الصراع العربى العربى فى دارفور …الحكومة تصفى حلفاءها

بقلم : اندوشو مصطفى

تنبيه: اوردت فى هذا المقال بعض التوصيفات و التى يجب فهمها من غير تعميم ,مثلا قبيلة (أ) لا تعنى بالضرورة كل افراد تلك القبيلة ,و  لفظ عرب التى وردت احيانا يجب ان تحمل على نحو لا يشمل كل عرب دارفور , و ايضا لا اقرر هنا بان كل عربى جنجويد , و الله من وراء القصد
 
 تستغل حكومة المؤتمر الوطني مليشيات الجنجويد فى حربها لإبادة الشعوب الافريقية فى دارفور بعد ان عبئتهم بشحنات كبيرة من العنصرية و الحقد السافر , واغرتهم بوعود جوفاء لم يتحقق منها شيء على ارض الواقع , و على مدي عشر سنوات من الحرب بالوكالة كانت الحصيلة خسائر كبيرة فى الارواح و الاموال المّت بالقبائل العربية التى تنحدر منها مليشيات الجنجويد , اغلبها كانت بسبب مواجهات نشبت فيما بينهم , و السبب في ذلك ان من صنعهم ليقاتلوا بالوكالة عنه بات يرغب فى اضعافهم و كسر شوكتهم.  ولإلقاء مزيد من الضوء على أبعاد الصراع العربي العربي الذى تشهده دارفور, و للتعرف على اسبابه و تعقيداته , حاولت ان اجد اجابات و تفسيرات للأوضاع الحالية في الإقليم وما تدور فيه من حروب قبلية بين مليشيات بعض القبائل العربية  .

لم تكن الحرب بين الحكومة والمتمردين التي أندلعت في عام2003 ، هي وحدها السبب الأكبر لحالات العنف والقتل في دارفور , وإنماهنالك سبب اخر يتجلى فى الاقتتال بين القبائل العربية التي سلحتها الحكومة لأجل حربها ضد التمرد وخلّف هذا الاقتتال مئات القتلي وزادت معه نسبة النزوح وضاعف من هشاشة الامن المنفلت اصلا و اصبح بسببه عشرات الآلاف من المدنيين فى خط المواجهة , بل فى ارض المعركة التى يتناحر فيها الاشقاء حلفاء الخرطوم, إلا أن هذا الاقتتال الذي قد يكون غير مفهوم لكثير من المراقبين -كما أن أطرافه متشابكة و متداخلة بحيث يصعب تحديدها- لكننا لمزيد من الفهم يمكننا ان نقسمهم الى مجموعتين: مجموعة قبائل البقارة “رعاة البقر” و مجموعة الابالة “رعاة الابل”, هاتين المجموعتين  تصنّف على انها متشابهة من ناحية العرق ويجمعها جسم تنظيمي واحد يسمى “التجمع العربي” اسسه مثقفين و قيادات تقليدية لتحقيق اهداف مشتركة تواثق عليها ممثلين عن بعض قبائل عرب دارفور , وهي كيانات اجتماعية نظمت نفسها لتحقق معا مكاسب استراتيجية, و ليست جزر معزولة تجمعها قواسم اللغة و الثقافة فقط كما يظن البعض لكن الفروقات في طبيعة حياتهم ناتجة عن اختلاف نوعية الحيوانات التى يرعونها مما خلق فروقات في نمط العيش إلا ان عدم توفر  مساحات رعي واراض (ديار) خاصة بهم لأسباب يرجع بعضها لسياسات المستعمر و اخرى تتعلق بتواريخ استياطنهم الحديثة نسبيا في الاقليم , ولذلك كان همها الأساسي الحصول على الأرض لأجل المراعى و لاحداث توازن فى ميزان القوة المحلى لان الثقل السياسي للقبائل فى دارفور مرتبط بالأرض التى تعزز امتياز السلطة و النفوذ.

