الخرطوم و تغذية صراعات دول الجوار (2)

بقلم مصطفى اندوشو

مواصلة للجزء الاول , فى محاولة لكشف مؤامرات الانقاذ الاستخباراتية فى دعم و تعجيج الاقتتال و تقويض الامن فى دول الجوار , وفى هذا الجزء سوف نستعرض تامر الخرطوم المبكر ضد جوبا قبل ان تصير جنوب السودان دولة ذات سيادة ,و هى محاولة انقاذية استباقية بغرض ذرع الفتن فى مهد المولود الجديد قبل ان يرى النور و بذلك يصير عدم الاستقرار و انعدام الامن لعنة تلازم هذا المولود منذ ميلاده.

جنوب السودان
بعد توقيع اتفاقية السلام الشامل استبشر المراقبين خيرا بان تتخذ حكومة جنوب السودان خطوات جادة لإعادة الامن الى الاقليم , كانت اولى الخطوات الايجابية فى هذا الاتجاه دعوة السيد سلفا كير لقيادات المليشيات الاخرى للاندماج فى الجيش الشعبي فيما عرف بعلان جوبا 2006 , الا ان هذه الخطوة لم تكن كافيه لتحقيق الاستقرار و تقريب الوفاق بين طائفة من المليشيات و قيادات لديها سقف عالي من المصالح الشخصية و القبلية , فسرعان ما اندلعت صراعات قبلية مسلحة بسبب سرقات الابقار او الخلافات القبلية حول الأراضي فشلت جوبا فى احتوائها .

وبعد الانتخابات الرئاسية و البرلمانية اعلن حوالى  سبع قائد تمردهم على حكومة  جنوب السودان معظمهم دفع بحجية عدم نزاهة و شفافية الانتخابات التى ادارتها استخبارات الجيش الشعبى ليفوز مرشحي الحركة الشعبية و يسقط منافسيهم كما يدعون , فتمرد كل من بيتر قديت من (النوير) بولاية الوحدة احتجاجا على تهميشه و هيمنة الدينكا , اما جورج اطور تمرد فى جنقولى احتجاجا على عدم نزاهة الانتخابات التى خسر فيها امكانية الوصول الى كرسى حاكم ولاية جونقلى , من ثم تمرد دفيد ياو يا فى منطقة بيبور بعد ان سقط فى انتخابات المجلس التشريعي , و لحق بهم اخرون .

معظم المراقبون و المحللون اجمعوا على ان المورد الأساسي لهؤلاء المتمردين هو الجزء الشمالي لدولة جنوب السودان , بل لعبت الخرطوم دور محوري و مهم فى نشوء و تطور التمرد فى الجارة الجنوبية, اوردت صحيفة سودان تريبون فى 24 سبتمبر 2012 قال المتحدث باسم جيش جنوب السودان فيليب أقوير ان طائرات عسكرية سودانية من طراز أنتونوف اسقطت بالمظلات ثمانية طرود من الاسلحة والذخائر لقوات زعيم الميليشيا ديفيد ياو ياو في شرق البلاد , ليست هناك مصلحة لاى من الدول فى هذا التمرد لان كل العالم ينظر الى دولة جنوب السودان بعين العطف و الرحمة الا الانقاذ و هذا يعود الى اتهامات الخرطوم لجوبا بعدم تمرد الحركة الشعبية قطاع الشمال فى النيل الازرق و جنوب كردفان و مطالبتها الملحة بفك ارتباط جيش الحركة قطاع الشمال عن جيش جنوب السودان فى جولات مفاوضات معالجة القضايا العالقة بين البلدين .
 
 الا ان امال الخرطوم فى تقوية و اطالة امد التمرد فى جنوب السودان تبددت بعد عامين من تمرد هؤلاء القادة , حيث تمكنت حكومة جنوب السودان من القضاء عليهم واحد تلو الاخر , فتم استدراج كابريال تونج و اعدامه فى يوليو 2011 و قتل اطور فى مواجهات عسكرية فى ديسمبر 2011 اما بيتر قديت عقد تسوية مع الحكومة و اعيد دمج قواته بالجيش الشعبى و منح رتبة رفيعة , كما أعلن الناطق الرسمي باسم الجيش الشعبي العقيد فيليب أقوير أن الجيش الشعبي استطاع اقتحام المطار السري للمتمرد ديفيد ياو ياو بمنطقة أوكيلو بمقاطعة البيبور بولاية جوقلي واسترداده، حيث كان يستقبل فيه المتمرد ديفيد ياو ياو الدعم اللوجستي من قبل الحكومة السودانية ( سودان تربيون مارس 2013).

