تسريجات علي عثمان، وتخريجات/ علي الحاج صلاح شعيب

تسريجات علي عثمان، وتخريجات/ علي الحاج صلاح شعيب
 هذه هي ألفية البرامج، والتحالفات الاجتماعية، والتنازلات الأيديولوجية، ولا مساحة فيها للزعامات أو الأفراد إلا بقدر سمو إلهامها في التفكير السياسي. وما يحكم الناس الآن في العالم المتقدم هو هذا التوافق السياسي القائم على مصالح قطاعات واسعة من الجماهير. فالسياسة في العالم الثالث أدعى لاستلهام هذا التطور في الحراك البشري النوعي. ذلك إذا نظرنا، خصوصا، إلى التعدد الكثيف في بنية الدولة هناك، فضلا عن التجهيل السياسي المقصود لسيرورة العشائرية والاستبداد ساقا بساق. والسودان نموذج جيد لهذه السيرورة الطويلة التي كذبت تطلعات السودانويين، والليبراليين، ودعاة الديموقراطية، منذ فجر الحركة الوطنية، وما تلاها من محاولات الخريجين، والمدارس الفكرية، والسياسية، والأدبية.سودانيو الإسلام السياسي ظلوا منذ تسلطهم يدعون للحوار الذي يفك مغاليق المستعصي السياسي في تجربة التساكن السوداني. وكان تدشين فاعليات “مؤتمر الحوار الوطني” إيذانا ببدء مرحلة جديدة من التحشيد باتجاه مشروع تديين الدولة. ولكن ذلك الحوار المفتاحي، وما أعقبه من حوارات، قصد إعطاء معنى جديد للحوار. فالهدف كان استيعاب الآخرين في كرش الفيل وهضمهم ثم التخلص منهم. ولم يكن القصد أبدا أن يسهم الحوار في تذويب شقق الخلاف والوصول إلى حد أدنى من توافق الرؤى بشأن القضايا الجوهرية المتعلقة بالحكم وكيفيته. وإذا كانت النوايا للحوار صادقة منذ ذلك المؤتمر المفتاحي لأمكن لبلادنا أن تستقر على قاعدة من التراضي السياسي والاجتماعي. ولكن ما لنوايا النخبة الإسلاموية من سقف محدد في تأكيد التحكم على الناس قسرا، أو قهرا، أو قمعا.تزامنا مع تصاعد الأزمة السودانية الآن على مستوى الدولة والحكومة يتفنن النظام القائم في توظيف ذلك الرأسمال الحواري المربح لتحقيق شيئين: تحقيق الانفراج في أزمته الماثلة والتي من أبرز علامتها تدهور الأوضاع في الجبهات العسكرية، والاقتصادية، والأمنية. وما من شك أن ذلك التدهور جلب خلافات داخل المنظومة المسيطرة في المؤتمر الوطني. أما الشئ الثاني فهو تفريغ المساعي السلمية والعسكرية الناشدة للتغيير من محتواها.هذه الدعوة التي ابتدرها نائب الرئيس علي عثمان قد أعقبتها العشرات من الدعوات للحوار. إذ أن الهدف هذه المرة أيضا أن يكون الحوار سبيلا لسند الحكومة بما ترى أنه ذكاء مثمن ـ في مقابل غباء معارض ـ لاستدامة هيمنتها. كما أن مبادرة علي الحاج والتي استمدت ثقلها من لقاء برلين بين رجلين إسلاميين ليست سوى تجديد لـ “أشواق” إسلاموية قديمة لإنجاز التغيير بالخلفية الإسلاموية. وكما نعلم أن الرجلين كانا في يوم من الأيام قد وجدا كل فرص التناغم في التصرف السياسي. ولكنهما لم يحققا شيئا بخلاف نحرهما لفؤاد الفكرة التي تحابا من أجلها. إذن فما الذي يحملنا على تصديق أنهما يملكان إمكانية حل لما ربط بسياسة تفتيت الآخر في مشروعهما السياسي والديني المنهار.إن كلفة الحرب التي دفعتها البلاد منذ استقلالها تمت بسبب هذا التذاكي الغبي للسلطة المركزية. وما هذا الذي تمارس فيه المجموعة المسيطرة في الحزب الحاكم من سياسات للوي عنق الحقيقة إلا إعادة بناء هش فوق أنقاض الفشل. فالسيد علي عثمان، مسوقا نفسه أو ممثلا لدور جديد متفق عليه وسط جماعته، ليس هو الحل في زمن تتلاشى فيه الزعامة الفردية في العمل السياسي. فهو لن يكون بأفضل ممن خلفه. وإن بدا النائب بهذه الدعوة الجديدة إلى الحوار شاغلا بذكاء للضمير المعارض فهو بحاجة إلى مراجعة تسريجاته الخاطئة. أما إذا حاول بمؤتمره الصحفي تمويه القوى السياسية بأن مخدمه قد انتهى دوره، فإن كل هذا التمويه لن يخلق اختراقا في أزمة السلطة التي عمق هو بنفسه مآسيها، بل ولن يكون النائب معفيا، بجانب قادة آخرين، من مسؤوليات سابقة في القتل الفردي والجماعي.