لقد وفرت الحرب التى حشدتهم لأجلها الحكومة فرصة نادرة لطرد القبائل الزراعية التى تحتل مواقع خصبة و استراتيجية وتقع فى ممر مراحيل هذه القبائل الرعوية و بعد ان تلقت سلاح و العتاد العسكري استخدمته بقوة لتحقيق اغراضها الخاصة المتعلقة بحيازة الأرض و اهداف الحكومة المتمثلة فى تجفيف العمق المدني للحركات المسلحة “سياسة الارض المحروقة”,  و نتيجة للدعم غير المحدود الذى تلقته هذه المليشيات من الحكومة اختل ميزان القوة و بات العرب فى دارفور اكثر تنظيما ,بسبب الاستقطاب الاثني الحاد و الاكثر تسليحا فحاز بذلك قيادات الجنجويد على نفوذ و تمثيل معتبر فى حكومات المركز و الولايات كثمن لخدماتهم , لكن كل هذا لم يوحدهم بل زاد الجشع و التنافس فيما بين المجموعتين وتسبب في حروبات دامية خلال الخمس سنوات المنصرمة و كانت ابرز هذه الحروب تلك التى دارت بين النوايبة و الهوتية سنة 2005 و بين الترجم و الابالة سنة 2007 و هذه الاخيرة قادها (حميدتى) قائد مليشيات الجنجويد فى جنوب دارفور استخدم فيها السلاح و التجهيزات الحكومية التى يحصل عليها باسم حرس الحدود,  وبين الترجم و البنى هلبة , الرزيقات و المسيرية..الخ, وقدر تقرير اصدرته “هيومن رايت وتش” ان القتلى الذين سقطوا فى الحروب بين القبائل العربية فى دارفور ما بين عام 2005 – 2010 حوالى 700 شخص وهذا الرقم ربما يبدو صغيرا مقارنة بحجم و نوع السلاح الذى استخدم فى هذه المعارك بالإضافة الى ان القبائل لا تقدم الاحصائيات الحقيقية لقتلاها حتى لا تظهر في ثوب المهزوم و ايضا لتحافظ على الروح المعنوية متماسكة بين افرادها المقاتلين.   

و الملاحظ ان قتل العرب على يد العرب في تصاعد مستمر من دون أن يسلط الضوء على هذا الصراع بشكل اعمق على المستوى الدولى و المحلى الا من بعض المحاولات التى يبذلها بعض الصحفيين و المهتمين  وهي نفس سياسة التعتيم التى انتهجتها الحكومة في التعتيم على اخبار الازمة فى دارفور حيث لازالت تمارس الرقابة على الصحف و تمنعها من بث اخبار المجازر التى حدثت فى حقل التعدين عن الذهب فى “جبل عامر” بين الابالة و البنى حسين فما نشر عن هذه الحرب فى الاعلام المحلى لا يرتقى لمستوى  يعكس حجم الكارثةالتى تسببت فى حرق عشرات القرى و تهجير الاف المدنيين ورغم ان بعض التقارير الواردة  عكست ان ما حدث لا يمكن ان تكون نتائجه بهذا الحجم الكارثي لو ان الحكومة لم تسلح القبائل العربية بهذا الكم الهائل من السلاح الثقيل و وسائل الحركة الحديثة , و كذلك كان يمكن تفادي نتائجه الوخيمة لولا تقاعس الحكومة فى بسط الامن و اجراء التدابير الوقائية لمنع نشوب مثل هذه الحروب ويأتي ما صرح به زعيم مليشيات الجنجويد “موسى هلال” فى صحيفة السودانى الاسبوع المنصرم تأكيدا للاتهامات الموجهة للخرطوم بالإضافة الي والى  الفاشر, والتى يفهم منها ان الجهتين  ارادا لهذه الحرب ان تنشب و هذا واضح من تساؤل هلال: “لماذا تحاربوا بعد زيارة مجموعة من السياسيين”؟.

ان الصراعات المسلحة التى حدثت ما بين بعض القبائل العربية فى دارفور خلال السنين الفائتة كانت فى بدايتها حوادث معزولة اغلبها اخذت طابع اللصوصية والنهب او جرائم القتل الفردية ,لكن بسبب توفر السلاح فى ايديهم مع عدم تدخل الحكومة لمعالجتها و تبنيها لسياسة الدعم النشط لأحد الاطراف دون الاخري او غض الطرف , تحولت إلى معارك ضارية بين المجموعات القبلية واستقطب لها بطون القبيلة و حلفاءها لاشراكهم كطرف في النزاع وبالتالي توسعت دائرتها و تعدد اطرافها مما زاد من تعقيدها اكثر فاكثر , و الحكومة دائما تفضل ان تأتى متأخرة لتقف على الحطام الذى كان بمقدورها تجنبه لو تحلّت بقليل من المسؤولية , وعلى عجل بعد ان تشهد على الخراب بنفسها تفبرك مصالحات صورية اجرائية فلا هىي تقدم حلول جذرية للأسباب الرئيسة للمشكلة أو تجد توصيات هذه المصالحات طريقها الى التنفيذ إذ سرعان ما يعود الامر للمربع الاول و هذا هو ما ترجوه الحكومة ,مزيد من الاستنزاف للإنسان الدارفورى وتمزق كل الروابط الاجتماعية التقليدية حتى يصبح هذا الواقع المتشابك على المدى البعيد معوقا امام عمليات احلال السلام الاجتماعي مما يصعب من التعايش ما بين مكونات الاقليم بحيث يصبح الامر اكثر تعقيدا و يصير الكل ضد الكل ويصبح من السهل إخفاء الجناة الحقيقين وتضيع الدلائل والشواهد علي جرائمهم الفظيعة .

