أم دوم..وأم روابة..والأمات الأخرى

 صلاح شعيب

المسبب للحدثين واحد. سياسة الحكومة الغاشمة هي التي قادت إلى تفجرهما. وحدث أم دوم أعطى الرأي العام درسا بأن هذه الحكومة لا تفرق بين أرض هامش وأرض مركز. إنها بكل السبل تسعى إلى الحفاظ على سلطتها، ولو على حساب إستراتيجيتها الشيطانية التي تحاول بها تحييد مناطق معينة عن صراعها العسكري. إذا قرنا حادثة ضعف حماية أرض أم روابة وأزمة الدفاع المشروع للمواطنين عن الأرض في حاضرة أم دوم، مع أزمات كثيرة، لوجدنا أن الاستبداد الإنقاذي على استعداد دائم لبيع أراضي الناس، والتخلي عن الدفاع عنها بكل سهولة رغم الميزانية الماراثونية.

الأهل في أم دوم أعطونا أيضا درسا في كيفية الدفاع المشروع بالضرورة عن أرض الأجداد. وربما لقربهم من الإعلام رسموا لنا صورة مصغرة لنضالات أخرى عن الأرض لم يتمكن الرأي العام من الوقوف عليها. فالحكومة تصور حملة السلاح بأنهم مصاصي دماء بينما أن الحقيقة هي أنه لا يحمل المرء سلاحه في يده إلا حين تقوده الضرورة الحياتية إلى ذلك. وكذب من قال عن الروح غير عزيزة لحاملها. والضرورة التي قادت أهالي أم دوم إلى الخروج مسلحين بالسلاح الأبيض، أي بما تيسر لهم من عصي، ومناشير، وطوب، وحجارة، هي من نوع الضرورة التي قادت الذين تم الاستيلاء على أراضيهم في دارفور وجنوب كردفان وكجبار والنيل الأزرق إلى صنع ملاحم في الدفاع عن الأرض.

حمل السلاح آخر شئ يلجأ إليه الإنسان المضطر إلى مقاومة الظلم. ولقد رأينا الإسلاميين في ليبيا وسوريا والشيشان وأفغانستان يمارسون ذات الشي دفاعا عن الأرض ومقاومة للاستبداد. ولقد افتخرت حكومتنا بتسليح المعارضة الليبية المسلحة وعدت ذلك من دورها للثأر ضد العقيد. إذن ماذا ترى رد فعل الحكومي حين يستولى على أرضك ويمنحها لآخرين. وفي ذات الوقت يغتصب أختك، ويحرق قريتك، ويصفع لأمك، أو يشتم أصلك الإثني. فالأرض هي أغلى ما يملك الإنسان لأنها من هوياته العليا، ووصية أجداده، ومستقبل وجوده، وذريته. لا الرأسمالية الطفيلية العربية والأجنبية التي يجلبها الوزير مصطفى عثمان تراعي هذا الخصوصية، ولا الوزراء الذي يبحثون عن عمولات يهتمون بهذا الشأن الحساس. ولذلك استشهد فرسان كجبار الصغار وعريس أم دوم المجرتق بالدماء. ولعل الربط بين توجيه البنادق إلى صدور أبناء كجبار، وأطفال أم دوم، وطلاب نيالا، والعيلفون، يرينا إلى أي مدى تبدو دموية أجهزة الشرطة المعبأة ضد الصغار. إنها سلطة التمرس و”التمترس” للبقاء فوق الأطلال وإن أدى ذلك إلى ذبح المستقبل بعد نحر الماضي والحاضر معا.

إن حادثة أم روابة التي سيطرت عليها قوات الجبهة الثورية لا تنفصل عن حوادث النزال الطويلة والمؤسفة بين جنود الحركات المسلحة وقوات الحكومة. ولعله من المؤسف أن نرى أبناءنا في الجانبين يموتون بالآلاف دون أن يلوح في الأفق أمل في الحل العسكري أو السلمي القريبين. ولا نتخيل أن هجوم الجبهة الثورية جاء عفوا، وإنما هو تطور طبيعي لقناعة الحكومة بأن الحل العسكري هو السبيل الوحيد لإسكات صوت المظاليم الذين يحملون غصن الزيتون، والذين يحملون القاذفات. فحادثة أم روابة لا يمكن أيضا عزلها عن أحداث ماضية. وخصوصا في الأسبوعين الماضيين، إذ سعت الحكومة بعد اتفاقية الدوحة مع فصيل منشق من حركة العدل والمساواة إعلان عزمها على سحق التمرد مثلما قال مسؤولون من بينهم وزير الدفاع. ولقد أغرت الاتفاقيات الجزئية التي وقعتها الحكومة مع بعض من فصائل دارفور الدخول في مرحلة جديدة من الحسم العسكري، مثلما أن استيعابها لمعارضين سلميين أغراها أيضا بأن تتلاعب بالقضايا الجوهرية عبر التلويح باستعدادها للحوار الذي يعني أن تسكت الحكومة صوت الناقدين عبر وظائف وفرص متسعة من الفساد.