ومع ذلك ما يزال، نظريا، حل الأزمة السودانية ممكنا بالحوار بأفضل مما هو ممكن بالسلاح. وكذلك ما يزال المجال للحل السلمي الذي يهدأ روع البلاد متاحا عمليا، ولكن ليس وفق شروط الحكومة مجتمعة، أو علي عثمان بمفرده. ولعل شرط هذا الحوار هو أن تتنحى قيادة المؤتمر الوطني لحكومة انتقالية تتعامل مع مجمل الوضع الممزق الذي صاحب الناس منذ تسلط الإسلامويين على السلطة. وإذا حدث ذلك فإن كلفة التغيير ستكون أقل، وبالتالي تمهد السبل أمام حكومة انتقالية كاملة الدسم كي تتعامل مع كيفيات هذا التغيير الشاق. ولكن هذا السيناريو من التغيير مرفوض بالضرورة من قادة المؤتمر الوطني كونه إذا تحقق سيضعهم أمام مساءلات جنائية، ويقضي بالمرة على أحلامهم الآيديلوجية التي أدخلتهم وعموم السودانيين في واقع ينذر بتلاشي وحدة البلاد.صحيح أن علي عثمان يدرك جميع الإدراك أن التضحية بالسلطة أمر غال ومكلف إذا كان ثمنها الحفاظ على السودان موحدا، وإذا كان أيضا هدفها نزع فتيل الأزمة بما يكفل للسودانيين مجتمعين عقد الحوار الهادئ للتقرير بشأن قضاياهم في أوضاع حرة. فيها يعبرون عن كيفية معالجة ما شق على الكوادر الإسلاموية، وغير الإسلاموية، التي لحقت بقطار السلطة ولم تسهم إلا في حل مشكلات توظيفها، وعيشها على المخدم الشمولي. ولكن هل يستطيع الفرد علي عثمان أن يصل بهذا الحوار الذي ينادي به إلى هذه السقوف الضرورية، والمنطقية، والمعبرة عن مجمل تطلعات القطاعات السودانية التي كرهت تسلط الفرد، وشغله المنفرد؟لا نشك في عجز قدرة النائب الأول على القبول بهذا السيناريو فحسب، وإنما نشك أيضا في أن طبيعة السلطة الماثلة التي خبرنا تكتيكها في الحوار، وفي التعامل مع الأزمات، لن تقبل بهذا التصور لإنقاذ البلاد. فالإخوة الإسلاميون، بغير تركيبتهم الذهنية المكابرة لضرورات الالتفاف على حقائق جلية لفشل مشروع تديين الدولة، ماكرون في طرق الالتفاف كذلك على المطالب الأساسية التي لا يستقر دونها مختلف مناطق السودان. وهذه المطالب تتعلق بضروريات أساسية إن انعقد في القريب العاجل حوار ذو حضور غفير، أو لم ينعقد. فحرية الفرد السوداني المماثلة لحرية الإسلاموي في التعبير عن كامل رؤاه دونما حجر، واقتسام السلطة بالتساوي بين السودانيين بكل مشاربهم، وجعل جهاز الدولة مخدما لكل السودانيين دون تمييز، ليست كل هذه المقتضيات أمور تعجيزية. في حقيقة الأمر أنها منصوص عليها في دستور الحركة الإسلامية نفسها. وأكثر من ذلك أنها تلك الواجبات الأساسية التي دعا إليها الإسلام: المرجعية التي وفقها جاءت الحركة الإسلامية إلى السلطة للتبشير بمثلها، وقيمها، وفضائلها، ومناقبها، ومآثرها، إلخ.أما بخصوص علي الحاج فقد بدأ دوره الجديد، والمفاجئ، في التجسير وسط الفرقاء السودانيين بكذبة بلقاء. فقد اضطر سكرتير الحزب الشيوعي إلى نفي حدوث اتصال به كما صرح خازن طريق الإنقاذ الغربي في الإعلام. وفي واقع الأمر أن علي الحاج يمثل جانبا من الفشل سواء بدوره السياسي السابق، أو بضعف تأمله في الطرق الصحيحة التي ينتهي إليها كسياسي. فالأحق، وهو الذي امتلك تاريخا من التجارب السياسية، أن يحافظ على تخريجاته السياسية هذه وينشط باتجاه توحيد الحركات السلمية والمسلحة بشكل ربما يسهم في تسهيل المستقبل السياسي. دور كهذا قد يمنحنا الثقة بأنه حريص على الوصول إلى حل شامل، وعملي، ومنطقي، للأزمة. على “العليين” ألا يتعاليا فوق الواقع وأحرى بهما أن يصرحا بأن النسخة الإسلامية التي جربت فينا يتحملان وزرها ولا منجاة منها إلا بتسليم السلطة إلى حكومة انتقالية ممثلة لكل الأطياف السياسية المؤمنة بالتغيير. وهذه هي ورقة حوارنا السلمي نقدمها لمن كان له قلب وألقي السمع وهو شهيد.
 

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار, أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.