والسائحون ماذا يريدون؟

صلاح شعيب

إلى الآن لم يتيسر لنا الحصول على فكرة شاملة أو حتى مختصرة عن الأهداف الأساسية، أو قل الإنسانية إن وجدت، لحركة “السائحون”. فضلا عن ذلك فإن تفهم معاني ودلالات مصطلح “السائحون” ما يزال عصيا على التشكل في تصورات عامة الشعب، وخاصة البحاثة. أهو تأصيل لغوي لظاهرة قويمة وموحية من التاريخ الإسلامي أم أن المصطلح واحد من غمامات المصطلحات التي جاء بها الإسلاميون، وهي تضمر معان معلومة بالضرورة لعضويتهم، إذ يتخيلون في البدء معرفة تطبيقاتها على أن يدركها الناس بالتجربة في المنتهى؟ وما جدوى هذا المصطلح في ظل سريان المصطلحات التي هي في محك التجربة الآن. مرة ثانية..السائحون: أهو مصطلح ذو علاقة بالسياحة في سبيل الله، مثلا، من ناحية أن الأرض يرثها عباده الصالحون بالسياحة الدينية، أم أن “السائحون” ليس سوى مصطلح فضفاض ندركه نحن بالتجربة المرة أو الحسنة لاحقا؟ نتساءل هكذا آخذين في الاعتبار عالمية دعوة الإخوان المسلمين التي جعلت الأخ سائحا، وسلاحه في كتفه، في بيئات أمريكية، وأفغانية، وشيشانية، وسورية، إلخ.

حقا ما أكثر المعاني الفضفاضة التي أفرزتها تجربة الإسلام السياسي السوداني وما أتت بشئ ثمين. فمصطلحات مثل المشروع الحضاري، إعادة الصياغة، أسلمة المجتمع، بسط الأمن الشامل، الذكر والذاكرين، الحسبة الإدارية، البكور، النفرة الزراعية الشتوية، المعسرين، الأغنية الجهادية، وغيرها، لم تسبقها تعريفات جامعة حتى يلم العامة بمعانيها ويتم بعد ذلك تمثلها بشكل أفضل أو مناوأتها. والملاحظ أن هذه المصطلحات كانت تجد حظها من التداول وسط عضوية الحركة بوصفها شفرات للتمكين الذي ينوب عنا في إصلاح العلاقة مع رب العالمين.

ورغم تكاثف كل هذه المصطلحات “المنجورة” إلا أن أكثرها سقط من ذاكرة الذاكرين، وغير الذاكرين بعد الثراء الاقتصادي. بل وصار الإسلاميون أنفسهم يتجنبون ذكرها بخير أو بشر. فالتجربة الحياتية بوصفها حقل الاختبار لاستدامة المصطلح السياسي، أو بواره، لا بد أن تسقط معظم هذه المصطلحات التي حاولت الحركة الاسلامية غرسها في الأرض السودانية قسرا، عوضا عن التشاور مع المستهلكين أمثالنا، وذلك قبل غذ السير نحو التطبيق. ولأن الحوار السلمي كان غائبا بدا أن مصير هذه التقليعات الجديدة الاصطدام المحتوم مع الواقع السودانوي الذي صهره حراك سبع آلاف سنة، مثلما تبين بعض الحفريات التاريخية. وبالتالي بقي “الرندوك الإسلاموي” مثل أغنيات شنان التي لا تبثها القناة الرسمية وقناة النيل الازرق الآن بشكل مماثل للبث الكثيف لأغاني الحقيبة الحسية. ولعلنا شاهدنا واستمعنا في قناتي التمكين الذكيتين وهما “النيل الأزرق والشروق” إلى بعض من أصوات نسائية لا تجد الصادحات بها حرجا من التمايل بأكتافهن المرصعة بالماس، وعيونهن الملونة بالأخضر أمام عدسات برنامج السر قدور.

يذكر، والحال على ما هو عليه، أن “الدكتور الآن” محمد الأمين خليفة كان من أشد المتحمسين لفكرة البكور وشوهد مرة في التلفزيون متحذلقا، وسابرا لمعنى البكور، وضرورته التي غيرت ميعاد العمل ليبدأ ساعة قبل الميقات المتعارف عليه. ولكن اتضح لاحقا أن فكرة البكور قد عرضت أطفالنا التلاميذ للكلاب التي تنبح في الهزيع الأخير من الليل فيعودون أدراجهم صارخين، وباكين، وهلوعين. كذلك كان هناك عمال يخرجون لساعات العمل في الصباح ولا يجدون مواصلات تقلهم في الوقت المناسب. ومع ذلك استمر العمل بنظام البكور دون أن يحقق وفرة في الإنتاج، ومن ناحية أخرى لم يزد البكور السودانيين إسلاما فوق إسلام الجدود، والحبوبات. بل إن ذلك التبكير لم يلتزم به الإسلاميون أنفسهم في زيادة الإنتاج. فالنائمون من عضويتهم في البرلمان قد ضبطتهم الكاميرا وهم في عمق الأحلام البنفسجية بسبب التبكير. ولعلهم لو تذكرو قصيدة إلياس أبو شبكة التي ترنمنا بها في ساعة الطلب لأدركوا أن قيمة البكور غير المؤدلج في شتل الصباح بالعمل، لا بالشعارات:

زارِع الحَقلِ في البُكور
عَيشُكَ الدَهرُ أَخضَرُ
أَنتَ في هَيكَلِ الزُهور
فَيلَسوفٌ مُفَكِّرُ

