الصمغ العربي..قصة مأساة انسانية تتجسد فيها العبودية في أبلغ صورها..!!.

باخت محمد حميدان/batuta65@yahoo.com

عزيزي القاريء اليوم نتطرق لمهنة شاقة يمتهنها بعض شعوب السودان ليسدُوا بها حاجتهم المادية وتلبية لحاجات الأسرة في مختلف المجالات، لكن هناك من يستغل هؤلاء النفر المسكين ويزيد من ألامهم أكثر واكثر،، وهنا تظهر الأبعاد الانسانية المُرة في هذه المهنة التي يتعرض من يمتهنها في السودان إلى الاستعباد والظلم..!!.

لا شك الجميع يعلم بأن السودان مشهود بأنه أول دولة تمتلك تلكم المادة الثمينة مادياً التي تسمى بالصمغ العربي حيث يحتوي السودان على ما نسبته 85% من الصمغ العربي عالمياً، ومعلوم للجميع أيضاً أن الصمغ العربي يعتبر مادة تدخل في كل المشتقات الدوائية وحفظ الأطعمة، ولأنه ماده نادرة جداً يُباع في السوق العالمي بسعر باهظ جداً وفي أغلب الأحيان يكون مردوده المادي يوازي البترول بل أغلى منه..!.

ولأن الصمغ العربي مهم للغاية في صناعة المشروبات الغازية ومنتجات أخرى أعفته الولايات المتحدة من الحظر التجاري الذي فرضته واشنطن على السودان عام 1997م، وتشتهر مناطق غرب السودان عامة بانتاج الصمغ العربي لكن منطقة كردفان لها نصيب الأسد من الكيمات المنتجة في الأسواق بمدينة الأبيض التي تعتبر والصمغ العربي حيث كردفان لها نصيب الاسد منه من الكمية المنتجة وسوق مدينة الابيض الذي يعتبر أول سوق للصمغ العربي بالسودان.

الصمغ العربي ينتج من شجرتين هما شجرة الهشاب وشجرة الطلح، وهذا النوع من الشجر  تنتج الصمغ في بيئة معينة في الصيف، وهو عبارة عن عصارة لزجة تخرج من جوف وأفرع الشجرات المذكورة وتتجمد خارج أفرع الشجر فيكون قابلاً للحصاد الذي يعرف محلياً بـ(طق الصمغ) وشجر الصمغ لا يزرع بل يقوم في الغابة ولكل صمّاغ نطاق أشجار يتجول فيها لجمع الصمغ وبعدها يذهب به ليبيعه، ومن الناحية العلمية ان الصمغ العربي مفيد جداً في معالجة القصور الكلوي وذلك عن تجربة حيث أن شربه على الريق مع الشعير المغلي يعمل على تنظيف الكلى بشكل تعجز عنه الأدوية الكيميائية..

أن مهنة انتاج الصمغ العربي تعتبر مهنة شديدة الخطورة حيث يتعرض الصماغ فيها إلى لدغ الثعابين والحيوانات المفترسة والعطش، وهي مهنة قاسية للغاية لا تقل قسوة ورهقاً عن مهنة الحطـّـاب وبعد جني الصمغ يذهب به الصمّاغ ليبيعه في السوق المخصص لهذه السلعة وهناك يُذل الصمّاغ ويُهان بل ويُستعّبد بكل ما تحمل هذه الكلمة من معاني، ويتمثل هذا الاستعباد تبخيس قيمه ما يحمله الصماغ من انتاج ويشترى منه في نهاية الأمر بسعر بخس لا يساوي طعنة شوكة واحدة في يده ولا في رأسه..!!.

الجهة التي تشتري هذه السلعة من هؤلاء المساكين والمغلوب على أمرهم سواء كانت شركة أو متنفذين في الدولة أو في المجتمع ُتصدّر الصمغ العربي للخارج وتبيعه باضعاف الأضعاف فيما يجني المنتج الحقيقي دريهمات لا تغني ولا تثمن من جوع يستلمها وهو يتجرع الآلام وفي حلقه غصة وفي القلب حرقة ودعوة لله تعالى لا ُترد..!!.