و ان خطوة اتخاذ بعض المتمردين الجنوبين للعفو الرئاسي الذى قدمه سلفا كير رئيس جمهورية جنوب السودان محمل الجد وقامت قواتهم العائدة من السودان و التى تقدر بالألاف الجنود و اكثر من 100 شاحنة و عربة عسكرية بتسليم انفسهم قبل يوميا تمهيدا لدمجهم فى قوات الجيش الشعبي تعتبر خطوة غاية فى الاهمية , لأنها اثبت بالأدلة الدامغة حسب تصريحات قادات هذه المجموعات انهم كانوا بمعسكرات داخل العمق السودانى و ان العتاد العسكري و الاسلحة بحوزتهم هى من عطايا الخرطوم, انها مبادرة قد تساهم فى دعم استقرار الشقيقة جنوب السودان  
 
الا ان كل هذه الجهود التى بذلتها حكومة الجنوب لتامين حدودها الشمالية تظل غير كافية طالما بقى  حليف الخرطوم د/ لام اكول تربص بها , هذا “الخميرة” الذى انشق من الحركة الشعبية فى العام 2009 و كون الحركة الشعبية لتحرير السودان التغيير الديمقراطي  يعرف بميوله الانقسامية و انه شخصية ذات مزاج سياسي متقلب , وله تاريخ حافل بالتعاون مع حكومة الانقاذ , يتخذ اكول هذا الانشقاق واجهة لطموحاته السياسية فى الجنوب بدعم من الانقاذ , و تستخدمه الخرطوم ككرت مناورة وضغط فى وجه جنوب السودان بشان القضايا العالقة , يتخذ لام اكول من شمال السودان مقر لقواته التى تتمركز بعضها فى ابو جبيهة بجنوب كردفان و اخرى بالجبلين على النيل الابيض.

مصر  
كما كشف فتح الضوء فى الخندق تفاصيل القصة الشهيرة عن دور رموز الانقاذ فى ايواء و تدريب متطرفين اسلامين نفذوا محاولة فاشلة لاغتيال الرئيسي المصري المخلوع حسن مبارك فى اديس ابابا سنة 1995 , كان قد عاش بين ظهرانينا اسامة بن لادن و بعض زعماء تنظيم القاعدة و من وقتها ارتبط اسم السودان بالإرهاب ونال مكانة لم تتزحزح قيد انملة فى قائمة الدول الرعاية للإرهاب رغم فروض الطاعة و التبريكات التى قدمها الانقاذيون ليرضى عنهم اليانكى و اصدقائهم , و بسبب تلك المحاولة المتهورة الفاشلة صارت حلايب قربانا و ثمنا لسكوت النظام المصرى عن اثارة هذه الحادثة , حتى بعد اعتلاء الاخوان لسدة الحكم فى مصر و رغم عن زيارة مرسى للخرطوم الا ان الانقاذ لا تستطيع رد ” القربان حلايب” الى حوش الوطن , فقط تزر بعض الرماد على عيون الشعب , على شاكلة , ان الروابط الاخوية التاريخية بين الشعبين جديرة بإيجاد حلول للازمة و اخرها تصريحات كرتى وزير الخارجية حيث قال  ” حلايب محل حوار و توافق مع مصر” سودانايل 22 ابريل 2013. لا يملكون رؤية واضحة فقط يعتمدون اسلوب “الطبطبة” و دبلوماسية الخراف كما سماه البعض تفاديا للمواجهة.