إن الإخوة السائحين هم شحمنا ولحمنا. ومثلما يوجد الإسلاموي في كل بيت، أو حي، أو فريق، فإنهم مبثوثون داخل حوزات المجتمع. وقضيتهم، إن فهمنا أبعادها من خلال بعض من الأدبيات التي توفرنا عليها بصعوبة، توحي لنا أنهم مغبونون على الحركة الإسلامية التي لم تف بمتطلبات المشروع الحضاري. ولذلك يريدون تغييرا جذريا في البرنامج الحكومي، ونفيا لقيادات بعينها من سدة الحكم. وربما يرى “الشباب الدباب” أنه أولى بوراثة الدولة وتوجيهها وجهة الحق الديني. ونحن لا ندري إلى أي مدى هم متغلغلون في الجيش، والخدمة العامة، والقطاع الخاص، ومنظمات المجتمع المدني، وفي الخارج. ولكننا ندري أن لهم خلايا سرية، ومتعاطفين مع مشروعهم الذي لم تكتمل ديباجته الفكرية حتى يتحول إلى حزب مستقل، أو منظومة مطالبية، أو عصبة حقوقية، أو جماعة ضغط فحسب.

حسنا فمصطلح المشروع الحضاري وتطبيقاته الميدانية لم يحقق غبنا للسودانيين تجاه السلطة فحسب، وإنما شمل الغبن عضوية كبيرة داخل الحركة الإسلامية في حزب المؤتمر الوطني. ولكن بين “الغبنين” هناك مسافة بعيدة يا إنسان. فغبن عامة الناس هو أن أهل المشروع تجردوا من الخلق الديني، والسودانوي، عند التعامل مع غير المسالمين، والمنضويين، للفكرة وتنفيذياتها. ولذلك فصلوا من فصلوا من العمل، وقتلوا من قتلوا، وسرقوا ما سرقوا، وعذبوا من عذبوا، وكذبوا ما كذبوا، ودمروا من المؤسسات السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، ما دمروا، وسحلوا من سحلوا. باختصار أنهم فعلوا كل موبقة في سبيل التمكين الذي يتيح لهم الأسلمة الكاملة لأفئدة، وسلوك، السودانيين. ولقد تم كل ذلك أمام مرأى ومسمع السائحين بل إن شيوخهم كانوا جزء من أفكار التأسيس لكل هذا الخراب.

أما غبن السائحين فهو مفهوم بحسب أنه غبن له علاقة بفئة، ولا علاقة له بالمظالم التي حدثت لغير عضوية الإسلام السياسي. فالسائحون من خلال هذه الأدبيات الشحيحة لا يولون قدرا من الاهتمام بمعالجة الجريمة التي ارتكبت طوال هذه السنين، وإنما يركزون فقط على هيمنة انتهازيين داخل الحركة الإسلامية على قيادة القاطرة. إنهم، بالأحرى، غير معنيين ـ بطبيعة حالهم ـ بالدعوة إلى محاسبة النظام على قتل الضباط، والجنود، في شهر رمضان، أو فتح هذا الملف. لا يهتم السائحون بهذه المنغصات القديمة مثل اهتمامهم، وفرحهم، بإطلاق سراح ود إبراهيم وركبه. وود إبراهيم، كما نعلم، ترقى تصاعديا أثناء محارق الجنوب، ودارفور، والنيل الأزرق، وجنوب كردفان. بل كان شاهدا على إفراغ القوات المسلحة من ضباطها المتميزين، هذا إن لم يكن عضوا في لجان التصفية. كذلك وجدنا أن السائحين غير معنيين بالمطالبة بتغيير النظام بشكل جذري حتى يتسنى للسودانيين جميعهم تشكيل حكومة انتقالية للتعامل مع القضايا المطروحة. إن السائحين لا يوضحوا لنا رأيهم في المقدمات الفكرية التي قادت البلاد إلى التشظي ولا ينوون تعريف المطلوبات الجوهرية لاستدامة الحرية، والديموقراطية، وحقوق المرأة مثالا. فقط هم يريدون تصحيح التجربة وفقا لهياكلها، وآلياتها، الفكرية، والسياسية، التي أوجدتها، وبعدها يكون لهم قصب السبق في إدارة جديدة للعمل الإسلامي حفاظا على مشروع الأسلمة في البلاد.

عمليا، وفي ظل تصاعد الرفض للإسلاميين، وغليان دم المواطنين بسبب ما فعله إسلامهم في العقدين الماضيين، يوجد حل واحد أمام الشباب السائح، إذا أراد التكفير عن إتباع شيوخ الحركة الذين ضللوهم، وقادوهم، إلى حميات الوغى بينما يتبارى الطفيليين منهم في اصطياد زيجاتهم من الكليات الجامعية، ومراكمة الثروة المالية، والأفدنة، والشركات عابرات القارات. على هذه الشباب السائح الذي تحتاج إليه بلادنا أن يحس بأن هناك أمة تم استعمارها بفكرة بائسة وشردتهم في المنافي بواسطة أثرياء الحرب. عليك يا أيها السائح أن تتحرر من مصالح الفئة الضالة لتنظر إلى مصالح الجماعة المكلومة، وهذا هو السبيل السهل الذي يدخل به الناس الجنة، سلميا لا عسكريا. الناس كل الناس.

salshua7@hotmail.com

 

 

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار, أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.