على خلفية مشكلة أبيي.. من هـم الدينكا..؟!/ باخت محمد حميدان

على خلفية مشكلة أبيي.. من هـم الدينكا..؟!.
باخت محمد حميدان

عزيزي القاريء عندما نتحدث عن أي مكان من الأمكنة سواء كان في السودان أو خارجه يخطر في بالنا بشكل مباشر أهل هذا المكان وقاطنيه، وفي السودان تحديداً إذا تحدث أي منا مع أي فرد سوداني عن المنطقة التي ينحدر منها بشكل تلقائي يمكنك أن تقول له أنت من القبيلة الفلانية أو المجموعة البشرية المعينة أو من الثقافة المعينة، وهذه من البديهيات التي لا يختلف حولها الناس.

هنا سأحدثك عزيزي القارئ عن قبيلة الدينكا أشهر قبائل السودان، وهم قبائل كثيرة ومنتشرة في الجنوب السوداني الذي إنفصل لكن حديثي له معاني ومغذى أكبر للتوضيح فقط خاص بدينكا نقوك من تبقوا حتى الآن بخيط يرتبط بالسودان الكبير قبل الانفصال.

أصل الدينكا في الأساطير القديمة

ُترجع الأساطير أصل الدينكا حسب مجلة (الكوثر العدد 28 فبراير 2002م إلى (قرنق) الذي له ولدان هما (دينق) و(أبيدنق) حيث يستبشرون بدينق ويعزون له الخير والمطر، وهو أصل القبيلة التي تفرعت بطون، وهناك أسطورة أخري تقول إن جد الدينكا يسمي (دينج دين) وتعني بلغة القبيلة (ربنا الكبير) زعموا أنه في زمن من الأزمان السحيقة تلبدت السماء بغيوم كثيفة ولمعان برق وقصف رعد وعم ظلام دامس، فانهمرت أمطار غزيرة، وفي لحظة معينة لمع برق مضي بدد كل الظلمات مصحوبا بصوت وكلام مع انهمار الأمطار والغزيرة، فانزلق من خلال المشهد فتاة ممشوقة القوام، فارعة جميلة ضامرة الحشا اسمها (ألوت وتعني الكلمة في لغة الدينكا بنت الغيم أو الغمام أو بنت الرذاذ فولدت ولداً صغيراً بأسنان تامة ثم أكدت للخلق من حولها هذا الولد جاء معي من السماء وإذا أردتم أن يتكلم أحضروا ثيراناً بيضاء فاذبحوها التماساً للكرامة وسط جمع غفير من الناس، سيتكلم كما تحبون، وعندما ذبحوا الذبائح، كما أشارت عليهم المرأة القادمة من السماء، وأقيمت الشعائر انهمرت أمطار غزيرة ثانية لتصعد عبرها ألوت إلي السموات العلي، وتترك الولد المعجزة (دينج دين) يكلم الناس ويأمرهم بأن يجعل كل فرد منهم، ممن يملكون الأبقار عدداً منها وقفا عليه تحمل اسم (دينج دين) يحرم التصرف فيها بالبيع والشراء، لكن يجوز الاستفادة من ألبانها ولحومها أو ذبحها في مواسم الأعياد، أو نزول المطر وجني محصول الذرة.

وحسب الموسوعة الحرة (الوكيبيديا) فإن غالبية الدينكا يشتغل بالرعي والزراعة حيث يعتمدون على رعي قطعان الماشية في مراع قريبة من الأنهار خلال موسم الجفاف، وفي موسم الأمطار يقومون بزراعة الدخن وأنواع مختلفة من الحبوب، يبلغ تعدادهم حوالي 1.5 مليون نسمة، وحسب الموسوعة المذكورة أن قبيلة الدينكا أكبر مجموعة عرقية في جنوب السودان، حيث تنحدر من فروع الشعوب النيلية وتتحدث باللغات النيلية وهم من أكثر الأفارقة سمرة وطولاً، تسمى لغتهم بالدينكاوية أو (تونقيانق) “بادغام النون والقاف” ومعناها (الناس) أو (القوم)، وتتفرع من اللغات (لغات نيلية صحراوية) وتكتب بالأبجدية اللاتينية مع بعض الإضافات.

فلمعلوميتك إيها القاريء أن الدينكا يتواجدون في مناطق عدة في الجنوب ويتسمون بأسماء المناطق التي يعيشوا فيها مثلاً منها دينكا بُوّر، ودينكا أويل، ودينكا واو، ودينكــا نقوك ما يطلقوا على أنفسهم بابيي هم مشاركين الرعي والكلا المسيرية بابيي، فهذه المجموعات البشرية مثلهم وبقية القبائل العربية السودانية تعتز غاية الاعتزاز بأصلها الذي تنحدر منه مثلما يعتز أي شخص سواء كان عربياً أو غيره بأصله وامتداده الاجتماعي.

في أول تعداد سكاني في السودان بعد الاستقلال أوضح بأن عدد تعداد دينكا نوك ثلاثين ألف نسمة، فيما كان عدد  المسيرية 140 ألف نسمة، وللدينكا نوك 9 عموديات والعمودية هي منصب أقل من الامارة أو الأمير فاللمسيرية أكثر من 20 أميرً، ولكل أمير ينضوي تحته عدد من العُمد.