لا يشرف عاقل أن تستديم هذه الحروب في البلاد بينما الذين فشلوا في إدارة دفتها يحدثوننا عن الاستثمار الخارجي الذي كاد أن يبتلع أرض السودان بعقود مجحفة ويتقمصها شبق إلى امتصاص ثروات السودان. ولماذا الاهتمام بالاستثمار الخارجي وتيسير كل القوانين له بينما تسد الحكومة الأبواب أمام المكون الاقتصادي المحلي، بل تدخل عناصره السجن بحجة أنهم معسرين؟. أي دولة في العالم تعتمد على أموال الخارج في تنمية مصادرها المالية في الوقت الذي تعوق مشاريع مستثمرين الداخل بالضرائب الباهظة، و”الذكوات” والجبايات، و”الرشوة الضرورة” لإداريي الخدمة العامة؟

لقد ضربت الحكومة قاعدة الرأسمالية المسماة وطنية. وبسبب من غياب النظام المالي، والقضائي، الشفاف أدخلت كبار المزارعين في السجون. فضلا عن ذلك وجدنا كبار المسؤولين قد فرشوا البساط الأحمر للرأسمالية الطفيلية التي استغلت حاجة المسؤول لمال خارج النظام المحاسبي، ولذلك انهارت بنوك، ومشاريع، ومؤسسات كبيرة. وأمام هذا الواقع المائل لم تجد الحكومة في خاتم المطاف إلا فرص الوصول إلى تسويات مع هؤلاء الذين امتصوا اقتصاد البلاد. والسؤال الذي يفرض نفسه: كيف يعود “الاستثمار القمعي” في أراضي أهالي أم دوم، أو الشمالية، أو جبل أولياء، أو الجزيرة، بالمنفعة بينما مليارات الخزينة العامة تنفق في الحروب، وفساد الحكام، وشراء ذمم السياسيين، في الهامش والمركز؟ وما جدوى عائد الاستثمار إذا كان كله يذهب إلى شركات السلاح ليعود في شكل عتاد عسكري فيه طلقات، ودانات، توجه إلى صدور السودانيين بعضهم بعضا. نقول ذلك ونحن على إدراك أن كثيرا من سلاح الحركات المسلحة قد غنمته في معاركها مع الحكومة المستوردة للسلاح الثقيلة.

إن ما حدث في أم دوم وأم روابة يفرض على كل السودانيين الإحساس بمظالم بعض منهم. وما لم ينهض كل السودانيين بحس قومي لمعالجة قضاياهم فسيظل النظام الشرير قادرا على إيصال البلاد إلى مرحلة الحرب الشاملة التي لا تترك سودانيا واحد سعيدا بحاله. وربما أن حالة سعي النظام القائم إلى حل مشاكل أهل البلاد بالتجزئة هو الذي أوجد روحا سالبة في التضامن ضد هؤلاء المظاليم وأولئك. فقضية نزع أراضي الأهل في دارفور ينبغي أن يحرك الضمير القومي بجدية لازمة، وما حدث من اعتداء على أهالي كجبار وأم دوم ينبغي أن يكون دافعا لكل الناس للتضامن العاجل لرد كل المظالم القومية.
ولكن كيف السبيل إلى ذلك وقد نجح ذئب النظام مرحليا أن يأكل في كل يوم من الغنم القاصية ولا يرعوي من التهام كل الأغنام التي تتوسط المراح. فبالأمس ظلت أراضي دارفور نهبا للمهجرين، ولقد قمع أهلها بالأنتنوف في ظل صمت كبير، وتلت تلك المأساة حادثة كجبار التي قتل فيها فلذات أكبادها، وتواصل المسلسل لتكون جبال النوبة والنيل الأزرق مسرحا لحمم “دوشكا” القوات المسلحة. واليوم أم دوم التي روعت بهذه الهجمة الشرطية القاسية التي لا تتناسب مع احتجاج سلمي. وقبل ذلك صمت الناس على مجازر بورسودان، وقلع أراضي أهالي المسعودية التي بنيت من فوقها مؤسسة “جياد” التي لم تحقق خيرا للبلد. ولا ندري هل سيتواصل هذا المسلسل ليشمل أراض أخرى أم سيسقط هذا النظام الذي أذاق السودانيين جميعهم صنوفا من الأذى.؟

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار, أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.