هذه الشركات أو المتنفذون الذين يستفيدون من عائدات الصمغ العربي بالعملات الحرة لا يقدمون لهؤلاء المساكين الذي يطقون الشجر أي خدمات لا علاج ولا تنمية ولا مساعدات من أي نوع كانت، تستغل عدم دراية هؤلاء المواطنين البسطاء بما يجعلهم يستفيدون من انتاجهم الاستفادة القصوى لا وسائل نقل ولا معرفة بالطرق التجارية والقانونية لنيل حقوقهم المهدورة، والمستفيدون من تصدير الصمغ العربي ليس في مصلحتهم تعليم وارتقاء مناطق الانتاج حتى يظلوا يحصلوا على هذه السعلة بهذه الأسعار الذي تكسبتهم الملايين من العملات الحرة.

لا يهم في شئ إن ارتقت بمناطق المنتجين ولو بإنشاء مركز صحي أو أدخلت لهم بعض الخدمات الصحية أو التعليمية، ما يعني أنها تقوم بعبودية هؤلاء النفر من أهلنا الطيبون، وتأكيداً على ذلك قالت الخبيرة الاقتصادية السودانية في التقرير الأخباري في صحيفة (القدس العربي بتريخ الثالث من يناير 2013م) في تقرير بعنوان (اقبال الغرب على الصمغ العربي يدعم انتاجه وتصديره في السودان) “أن أهمية الصمغ العربي تأتي من حقيقة انه ينتج بالكامل في حزام الفقر”..!!.

ووفقاً لأحدث إحصاءات البنك المركزي بالخرطوم جنى السودان 81.8 مليون دولار من تصدير 46 ألف طناً من الصمغ العربي في عام 2011 ارتفاعاً من 23.8 مليون دولار من 19 ألف طن في 2010 وتشير ارتفاعات الأسعار والكميات إلى أن الإيرادات قد تصل إلى 200 مليون دولار في 2012م.

الخطر الداهم

وهناك أفة إن لم ُتعالج ستؤدي بإنقراض أشجار الصمغ العربي حيث يقوم إنسان المنطقة بقطعها لعمل الزرائب لحيواناته فهي أشجار مثمرة، وشركات الصمغ تقف مكتوفة الأيدي ولا تحرك ساكن ولا تعطي الامر أي أهمية، فاذا كانت هناك مراكز أبحاث ودراسات متخصصة في هذا المجال بإمكاننا أن نجد حل جذري للمنتجين الحقيقيين كما نوجد حلول علاجية حتى للآفات التي تصيب الشجر أحياناً، لكن للأسف الجهات المستفيدة من الصمغ العربي لا يهمها وضع البيئة التي توجد فيها الأشجار ولا تقوم بحفظها ورعايتها لكن يوماً ما ستجد أن البلاد قد خلت من الصمغ العربي لأن الأشجار قد قطعت أو أصابها وابل فاحترقت، وماتت البقرة الحلوب.

إذا أرادت الشركات التي تستفيد من شراء الصمغ العربي أن تقوم بشراء هذه السلعة من البائع بالسعر المحلي وان يسجل أسمه عندما يباع الصمغ في السوق العالمي ويتصل به مرة أخرى ليعطيه نسبة من السعر الذي تم بيعت به السلعة في الخارج بقدر الكمية التي باعها للشركة، وذلك لتشجيع هؤلاء النفر في التفاني في وظيفتهم مع إقتسام مبلغ معين لاقامة مركز أبحاث لتنمية شجيرات الهشاب والطلح لكي تنمو أكثر فأكثر، واذا لم تقوم شركات الصمغ العربي بتغيير سياساتها المجحفة من جانبنا سنقوم بتأليب الرأي العالمي ضدها لأن العالم لا يعلم بهذا النوع من العبودية والاستغلال حتى نفك عن الناس حالة الاستعمار والاستبعاد الاقتصادي التي تمارسها شركات الصمغ العربي ومن ورائهم المتنفذون، واليوم مع ثورة الاتصالات والتواصل من السهل تنوير الرأي العالمي بهذه القضية الانسانية، كل مطالبنا ان ُتؤسس آلية تنصف الطرفين الصماغ والشركات المشترية للصمغ العربي وذلك لديمومة هذه المهنة والمادة للنفع العام الداخلي والعالمي.

 مملكة البحرين- موبايل 0097333666828

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار, أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.