اما الهدف الاخر من هذا الاستنزاف فهو إضعاف سلطة و سطوة “الجنجويد” الوكلاء الذين انقلبوا على سيدهم خاصة بعد ان قامت بعض المليشيات بإعلان نيتها فى التمرد على الخرطوم  و بالتحديد (حميدتى) عندما تقاعست الحكومة عن دفع مرتبات مجموعة الجنجويد التى يقودها  و التي تقدر اعداد القوات التى تدين له بالولاء بحوالي 3 الف مقاتل فى حوزتهم 150 عربة لاند كروزر , كما تمكن بعض الجنجويد من عقد صفقات مع الحركات المسلحة و انخرط بعضهم فى صفوف حركة العدل و المساواة , هذا التحول المفاجئ فى مواقف بعض قيادات الجنجويد اثار قلق الخرطوم , بالإضافة الى حالات السطو على اموال الحكومة و تقويض النظام و الافلات من العقاب التى ضاعفت من القلق الرسمي, لكن المطبخ العاصمي المعروف بتعطشه للدماء و قدرته على نسج المؤامرات من غير اى رادع او وازع , قرر تصفية حلفاءه بدم بارد  ليأتي طباخوه لاحقا و يمشوا فى الكرنفال الجنائزي لضحيتهم الجديدة و حليفهم القديم ,لقد نجحوا فى تعبئتهم ضد الاخرين ولن يصعب عليهم الآن استخدام وصفةمشابهة ممزوجة بقليل من المكر ومضاف اليها بريق المال لتغرز الفتنة انيابها.    

المكون العربى فى دارفور قوة لا يستهان بها  و بظهور بوادر تقارب بين مليشيات الجنجويد مع الحركات المسلحة و تمردهم و خروجهم على سيطرة الحكومة صارت الاخيرة تخشى من نشوء تحالفات و اصطفاف جديد بين مكونات الاقليم كطرف موحد فى مواجهتها خاصة بعد ان توصل الكثير من قيادات الجنجويد للا جدوى الحرب, و ان الوعود التى قطعتها لهم الحكومة لا يمكن تحقيقها او الاستفادة منها بمعزل عن المكونات القبلية الاخرى في الاقليم و انهم فى نهاية المطاف يجب ان يتصالحوا و يتعايشوا مع النسيج الدارفورى , فهذا الاستنزاف استراتيجية لقطع الطريق امام تلاحم ابناء دارفور فى صف واحد حتى لا تقوى شوكتهم.  

و تدخل حقيقة اضعاف الادارة الاهلية و تسيسها كعامل مهم فى اكمال مخطط الحكومة المركزية, فاصبح الزعماء الاهليين موظفين لدى الدولة يتلقون الرواتب و الحوافز  مما جعلهم اكثر طاعة و اقل اعتراضاعلى سياسات الحكومة الساعية لمزيد من التمزيق  لدارفور ,و كانت الادارة الاهلية فى اوقات سابقة لها دور معلّا فى احتواء و اخماد التوترات و الصراعات البسيطة قبل ان تتحول الى صراعات مسلحة معقدة , اما هذه الايام فاصبحت الادارات الاهلية تنتظر موافقة الحكومة لتقدم مبادرة صلح او تسوية سلمية لبوادر ازمة بين قبيلتين و بهذا تكسب الحكومة مرتين : المزيد من الوقت ليموت العديد من الناس ومن ثم تمارس هوايتها المعروفة بالوقوف على مهرجان الجثث و الموت بذريعة احلال السلم والامن الكاذبين .   

و ياتى من ضمن هذا المخطط السلام المجزّء الذى تبرمه الحكومة بمثابة دليل قوى لرغبتها فى استمرار الازمة ,فأقصاء ممثلي القبائل العربية من اتفاقيتي ابوجا و الدوحة بشكل يضمن عدم حصولهم على مقابل للخدمات التى قدموها للحكومة نبههم لحقيقة انهم مجرد وسائل لتحقيق غايات الحكومة المركزية وهذا بدوره دفعهم للاحساس بالتهميش وتعمق لديهم هذا الاحساس اكثر  باستمرار كل الاطراف بما فيهم الوسطاء الدوليين في النظر اليهم باعتبارهم ليسوا طرفا فى عملية السلام  و هذا ليس مصادفة وانما هو تدبير حكومي بحيث يتأجج الغبن فى دواخلهم , فينظروا الى انفسهم على انهم ضحية , فتضمن الحكومة بذلك بقاء بذور الصراع المقبل محفوظة تستطيع ان ترويها متى ما شاءت ليطل الشيطان برأسه مرة اخرى.   

