحقق به تطلعاتنا لمستقبل السودان.  

نجم الدين موسي عبد الكريم
نائب الأمين السياسي لحركة العدل والمساواة

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار, أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.