أبيي:

هي منطقة خلوية كثيفة الغابات غالبية من السُكان الموجودين في داخل المدينة أو القرية ابيي نفسها هم دينكا أما المناطق التي تقع حول أبيي ما نطلق عليه بالقرى أو ضهاري المنطقة فكل قاطنيها هم أعراب المسيرية فالمساحة الكلية لسوق أبيي لا تتعدى مساحة مدينة الحاج يوسف مثلاً، أما محيط المنطقة فكامل قاطنيه هم من أهل البدو، لهم أسواق للتبضع خاصة بهم، فالسوق الكبير في أبيي مثالاً أذا خرجت منه شرقاً أو غرباً أو شمالا لمسافة 5 أو 10 كلمترات تجد أهل البداوة في كل مكان، وكل المجموعات البشرية في هذه المناطق لهم سوق كما ذكرنا آنفاً، أيضاً كل مجموعة لها اسم أو منطقة دونكي، أو مكان للتزود منها بالماء ويسمى كما هو معروف بـ (العد) ألخ، ومن هنا ظن الدينكا بانه في حالة حصولهم على أبيي بأن كل هذه المناطق ستكون تابعة لهم وللأسف هذا المفهوم لدى غالبية الدينكا، لذلك طلبوا أن تتحل أيلولة المنطقة بالتصويت في الاقتراع على اختيار للبقاء في السودان القديم أو الجديد وذلك للناس الذين يقطنون داخل سوق أبيي فقط.

من هذه النقطة اشتعلت الخلافات بين الطرفين لأنه ليس من المنطقي والموضوعي أن يمارس قسم من المختلفين حق الاقتراع فيما ينعم القسم الآخر من الإدلاء بحقهم في الاختيار..؟.!!، أي منطق هذا يجعل مناطق الذين لم يصوتوا على الاقتراع للقسم الذي مارس حقه في الاختيار..؟، يعني كأنك تخرجني من بيتي بحجة أن أرض البيت تتبع لك دون أن تسمعني وترى دُفوعاتي في ملكيتي للأرض..!!.

بهذا المنطقة عزيزي القارئ يريد دينكا نوك في أبيي الإقتراع بأيلولة المنطقة بدون مشاركة المسيرية في الاقتراع، وهذا في نظري مفهوم مغلوط يتبعه للدينكا يقوم على ما يسمى بمفهوم البراجماتك حب النفس

Pragmatics عليه أحكم أيها القاريء على هذا المنطق.. إذ يقول الدينكا اذا لم يحصلوا على ابيي حتى لو بالتصويت سيحاربوا، ظنوا منهم بأن الطرف الآخر عند الاحتراب سيقدم لهم الورود، عليه أبيي في حالة التصويت فهي ستبقى مسيرية شمالية وفي حالة الاحتراب لن يقف أهل نوك في وجه المسيرية، لكن هذه المحنة لا تحل إلا بالتوضيح للرأي العام ليعلم هذا المنطق المعوج، وذلك تجنباً لفكرة الحرب التي إذا انطلقت أول طلقة فيها سيخسر الجميع بلا شك لا قدر الله ذلك، إن ديدن الحروب هو التشتت والترمل والموت والاعاقة الخ والمآسي والندم حيث لا ينفع الندم.

إن منطقة أبيي غنية بكل ما هو مفيد للانسان فإن محيطها يزخر بـ حوالي 50 مليون راس من البقر، وجميع هذه الثروة الحيوانية الهائلة تبع المسيرية الذين يرفدوا الأسواق العالمية باللحوم الحمراء التي تصدر لمصر ودول الخليج والقارة الاوربية، ومناطق المسيرية أيضاً تزخر بالصمغ العربي الذي يعرف السودان بأنه الدولة الأولى في تصديره عالمياً، والصمغ العربي ينتج من شجرتين من الهشاب في مناطق كردفان المختلفة، ومن شجرة الطلح التي تقوم في ضواحي أبيي ويعمل بدو المسيرية في استخراجه من هذا النوع من الأشجار.

إذن المنطقة غنية بكل ما هو ذا جدوى اقتصادية تجعلنا جميعاً نفكر بفهم جديد من حيث استثمار هذه الثروات النادرة من أجل الانسان الموجود في هذه المنطقة من العالم، والمستغرب له أن هناك جهات عديدة مستفيدة من ثروة الصمغ العربي ومن الأبقار كثروة حيوانية ذات قيمة عالية لكنها تقف مكتوفي الأيدي وتلوذ بالصمت، لذلك أقول إن الخيرات التي تحدثنا عنها في أبيي يجب أن ُتنمى ويتعهدها الناس براعاية والاهتمام لا أن نحترب بسببها، ومن هنا أدعوا كل الاطراف أن تتواضع على حل للمشكلة بعيداً عن الحرب والتهديد بها بين فترة وأخرى، فإن كل الحروب التي دارت رحاها في السودان أو غير السودان لم يستفيد منها الناس شيئاً غير المآسي والأحزان المقيمة والكراهية والبغضاء التي تمتلئ بها الصدور.

وللحديث بقية
باخت محمد حميدان
مملكة البحرين- موبايل 0097333666828

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.