ليبيا  
اما علاقة الانقاذ بليبيا كانت متقلبة حسب تقلب مواقف القذافي المتأرجحة بين عدو الخرطوم تارة و بين لعب دور الوساطة تارة اخرى او  عدم الاكتراث و الانشغال بقضايا اخرى فى بعض الاحيان , الا ان مشروع الانقاذ الإقليمي كان عامل أساسي فى تفاقم احساس التوجس و الخوف فى نفوس رؤساء الدول المجاورة و خاصة القذافى الذى رصد احتضان الخرطوم لبعض المتطرفين العرب و كان من بينهم ليبيين ناقمين على القذافي , تمكن القذافى بأسلوبه من اقناع الانقاذ بتسليمه المعارضين الليبيين الاسلاميين لديها , لا ادرى باى مقابل , لكن تأكد ابرام هذه الصفقة كما كشفت توثيقات لاحقة , و بعد نشوب حريق دارفور لعب القذافى دورين ,دور الوسيط حيث استضاف مفاوضات “سرت” و دور المساوم عندما فرض الاقامة الجبرية على رئيس حركة العدل و المساواة .  

 و بالمقابل كانت اندلاع الثورة الشعبية الليبية , فرصة ذهبية للإنقاذ لتمارس كيدها المعهود , لقد اعلن الرئيس السودانى عمر بشير فى اكثر من مناسبة , ان نظامه قدم دعم سقى(اسلحة , خبراء , قوات)  للثوار لأجل الاطاحة بالقذافي و نصرة الثورة كما يبدو , الا ان الهدف الحقيقي من هذا الدعم هو القضاء على رئيس حركة العدل و المساواة الشهيد د/ خليل ابراهيم المقيم اجباريا , و ايضا استغلت الانقاذ حماس الثوار الليبيين لتحرضهم ضد الدارفورين الناجين من الابادة حينما صرحت بوجود مرتزقة سودانيين يقاتلون فى صف القذافي بإشراف حركة العدل و المساواة , ابتغاء نيل هدفها المزدوج فى هذه الفوضى , تمكن خليل من النجاة لكن قضى الالاف الدارفورين نحبهم نتيجة هذه التصريحات العنصرية.  

بعد سقوط الأخطبوط الانقاذى الذى الحق دمار واسع بشعوب السودان و صدر العنف و الخراب الى الشعوب المجاورة , ستواجه الحكومة التى تليه تحدى و مهمه عظيمة تتمثل فى اعادة حسن الجوار و تصفية مخلفات و قاذورات الانقاذ , و هى ليست اقل سوء من التركات التى سيخلفها البشير و ذوبانيته فى مجالات شتى , و ان كان انفصال جنوب السودان كان مرا كطعم العلقم  الا ان من حسناته قلل من حجم الحدود المجاورة للسودان الام , فما صرنا جيرانا لكينيا و يوغندا و الكنغو , الا ان الجوار مع المولود الجديد الخارج من رحم السودان لتوه يظل بحاجة الى حنكة و تنازل يراعى فيه الروابط الاخوية و تعلية المصالح المشتركة .

 اما ليبيا و بتخلص شعبها من القذافي قدم خدمة جليلة للإنقاذ و للحكومة المقبلة حيث صار الطريق سالكة و ممهد لبناء علاقات جوار امنة , و ان حالة عدم الاستقرار التى تمر بها ليبيا حاليا هى نتاج طبيعي لعملية التغيير و التحول السلمى بعد اربعة عقود من القهر و الشمولية , الا ان اكثر ما يقلق المرء هو تدفق السلاح عبر حدودها و النشاط الزائد و المنظم للجرائم و الارهاب, خاصة انها تجاور اقليم الابادة “دارفور”, اما الجارة شمالا تربطنا بها اكثر الملفات تعقيدا “القربان” حلايب, و على قادة مرحلة ما بعد سقوط الانقاذ ان يحترموا حق الشعوب المجاورة فى السعي نحو الحرية و لكن فى نفس الوقت يجب ان يحترموا سيادة الدول على اراضيها و حقها فى الامن , و بهذا يصير تجفيف و تصفية وجود المعارضة المسلحة الاجنبية بالأراضي السودانية امر فى غاية الاهمية من الناحية الاخلاقية و الدبلوماسية قبل القانونية , وان يكون شعار السودان الجديد الامن لنا و لجيرننا و الانسانية جمعاء.

مصطفى اندوشو
ابريل 2013
andowsho2002@gmail.com

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.