ان استمرار الصراعات بين المليشيات القبلية العربية المسلحة  توفر للحكومة فرصة تسويق فرية ان النزاع فى دارفور منشأه التوترات القبيلة و ليس القوة المحركة للسياسة فى المركز و تواصل بذلك ترويج فريتها فى ان ما يدور فى دارفور الآن ليس الا نزاعا قبليا معقدا وذو ابعاد تاريخية تتعلق بطبيعة الانشطة الحياتية و ظروف الطبيعة عملت المنظمات العالمية و الحركات المسلحة علي تصويرها على انها ابادة جماعية , كذلك هى سانحة لان تدعى الحكومة بانه ليس هناك صراعا ذا دوافع عرقية بين العرب و الافارقة و الدليل ان العرب الآن يتقاتلون فيما بينهم بشكل ضار و ان كان هنالك كما يدعى العالم ان العرب يستهدفون الافارقة ,فالأولى للعرب ان يتحدوا معا ضد عدوهم المشترك خيرا لهم من ان يتقاتلوا فيما بينهم  و قد تنطلي هذه الخدعة على كثير من المراقبين الذين يهتمون بسطح الامور من غير ان يخوضوا فى الاعماق.

ان شرط نزع سلاح الجنجويد هو احد الشروط التى ارهقت الحكومة كثيرا وكانت معظم قرارات مجلس الامن التى صدرت بشان الازمة فى دارفور تنصُّ على هذا الشرط و كذلك اتفاقيتي ابوجا و الدوحة  لكن عمليا لا تستطيع الحكومة جمع هذا السلاح خوفا من المواجهة لان قادة الجنجويد يرفضون تسليم سلاحهم لمعرفتهم بعجز الحكومة عن حمايتهم و ايضا لا ترغب الحكومة فى نزعه لحاجتها الملحة لهؤلاء الجنجويد, لأسباب تتعلق بالمشاكل العميقة التى يعانيها الجيش السودانى , فالاستنزاف آلية ابتكرتها الحكومة لتشغل الجنجويد فيما بينهم حتى لا يرتكبوا مزيد من الجرائم التى تورط الحكومة مع المجتمع الدولى اكثر و اكثر, و هى طريقة لنزع السلاح من خلال قتل حامل السلاح نفسه ,فى مواجهات تقضى على الجنجويد ,فالسلاح بلا شخص يستخدمه يكون مثله مثل اى عصا لا خطر منه, و بذلك يتحقق هدف مؤقت ,و هو تقليل عدد حاملي السلاح من المليشيات العربية بعد ان تقل اعدادهم بسبب هذه الصراعات الجانبية المفتعلة.

العديد من القيادات العربية التى دعمت الحكومة بمليشيات لمواجهة التمرد فطنوا لحقيقة أنهم علقوا داخل دائرة مفرغة من العسكرة و العنف و اللصوصية والنهب بالإضافة الى الاستغلال الحكومي و انهم لا يستطيعون الخروج من هذه الدائرة الا بنفض يدهم عن يد الحكومة  لكنهم من دون حلفاء فى الوقت الحالي ليساعدوهم على ذلك ,  رغم ان عملية الحوار مع  الاطراف الاخرى و نيتهم فض شراكتهم مع الحكومة قد بدأت في التبلور , و لحين تحقيق هذا الغاية سوف يظلون فى حاجة الى دعم الحكومة على الاقل فى الوقت الحاضر رغم وعيهم بكونه دعما انتهازيا إلا ان علي الحركات المسلحة مساعدتهم فى فك ارتباطهم بالحكومة ,و كسر حلقة الدائرة المغلقة التى علقوا بها , فالجو مواتي لأحداث اختراق مهم بالاستفادة من تنامى الإدراك و الوعى النسبي بنوايا الحكومة , لان الأغلبية الآن قد فطنت لحقيقة ان المستقبل يرتبط بإمكانية كل المكونات الدارفورية علي التعايش السلمي , و ان اي تحالف مع الحكومة لن يضمن مستقبل واعد لاي مجموعة علي حدة خاصة وان نظام الانقاذ يتعرض لضغوطات من كل الاتجاهات و ربما يعيش اخر ايامه.

اندوشو مصطفى
مارس 2013
andowsho2002@gmail.com

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.